العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

آذار الغدّار

فيما يتفق الجميع على شعار «الدولة القوية» بمعانٍ متناقضة، تبدو الاصطفافات اللبنانية شاذة أمام التحولات الإقليمية التي قد يقلبها «آذار الغدّار».

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

آذار الغدّار

فواّز طرابلسي

الكل متفق على ان الانتخابات القادمة سوف تكون «مصيرية» تضع لبنان «على مفترق طرق». ومع انه يصعب القول ان المكتوب يعرف من عنوانه، الا ان افتتاح غير طرف او مرشّح حملته الانتخابية يشجع على النظر في الشعارات وإن يكن من المبكر الحديث بعد عن برامج. هذا على افتراض اننا سوف نقرأ او نسمع عن برامج في هذه المعركة.

مع ان المعركة الانتخابية تعنف يوما بعد يوم، فهذا لم يمنع انعقاد شبه اجماع على مفردة «القوة» في شعارات المعسكرين. يتصدّر تلك الشعارات شعار «الدولة القوية». وهو عنوان الرسالة الانتخابية الاولى التي وجهها حزب الله الى الناخبين على لسان نائب امينه العام، الشيخ نعيم قاسم. و«يصدف» ان «الدولة القوية» هو الشعار الذي اختاره نديم بشير الجميل لاطلاق حملته هو ايضا. ومعروف ان الدولة القوية، يجسّدها رئيس جمهورية قوي مفصّلا على مقاس من تعرفون، هو شعار الجنرال ميشال عون حتى لا نقول حلم حياته

لا يشذّ شعار القوات اللبنانية عن قاعدة القوة بل هو يثنّي ويزيد. «لكم قوة وللوطن قوات» شعار يحمل مقدارا من التباهي بالقوة وقد ارتقت من المفرد الى الجمع. لكنه يحمل ايضا تهديدا للخصوم – الذين يتهددون الوطن، ولا شك- ينذرهم بأنهم إن كانوا اقوياء فالوطن اقوى بـ«قواته».

قد يساورك الظن ان شعار التيار الوطني الحرّ يختلف عن السائد اعلاه، إذ يرقى من البدن الى العقل:«فكّر صَحّ». القوة حاضرة هنا بطريقة اخرى. فشعار الجنرال يصدر لك امرا كيف لك ان لا تحسبه امرا … عسكريا. «فكّر صحّ تَيصحّ الوطن». يتباهى آخرون بقوتهم، اما «التيار» فيمارس عليك قوته شخصيا. يلقى عليك مسؤولية كبيرة بحجم الوطن. وفي الامر مقدار من التهديد. الوطن مريض، يقع عليك علاجه، حتى لا نقول ان حياته او موته، رهن نشاط خلايا دماغك الرمادية. هذا اذا فسّرنا الشعار على مذهب اللغة العامية. اما اذا تفاصحنا، تصير صحة تفكيرك شرط سير الوطن في الطريق الصحيح. وفي الحالين، «تفكيرك الصحّ» يعني ان تفكّر كما يريد لك اصحاب اللون البرتقالي.

هذا ما بلغنا من رسائل القوة الى الآن ونحن في حال «التهدئة»!

الشعار الثاني الاكثر تدوالا يتعلّق بالمال السياسي. الكل يدين المال السياسي والكل يعرف انه هو نفسه ينفق المال السياسي بغزارة، على تعدد مصادره الخارجية قبل الداخلية. لكن الكل لا يفصح لنا عن انه ينفق ايضا المال الاقتصادي، والمال الصناديقي، والمال التعليمي، والمال الإحساني، والمال الاستشفائي، والمال الإعماري، والمال على ارواح الشهداء، وغيره وغيره من الاموال في هذه المعركة الانتخابية. ولا داع للمزيد من هدر وقت القاريء بمزيد من الهذر في هذا الموضوع.

اما «محاربة الفساد»، وتأتي في المرتبة الثالثة من شعارات مطلع هذه الحملة، فقد لا يختلف امرها كثيرا عن امر المال السياسي. والحديث عن الفساد مثل حديث الفقر. يدور حول الفقر لا الفقراء. وهنا يدور الحديث وتراشق التهم عن فساد اداري وفساد سياسي. لا عن فاسدين. ويدور حديث عن فساد لا عن مفسِدين. وانك تحتاج الى المال للرشوة على ما يقال. فيحتار المرء في امر هذا الملف. هل يتحدّي الاثنين ان يفتحا الملفّات ويخلصاننا من هذه المزايدات الاعلامية المقززة؟ ام يأخذ الامر مأخذ الجدّ ويسأل سؤالا واحد عن آخر قضية فاسدين ومفسدين ضجّ بها البلد: من اقفل ملفّ بنك المدينة؟

اما ومطلع الحملة شعارات كهذه، يحق التساؤل ما الذي سوف يتغيّر إذا فاز هذا الفريق او ذاك. خصوصا ان «المعارضة»(التي لا تزال تسمّى «معارضة» وهي في الحكم منذ شهور!) تعرض على «الموالاة» الثلث المعطّل فيما لو اسفرت نتائج الانتخابات عن اكثرية نيابية جديدة. هذا على الاقل العرض الذي قدّمه الامين العام لحزب الله في خطبته الاخيرة. فيما لو قبل العرض، سوف تتمخض الانتخابات النيابية عن حكومة وحدة وطني اخرى. ولنا ان نسعد بانتهاء همومنا نظرا لما أنجزته حكومة الوحدة الوطنية الحالية من نجاحات. لنضرب صفحا عن هموم المواطنين التي لم تكن اصلا على جداول الاعمال. لننظر فقط فيما وضعه الاذاريون مجتمعين على جدول اعمال البتّ الحكومي في الايام الاخيرة فقط: عجزوا عن البت في موضوع الصناديق، ولم يقرّوا موازنة العام ٢٠٠٩ بانتظار البت في هذا الامر، فشلوا في تشكيل المجلس الدستوري، هرّبوا النصاب في مجلس النواب حتى لا يقرّ قانون محاكمة الرؤساء الذي يطالب به اللبنانيون منذ الاربعينات من القرن الماضي فقط، النزاع مستمرّ على التنصّت وعلى صلاحيات الاجهزة الامنية، والخلافات تترى على تعيين موظفين من دراجات مختلفة، وحبل العجز والتعطيل على جرار «الوحدة الوطنية».

يبقى «البعد الاقليمي». والمفارقة هنا هو ان البون يتسع يوما بعد يوم بين الانقسام اللبناني، الذي يفترض وجود محورين اقليميين-دوليين اشبه بفسطاطان لا يعمل بينهما الا السيف، وبين المبادرات الحوارية المستجدة للسياسة الاميركية في المنطقة وما تلهمه من مصالحات فلسطينية-فلسطينية وعربية-عربية.

لفت جون كيري، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الاميركي، الانظار لدعوته دمشق الى ممارسة رقصة التانغو مع واشنطن. الاستعارة معبّرة للدلالة على ان الرئيس اوباما قد نقل مركز الثقل في سياسته الشرق اوسطية الى المحور ايران-باكستان-افغانستان ومفتاحه طهران.

حقيقة الامر ان العاصمتين الاميركية والسورية تمارسان الرقصة منذ فترة ليست بالقصيرة. ولكن الرقص يتم على وقع التانغو الارجنتيني. وفيه ما فيه من الافتراق والالتحام. والمناجاة والصدّ. والتناغم والتعانف. لا بد من انتظار ان ترقص العاصمتان تانغو «سلو» اهدأ، وان يتقرر ان يقود الراقصان الرقصة، فلا ينفرد واحدهما بها، وهو ما يبدو ان الرئيس بشار الاسد عناه إذ دعا الى حوار «من غير إملاءات». لكن ما من شك في ان دعوة كيري تسهم في تسريع مفاوضات المصالحة بين دمشق والرياض، مثلما اسهم فيها الافتتاح القريب لاعمال المحكمة الدولية للنظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

النظر من المنظار الاقليمي الى الفريقين اللبنانيين يرينا اياهما منقسمين عمليا بين مبادرتين: مبادرة السلام العربية يتعهدها معسكر «الاعتدال» السعودي-المصري، يقابله معسكر «الممانعة» الذي لا يبدو انه يمانع في تسوية تحت عنوان «الجولان مقابل السلام». ما مصير الاصطفاف اللبناني، المتزايد شذوذا، ومصير الانتخابات النيابية، الحادة الاستقطاب بين كتلتين من الآذاريين، فيما لو بوشرت رقصة التانغو «سلو» وقطعت المصالحة بين دمشق والرياض اشواطا الى امام؟

لعل آذار يحمل الجواب. وآذار غدّار. ان الحكمة الشعبية لا تخطيء.

المواضيع
إقتصاد سياسي سياسة
البلدان
لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الديمقراطية السياسة اللبنانية الطائفية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.