اعتذار من قمر مشغرة
فواّز طرابلسي
بعد تردد كبير، قررت ان لا »اطلع« الى مسقط رأسي لممارسة واجبي كمواطن بانتخاب من سوف يمثلني في المجلس النيابي القادم.
قراري اعلان لاحتجاج.
وسبب الاحتجاج متضمّن تحديدا في ان مشغرة، البلدة البقاعية الغربية، هي »مسقط رأسي« او »مسقطي« وفق تعبير انيق ابتكرته الصحافة اللبنانية.
حقيقة الامر ان رأسي لم يسقط اصلا من رحم إمي في مشغرة. سقط في احد مستفشيات رأس بيروت التي اسكنها منذ ذلك الحين. وإني اتساءل: إن لم يسقط رأسي اصلا في مشغرة، لماذا على »نفسي« ان تكون مسجّلة فيها؟ ولماذا على رأسي ان يسقط فيها بعد عمر طويل؟ فأنا لم أسكن »مسقط رأسي«، على ما يسمّونه، لتكون »نفسي« مسجّلة فيه، ولست متأكدا تماما ما اذا كنت اريد لرأسي ان »يسقط« فيه عندما يحين أوان سقوطه. حتى ان والدي لم يسكن مسقط رأسه طويلا، غادره يافعا ولم يعد اليه ساكنا. وها ان حفيدته البالغة من العمر ثلاثين سنة مضطرّة وفق قانون الانتخاب الساري المفعول ان تنتخب في بلدة لم تزرها بعد.
لا بيت لي حيث يجب ان يسقط رأسي. ولا املاك. ولست اعرف اكثر من دزينة او دزينتين من أبناء مسقط رأسي بمن فيهم الاقارب. ويتقلّص عددهم الى عدد اصابع اليد الواحدة اذا احصينا الذين لا يزالون مقيمين في البلدة.
ولدت في بيروت. اسكنها منذ سقط رأسي فيها. ادفع ضرائبي فيها وأتذمر من ارتكابات مجلسها البلدي وأتابع نشاطات نوابها دون كبير اعجاب طبعا. ومع ذلك فأنا محروم من ان ادلي بصوتي فيها. وفي البقاع الغربي نواب لا اعرف معظمهم. وإن عرفتهم فلست أعرف اي نفع يأتيني من ممارسة اي منهم مهنة النيابة عني.
احتجاجا على هذا الوضع الذي يجد عشرات الالوف من اللبنانيين حالهم
فيه، لن امارس حقي الانتخابي بالتصويت في مسقط رأسي. قد يقال اني ارفض بذلك ممارسة حق مقدس من حقوق المواطنة. يمكن النظر الى الامر على العكس تماما. ذلك ان امتناعي عن التصويت في »مسقط رأسي« احتجاج على منعي من ممارسة حقي بما انا مواطن فرد في ايجاد التطابق بين سكني ومصالحي وبين دائرتي الانتخابية وإختيار من يمثلني حيث انا. وعكساً، هو احتجاج على تحويلي القسري الى ابن عائلة وعشيرة وحزبية محلية لم اختر اياً منها.
اعتذر من الرفيق والصديق فاروق دحروج لأني سوف أحرمه من صوت واحد في معركته الجريئة من أجل تثبيت حق اليسار في التمثيل السياسي والانتخابي المستقلّ. علّ احتجاجي هذا يعوّض عليه وعلينا بإكسابنا اعدادا متزايدة من العاملين من اجل قانون انتخابي يعتمد لبنان دائرة واحدة خارج القيد الطائفي طبعا، ووفق النظام النسبي واللوائح المقفلة.
اعتذر من قمر مشغرة. أعرف ان هذا الشهر ليس هو أوان أبهى طلعاته من وراء الجبل. ومع ذلك، سوف أحرم من مشاهدة قرض الفضّة يتلألأ فوق البلدة التي صارت تعرّف بإنتسابها الى سيّد الكواكب.
