شهدت بلدان الاتحاد السوفياتي خلال الأشهر الأخيرة مجموعة من التطورات المجمعة المتلاحقة لم تترك للمراقبين فرصة لالتقاط الأنفاس والتقييم الهادئ بين حدث وآخر. في الاتحاد السوفياتي، حيث أسقط الناخبون عدداً لا بأس به من وجهاء الحزب المرشحين لمجلس السوفييت، وانجزوا شخصيات معارضة منظمة من مثل بوريس إلستين بأغلبية كاسحة، وقف المواطنون مشدوهين أمام أجهزة التلفزة يتابعون وقائع جلسات برلمان مصمم على انتزاع كامل حقوقه. وأخيراً ليس آخراً، بعد أسابيع من الذهول والشلل وصراعات الأجنحة، حزمت قيادة الحزب الشيوعي الصيني أمرها لتهز الغرب بتسليط «جيش الشعب» ضد شعبه فاغرقت ربيع بكين الواعد بدم الآلاف من العمال والطلاب في ساحة تيان نان مين.
أسهمت البيرسترويكا في نزع الشرعية عن أنظمة أوروبا الشرقية. ولكن، ما هي الحركة الشعبية التي أطاحت بتلك الأنظمة؟ تبدأ معالجة هذا السؤال من الطبق البهيئة.
وقفة للدهشة وفحص الضمير والغضب
أعلن ميخائيل غورباتشوف أن ما يجري في بولندا يلبي «ضرورة تاريخية». وعلى ذلك يعطي عملياً الضوء الأخضر لتطورات مشابهة في سائر أوروبا الشرقية. هكذا أطاحت ثورة شعبية سلمية بأنظمة ستالينية أو نيو ستالينية صادرة عن التدخل السوفياتي لقمع المحاولات الإصلاحية والاستقلالية فيها في الستينيات، فارضة خلال عقدين من الزمن ما كنا نسميه بأنظمة الـ«طبيع»، أنظمة معزولة عن شعوبها، حافظت على نفسها بقوة الجيش السوفياتي والمخابرات وباستبداد مذهل تجاه الرأي العام والإرادة الشعبية.
إن قادة مرحلة التطبيع هم وبقايا القادة الستالينيين الأصليين، الذين حكم كل واحد منهم من عقدين وثلاثة عقود من الزمن، جعل معظمهم الآن إلى المحاكمة بتهمة الفساد بقدر ما تفكك أنظمتهم التوتاليتارية ومرتكزاتها: نظام حكم الحزب الواحد، وجبهات «الوطنية التقدمية»، ومليشياتها المسلحة، ومخابراتها السياسية في القوات المسلحة، ودور المنظمات الحزبية في أجهزة الدولة والمنشآت الاقتصادية.
البيرسترويكا وأنظمة «التطبيع»
إذا كانت البيرسترويكا تقرن الإصلاح الاقتصادي بالإصلاح السياسي فلأنها محاولة جذرية في الجواب على أزمة اقتصادية ــ سياسية، وأيضاً أزمة ثقافية بالمعنى العميق للكلمة. إنه الأزمة الأول للكشف عن نمو التناقض بين تطورات الاحتياط «والبناء الفوقي» السياسي والقانوني والثقافي من جهة ثانية.
ولاختصار شرح طويل، نستعير معادلة المؤرخ اليولوي الماركسي اسحق دويتش في تقييمه لدور ستالين: «إن ستالين قد حرّر الاتحاد السوفياتي من الهمجية الوسائل بمصحة، في نفسها همجية». كانت كلفة التصنيع السوفياتي الستاليني المشوطة في: ١) إعدام الأكل من الحمض الحي للشعب الروسي، إذ تم على حساب الريف، وقوع بحملة التجميع القسري للزراعات بما رافقها من حملات إبادة جماعية لملايين الفلاحين؛ ٢) استخراج فضل العمل من الطبقة العاملة بأخضاعها لجملة من القسر العسكري والتعبئة الوطنية (الدفاع عن الوطن ضد الخطر النازي)، ثم إعادة إعمار البلد بعد الانتصار في النازية؛ ٣) إضعاف القسري والحلول القمعية لمسائل القوميات والإثنيات بالترهيب والتهجير.
معادلة البيرسترويكا: الديمقراطية والسوق
ولكن البيرسترويكا تطرح، في اعتبارها، على نحو أكثر جذرية ودياكتيكية مسألة الديمقراطية. في المجتمع السوفياتي تشكل حوافز الإنتاج جملة من العوامل المتداخلة: الخوف من البطالة، أيديولوجيا التساؤل التاريخي السريع ومقدرة البلد على الجدة، قيم وتسهيلات القابلية الفاعلة في التكتل، إلخ. لكن ليست بالحوافز القالية الفاعلة في البلد حوافز الانتاج في مجتمع الانتقال إلى الاشتراكية بالعودة إلى ألف باء الاشتراكية «كل حسب عمله»، فيرد ثانياً بـ«حوافز السوق»، ويرد ثالثاً بالديمقراطية.
والديمقراطية ليست عملية مكملة تجمع بين التمثيل المباشر والتمثيل غير المباشر (البرلماني) وأشكال مختلفة من التسيير الذاتي ومشاركة المنتجين في القرار الاقتصادي والسياسي في مواقع العمل وأخيراً وليس آخراً في مواقع سكناهم وممارستهم الحياتية الدائمة. والحقيقة إن وحدها الديمقراطية تسمح بتطبيق فعال وبدينامية مستفيدة التسيير في الفاعل. إنما ميدان الصراع القادم في المدى غير الفوري هو بين الديمقراطية والسوق.
بهذا المعنى تغيب البيرسترويكا المعادلة التقليدية في الفكر التقليدي بين الديمقراطية والاشتراكية يجعل الأولى لا مجرد القالب السياسي للناقلة، أي الثانية. فالبرنامج البيرسترويكي في أحد مستوياته، يتوقف على مدى قدرة الاتحاد السوفياتي على فرض اقتصادياته بامتداد مع الاقتصادات العالمية، وعلى وظيفة التكنولوجيا الحديثة.
تبدو مجرى الأمور والاتجاه السوفياتي كأنها انتقام من دعاة «دور العوامل الذاتية» في الانتقال إلى الاشتراكية، حيث الشيخ الأذاني يبدر بأن الاشتراكية تجاوز الرأسمالية من ذروة تطور قوى الإنتاج فيه. تبدو ثورة البيرسترويكا كأنها ثورة ١٧٨٩ الفرنسية تصحح الثورة البلشفية التي قررت سنة ١٩١٧ من ثورة لم تحققها في بعض جوانبها قد لم تكن من ثروة الاستراحة. ولا بالفعل مثل استحقاقات الاشتراكية. فلعلها «القانون الحديدي» لتطور الاجتماعي بعد إيلاء شروط المستقبل الاقتصادية ــ السياسية ــ القانونية النظم.
بنى البلاشفة سلطة سياسية متقدمة ــ يفترض فيها أن تمثل تجاوزاً للرأسمالية ــ على قاعدة اقتصاد متخلف، يواجهه تحدي تحقيق المهمات التاريخية التي حققتها الرأسمالية. فكان لا بد لتلك للسلطة أن ينمو تقوم الانتقام، وإلى قاعدة الأيديولوجية المتقدم. وكانت الستالينية تلك الاستعارة التسميتية. مع منظومتها، في العالم الثالث الذي نستطيع أن نسميها نموذجاً للاتنمية يقوم بالتصنيع القسري للمتمتع بواسطة نزع المادي البشري الفاقم عن الشعب.
إن سقوط الإرادوية، هو الدرس الكبير من تجربة بناء الاشتراكية. فإذا كانت الإرادوية مطروحة كاشكالية في فكر لينين وممارسته في السلطة، فإنها تصبح القاعدة عند خلفائه. ومتضخم بالدور القسري والتعليمي الذي يمارسه حزب قائد في المجتمع، يريد تضامنه باسم «شرعية» الأيديولوجيا وعصمتها ــ أيديولوجيا تمنح وظيفة سحرية في ترك من الوقوع في حرائق التطور التاريخي.
فبدلاً من أن ينحكم مستوى الوعي بدرجة التطور المجتمعي، يصير الوعي حباً لفرج درجة التطور وحافزه. وليس تخترق تلك الإرادوية «التجارب» الاشتراكية، من أولها إلى آخرها. سوف نلقاها في منظقات وممارسات الثورة الثقافية الصينية كما في خسارات بول بوت باسم شعار «العودة إلى الأرياف» (والمجازر التي رافقتها) وفي مشروع التجميع القسري لليمنيين في رومانيا، أو في مشروع «تطهير المجتمع» السوري لإعادته إلى «أصالته البيتية»، والعمليات الجراحية الديمقراطية في جسم المجتمع العراقي.
إن التحرر من الإرادوية هو أول الطريق لإعادة منطق التطور والتاريخ إلى نصابه. حتى لا تطيح عملية سقوط واسقاط «اشتراكية» لم تكن ولا تاريخ ذلك بالقيمة حاسمة. فهم منطق تطور التاريخ من أجل تحقيق انتصار الحرية بالعدالة.
[ملاحظة المؤرشف: مقتبس بتنقيح أولي من صورة ضوئية. الأصل في مجلة «زوايا»، العدد الأول، تموز ــ آب ١٩٨٩، ص. ١٩ ـ ٢٠.]
