الازمة بين السياسة والاقتصاد
فوّاز طرابلسي
في مقالة سابقة، دعونا لجنتي الحوار والتشاور الى اعطاء الاولوية للاقتصاد. والافتراض انه في زمن تكاد «السياسة» ان تختزل فيه بصراع ارادات وعصبيات طائفية ومذهبية، فأن مقدارا من الامن الاجتماعي من شأنه التخفيف من الانقسامات والاحتقانات الطائفية والمذهبية. هذا عدا عن ان المجال الاقتصادي والاجتماعي يستحق معالجة بذاته. منذاك، وبعد الغلبة المطلقة للسياسة على السجال والنزاع المستمرين والمتصاعدين بين فريقي الازمة، نشرت الحكومة الورقة المقدمة الى مؤتمر باريس ٣. سوف يقال ان التوقيت والغرض من النشر سياسيان، على اعتبر ان كل شيء سياسة. ولكن الاكيد ان الورقة تحمل رؤية وطرائق معالجة للازمة الاقتصادية الاجتماعية، بما لها من انعكاسات سياسية، تستحق النقاش. وهذه بعض الملاحظات:
# تنطلق الورقة من الافتراض الرئيسي الذي سيّر مشاريع الرئيس رفيق الحريري الاصلاحية: العودة الى «عصر ذهبي» للاقتصاد اللبناني كما كان قبل الحرب، ورمزه مركز التجارة العالمي في وسط بيروت. يترافق هذا الافتراض مع الاصرار على صرم الصلة بين ذاك العصر الذهبي وبين اندلاع حرب اهلية مضاعفة بالحروب الخارجية. كانت الحرب «حرب الآخرين» على لبنان، او «حربا من اجل الآخرين»، ولا علاقة بين الاقتصاد بالسياسة. اما لماذا تبارى لبنانيون في الاقتتال من اجل «الآخرين» وسواها من الاسئلة المحرجة فلا جواب عليها.
# تتحاشى الورقة الاصلاحية البحث في اي اصلاح يطاول جذور ازمة يتكوّن اجماع على اعتبارها «مصيرية». الدور الاقتصادي المناط بلبنان هو ما اعتاد عليه وإن يكن قد استفجل. فصورة الاقتصاد اللبناني هي صورة غانية اعتادت حياة الدلال على حساب الآخرين لم يعد يحلو لها العيش، والشغل، الا من خلال التطفّل عليهم. بتعابير اقتصادية، هذا يعني التطفّل على فوائض ارتفاع اسعار النفط من الدول الخليجية، كما درجت الوعود علينا.
# الغموض هو السيّد في الدور الذي سوف تلعبه الاصلاحات المالية والضريبية المقترحة في حفز النمو او المساهمة في خلق فرص عمل. الى هذا لا تخرج السياسة الضريبية عن منطق السائد. وهو التزامها بتغليب الضرائب والرسوم غير المباشرة على الضريبة التصاعدية. هي سياسة تبتغي زيادة واردات الخزينة (من قبل فريق حرم الخزينة قسماً كبيرا من العائدات الجمركية إذ خفضها بل ازال العديد منها حتى قبل المهلة المعطاة من منظمة التجارة العالمية) بلا اي اهتمام بتشجيع تكافوء الفرص واعادة التوزيع الاجتماعي الاكثر عدلا بين المناطق والفئات الاجتماعية. تتحدث الورقة مثلا عن ان المناطق الاشد فقراً هي الاطراف النائية وضواحي المدن، دون ان تقترح اي مشروع للتنمية الاجتماعية والمناطقية.
# خلق فرص عمل. مشروع بلا ارقام ولا اهداف، يقوم على فرضية ان القسم الاكبر من الشباب الداخل الى سوق العمل سنويا معدٌّ للتصدير الى الخارج بما فيه الخريجين.
# تعالج الورقة مشكلات مكافحة الهدر والفساد من خلال رجمها بمفردات النيوليبرالية الاشد غموضا ورثاثة من حوكمة وشفافية، بعيدا عن المعضلة الهيكلية المعروفة العائدة الى توزيع عمل منذ ايام الاستقلال بين حزب المصرفيين والمستوردين وبين الطاقم السياسي. حيث يبني الاولون وينمّون اقتصادا خدماتيا ريعيا لا ينتج عمالة واسعة النطاق، فيما الثانون يشترون الولاء السياسي بتوظيف المحسوبين عليهم في القطاع العام. وهو تعاقد تتعاظم نتائجه السلبية من هدر وتضخم الجهاز الاداري ناهيك عن الفساد والإفساد بعد انضمام اسياد الحرب الى الطاقم السياسي الحاكم. والتحدي المقذوف في وجه الحكومة والمعارضة معا هو التصدي لتوزيع العمل هذا.
# تنطوي الورقة على وعود بشبكات امان حسب الترسيمة النيوليبرالية لا بد اولا من التأكيد من انها سوف تطبّق. هذا عدا عن انها نادرا تطاول اساس المشكلات قيد المعالجة. هكذا يفضّل تخصيص الكهرباء ورفع الرسوم على استهلاك المحروقات، بدلا من معالجة تحكّم مافيا المحروقات بمصادر استيراد المحروقات واسعارها. وثمة وعود بمنع ارتفاع الاسعار، بعيدا عن اي تقييد للاحتكار او بمعزل عن تطبيق سياسة جادة لمراقبة الاسعار.
اذا كانت الورقة الاصلاحية تستدعي مثل هذه الملاحظات وسواها، الا انها لعبت دوراً في كشف خواء البدائل الاقتصادية لدى المعارضة، ما يعطي فكرة عن الاضافة النوعية التي سوف تقدمها لحل قضايا البلد المتفاقمة عندما تنضم الى حكومة الاتحاد الوطني العتيدة.
اجابت المعارضة بمنوعات من معزوفة «السياسة اولا»: الاولوية للاصلاح السياسي او لا اصلاح اقتصاديا دون «مشاركتنا» في القرار. اما عن دور الخارج في تمويل خطة الاصلاح، فكان حزب الله حذر في الرد: نعم للمال الخارجي ولكن لا تتوقعوا تنازلات منه… والمقصود لـ«المشروع الاميركي». هذا قبل ان يصدح الاصواء الرخيمة التي تكرر من ايام الوصاية السورية معزوفتها عن المديونية بما هي مؤامرة من اجل تمرير توطين الفلسطينيين النهائي في لبنان في مقابل مسح ديون لبنان. ولست افهم معنى لرفض التوطين على هذا الشكل الا دعوة للتهجير. تلاقى على العزف على هذا الوتر- الذي لا يزال حساسا وسط جمهور مسيحي، او هكذا يعتقد العازفون- رئيس للجمهورية وامير ارسلاني ومَن انعمه الله علينا من آباء النصر في محاربة التوطين. على ان السمة الابرز لمواقف المعارضة هي ذلك التعارض المتنامي بين المذكرات التي اخذت تفنّد الورقة الاصلاحية وبين الخطاب السياسي بل والخطاب الاقتصادي ذاته لاطراف مختلفة من المعارضة.
ولم يكن الاعتصام الذي نظمه بعض الاتحاد العمالي العام والحضور الهزيل الذي تجمّع لديه، الا ثامنة الاثافي في ردود فعل المعارضة. كشف الاعتصام واقع الاتحاد كما انتهى عليه خلال عقد كامل من التطويع والتفكيك على يد الاجهزة الامنية السورية (واللبنانية) وعدد من الاحزاب اللبنانية. ومع ان عملية التطويع والتفكيك بدأت من اجل حماية مشروع الرئيس رفيق الحريري الاعماري من ردود فعل حركات اجتماعية ناشطة ومتماسكة. الا انه ما لبث ان صار غرضا سياسيا لذاته. فانتهى الامر الى القضاء على الاتحاد العمالي العام بما هو موقع نقابي مستقل نسبيا عن السلطة (تجربة الياس ابو رزق وياسر نعمة) وعابر للطوائف بتحويله الى قوقعة فارغة من بضعة مئات من النقابيين المفتقدين الى اية صفة تمثيلية تذكر، وتطييفه ومذهبته اوالقاء القبض عليها من قبل اطراف السلطة والاحزاب الموالية للوصاية السورية. حتى ان حزب الله لم تشغله معركة التحرير عن ان يدلو بدلوه في عملية تفريخ النقابات والاتحادات.
والحال هذه، تلقى اكثرية اللبنانيين، في بحثهم عن العمل والخبز ومستوى معيشة الحد الادنى البشري، قد فاتتهم اعياد السياسة والاقتصاد. ينطبق عليهم المثل الشائع: «لا بالشام عيّدنا ولا بدُمّر لحقنا العيد!»
بلا معنى!
