العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

التفاصيل الشيطانية - ليست بتفاصيل

«بناء الثقة» يضع المحتلّ والضحية على مستوى واحد — لا يشرّع الحوار بل القوة العارية. والتفاصيل «الشيطانية» ليست بتفاصيل.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

«التفاصيل الشيطانية»

ليست بتفاصيل

فواز طرابلسي

مهما تكن الاعلانات الرسمية عن الجولة الثانية من المفاوضات الاسرائيلية-الفلسطينية المباشرة التي انعقدت في شرم الشيخ وتستأنف القدس، الا انها لا بد ان تضطر الى معالجة موضوع تمديد فترة التجميد الجزئي للبناء الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية وهي المهلة المفروض ان تنتهي يوم ٢٦ من ايلول الجاري.

يجري التفاوض تحت وطأة الابتزاز الاسرائيلي بوجود مشاريع جاهزة لبناء لا اقل من ١٣ الف وحدة سكنية لا تنتظر الا اشارة البدء بالعمل. تعزز منها اعلانات من معظم ممثلي الاحزاب الرئيسية برفض الاستمرار في التجميد. في المقابل كرر رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس بالانسحاب من المفاوضات في حال لم يمدد التجميد. الموقف الاميركي واضح في غموضه. اختار الرئيس اوباما عباراته بقدقة عندما قال انه نظرا للايجابية التي اتسمت بها المفاوضات «فمن المعقول ان يجري تمديد التجميد». ومع ان السيدة كلنتون، التي ترعى التفاوض، كررت القول، الا انها تركت الامر للبت بين الرئيسين المتفاوضين.

لا يريد اي من الفريقين ان يبدو انه قد خرّب المفاوضات. فلا عباس يستطيع الانسحاب بسهولة ولا نتنياهو يستطيع استئناف البناء الاستيطاني كما لو ان شيئا لم يكن. يبقى علي السيدة كلنتون ان تجد تسوية بين حدي التجميد الكامل والاستئناف غير المقيّد. ومعروف هنا ان رئيس الوزراء الاسرائيل قد عرض على وزارته المصغّرة صيغة قد يعرضها في شرم الشيخ تسير على خطى سياسة سلفه ايهود اولمرت وتعتمد البناء المقيد والمراقب في الكتل الاستيطانية الكبرى والقدس الشرقية.

مهما يكن، تكاثرت في هذه المفاوضات وفي مقدمات الجولة الثانية تفاصيل غطى عليها السجال حول تجميد الاستيطان. يقول المثل عند البحث في العقود والاتفاقات ان «الشيطان كامن في التفاصيل». ولعل الكشف عنها والتعليق عليها بضيء جوانب رمادية، إن لم نقل معتمة، من طبيعة هذه المفاوضات ومساراتها.

التفصيل الاول. عدم التكافؤ بين شروط الطرفين. كما في كثير من عمليات التفاوض في النزاع العربي-الاسرائيلي، يبدأ الامر برفض الطرفين المتفاوضين اي شروط مسبقة قبل ان يعلن كل طرف شروطه، المسبقة منها وغير المسبقة. وهذا الخلط بين شروط مسبقة وشروط غير مسبقة هو خلط تجرى محاولة فك عقده من خلال ما يسمى عملية «تحديد اطار». علما ان بنيامين نتنياهو يعد بأنجاز «تحديد الاطار» في غضون سنة.

مهما يكن، يطرح رئيس الوزراء الاسرائيلي، ويكرر شرطيه: الاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة واولوية بحث الامن. في المقابل، يرفض رئيس السلطة الفلسطينية الشرط المتعلق بيهودية الدولة ويعطي الاولوية لتحديد حدود الدولة الفلسطينية، مهددا بالانسحاب من المفاوضات في حال عدم تمديد قرار تجميد بناء المستوطنات في الضفة الغربية.

ثمة اختلال فاضح بين الشرطين. فالاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة عنوان من عناوين الحل النهائي. بل قد يكون خاتمة الحل النهائي. لأنه لا يكرّس اسرائيل بما هي دولة جميع اليهود في العالم (بموجب قانون العودة الاسرائيلي) وانما يتنازل نهائيا عن حق العودة الفلسطيني. في مقابل هذا الشرط «النهائي»، يصعب تصنيف شرطي تمديد قرار تجميد الاستيطان واولوية تحديد حدود الدولة الفلسطينية العتيدة على انهما ينتميان الى جدول اعمال الحل النهائي.

وتجدر هنا الاضافة الى اي مدى يذكّر هذا الاختلال في الشروط بالاختلال الاصلي في الاعترافات المتبادلة في اتفاق اوسلو الاصلي حيث اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية «بحق دولة اسرائيل في الوجود بأمن وسلام» في حين اكتفت اسرائيل بالاعتراف بـ «بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا للشعب الفلسطيني». بل يمكننا القول بثقة ان مقدمات الاختلال في هذه الجولة الثانية من المفاوضات الحالية تأسست علي الاختلال الاصلي في اعترافات اتفاق اوسلو ذاته.

التفصيل الثاني يتعلّق بموضوعة «الامن». وما يفقأ العيون هنا هو مدى تدجين المفاوض الفلسطيني، والعربي معه، على القبول بتعريف لـ«السلام» بما هو يكاد ان يختزل بالمسؤولية الفلسطينية والعربية عن حفط امن اسرائيل ومن غير ما مقابل.

لا بد من الاستطراد هنا من قبيل الانصاف بالقول ان المفاوض الفلسطيني إذ يطرح يقابل الاولوية الامنية باولوية تعيين حدود الدولة الفلسطينية يثير السؤال المحرّم: ما هي حدود دولة اسرائيل المطلوب حماية امنها؟ فيكشف لا فقط ان اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا حدود لها. بل انها نجحت في ان تفرض على العالم ان لا حدود لها بمعنيين: حريتها في الاحتلال والتوسع الاستيطاني بلا حدود، و«حقها» في شن الحروب والاعمال العسكرية والاغتيالات في اي بقعة في العالم بإسم «حفظ امن اسرائيل».

في القبول بأحادية الامن تكمن هشاشة التكتيكات التفاوضية للسلطة الفلسطينية. ولن نتحدث الا عن التكتيك التفاوضي. تسارع اجهزة الامن التابعة للسلطة الى اعتقال ناشطين لحركة «حماس» في الضفة الغربية بتهمة «تهديد امن اسرائيل». ولكن السلطة لا تشترط اي شرط امني في المقابل ولا تطالب الحكومة الاسرائيلية بأي اجراء يتعلّق بالأمن الفلسطيني، لا بفك الحصار على غزة ولا بوقف العمليات العسكرية الاسرائيلية المستمرة على شعبها (وقد اوقع القصف الاسرائيلي الى مقتل ثلاثة مدنيين في غزة والمفاوضات جارية براعيتها السيدة كلنتون)، بل نادرا ما ارتفعت اصوات في الفترة الاخيرة تضع موضوع الافراج عن جيوش المعتقلين والسجناء الفلسطينيين من السجون الاسرائيلية كشرط من شروط التفاوض او كبند علي جدول اعماله. فكأنما انفصال الامر الواقع بين الضفة وغزة تعدى الاقتصاد والسياسة ليشمل الامن والاعتبارات محض الانسانية!

التفصيل الثالث. المستوطنات. عشية انعقاد الجولة الثانية، اعلن مسؤول فلسطيني ان السلطة الفلسطينية عازمة على وقف العمالة الفلسطينية عن العمل في المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية. بدا الامر كأنه يساق من قبيل التهديد في خدمة تمديد فترة التجميد الجزئي للبناء الاستيطاني. سوف يدهش كثيرون عند سماع هذا الخبر – المسكوت عنه عادة- عن دور العمالة الفلسطينية في بناء المستوطنات التي تكرّس الاحتلال الاسرائيلي على الارض الفلسطينية وتضيّق رقعة الدولة الفلسطينية العتيدة حتى لا نقول انها تقضي عليها! مهما يكن، حري بالسلطة ان تحل هذا التناقض بين المطلب والقدرة الذي يستخدم عادة لدحض مطالبتها بوقف الاستيطان.

التفصيل الرابع. في فلسفة التفاوض. عشية الجولة الثانية تحوط الرئيس الاميركي لانهيار المفاوضات بتأكيده عزم ادارته على العمل من اجل استئنافها من جديد. على ان الاهم في تصريحه هو عرضه لما يشبه الرؤية الاميركية لفلسفة التفاوض. طالب الرئيس الاميركي كلا من نتنياهو وعباس ان يفكر كيف يساعد الآخر على ان ينجح. وزاد انه يتعيّن على هذا وذاك «النظر الى العالم من خلال عَيني الآخر، وهذا يتطلب العلاقات الشخصية والثقة».

غريب امر هذه التعاليم والتوجيهات الشخصية والحميمة واللائقة والمهذبة تصدر عن رئيس اميركي يمارس نقيضها في حله للنزاعات في افغانستان والعراق ناهيك عن لحروب المستترة والمستمرة ضد «الاردهاب الدولي». ولكن هذا التكرار لدروس «بناء الثقة» يفضح مدى الاستهتار بحقوق الشعوب إذ يشخصن القضايا والمشكلات ويتغاضي عن جذور النزاعات وتضافر عواملها المختلفة. فعندما يوضع المحتل مع ضحية الاحتلال، والقاتل والضحية على مستوى واحد فهذا يعني تشريع الابواب في حسم النزاعات، لا للحوار ولا للثقة، وانما للقوة العارية.

هي تفاصيل «شيطانية» ولكنها ليس بتفصيلية.

المواضيع
تاريخ
البلدان
العراق فلسطين
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.