العودة إلى المنشورات
منشورات مقدمات

تقديم تاريخ الاسر الشرقية

يخرج «تاريخ الأسر الشرقية» بعد نصف قرن على وفاة مؤلفه، ليكشف أن شغف الأنساب ليس مجرد بحث عن الأصول، بل وظيفة اجتماعية تشرّع مواقع الحاضر وتخترع له جذوراً.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

تقديم تاريخ الاسر الشرقية

اخيرا،

بعد نحو نصف قرن على وفاة مؤلفه، وبعد عشرين سنة من العمل على تحرير النص والبحث له عن ناشر ثم طباعته، ها هو «تاريخ الاسر الشرقية» في متناول القراء. يصدر القسم الاول منه متضمّنا ستة اجزاء عن أسر لبنان تتصدّرها المقدمات وتواريخ الشعوب بعامة، على ان يليه القسم الثاني وهو يضم أسر سورية وفلسطين والاردن والعراق والقبائل العربية ونبذات عن أسر مصر والمغرب.

عمل عيسى اسكندر المعلوف (١٨٦٩–١٩٦٥) على «تاريخ الاسر» خلال حياته الطويلة كلها. وهو يعترف بأنه كان شغوفا بأصول الأسر منذ نعومة اظافره. وقد قاده هذا الشغف الى البحث ابتداء من العام ١٨٩٣ عن اصل اسرته فاكتشف اصلها الغساني اليماني وتتبع إنتشارها في انحاء المشرق العربي انطلاقا من خزّان التوزيع الرئيسي للأسر اللبنانية، والمسيحية منها خاصة، في سهل حوران. نجم عن ذلك البحث كتابُه «دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف» الصادر عام ..١٩٠٨ ولما كان المعلوف قد اكتشف خلال إعداده «الدواني» شبكة واسعة من العلائق بين اسرته وبين عدد من اسر لبنان وسورية، قرّر توسيع مشروعه وتدوين تواريخ الاسر اللبنانية والسورية في تأريخ عنونه «الاخبار المروية عن اسر لبنان وسورية». ومع الوقت تطوّر المشروع فلم يعد يقتصر على الاخبار المروية بل شمل الاخبار المدوّنة ايضا، وفاض عن لبنان وسورية ساعيا الى تغطية ما استطاع الوصول اليه من اخبار أسر فلسطين والعراق وقبائل الجزيرة العربية ومصر والمغرب فصار العنوان «الاخبار المدوّنة والمروية عن تاريخ الاسر الشرقية».

كثيرا ما تذمّر المعلوف من اهمال او تقصير العديد ممن إتصل بهم طالبا تزويده بما لديهم من مرويات او مدوّنات عن اسرهم. على ان العقبة الاكبر التي اعترضته كانت عدم عثوره على ناشر للكتاب. في عام ١٩٢٤ اصدر كرّاسا وزّعه على ارباب الأسر يحثّهم فيه على هذه المهمة الوطنية على اعتبار ان «تاريخ الوطن هو تاريخ سكانه» مبيّنا ان دور تدوين تاريخ الأسر قد آن بعد قرون سادتها ادوارُ الرواية الشفوية. فجدد دعوته الى جميع ابناء الاسر تزويده بتواريخ اسرهم «دعوة عامة غير مقتصرة على طبقات معلومة. وفتحتُ ابوابا رحبة في كتابي لكل بحث يأتيني منهم على اختلاف طبقاتهم ومواطنهم واصولهم ومذاهبهم ليكون التاريخ معجما للأسر.» ثم ختم طالبا الى ارباب الأسر الاشتراك بالكتاب وارسال القيم النقدية مقدّما لكي يتمكن من طبعه. في عام ١٩٤٦ كان المعلوف لا يزال يحاول طبع كتابه ويأسف لانه لم يتمكن بعد من ذلك لأن معظم الاجوبة التي تلقّاها على كرّاسه كانت تقول «إنسخْ لنا عيلتنا وأرسلها لنا فإن كانت موافقة نشترك». وتوفي المعلوف بعد عقد وأزود بقليل والكتاب لم يجد طريقه الى النشر وقد «حمل همّ نشره حتى وفاته» حسب تعبير ابنه الشاعر الراحل رياض المعلوف في مقدمته لهذا الكتاب.

اذا لم يكن المعلوف قد نجح في نشر كتابه خلال حياته فقد حقق اقلا الهدف الاول من سعيه وهو تدوين اكبر قدر من المرويات عن اصول العيل ومشجّراتها واسباب مهاجرتها وتفرّقها واماكن استيطانها. ولم يكتف المؤلف باستدراج المساهمات الكتابية بالمراسلة مع ابناء الاسر او اعيانها، بل طاف على القرى والبلدات والمدن منقبّا عن اصول أسرها واسباب ارتحالها. ولما كان جغرافيا وآثاريا الى كونه مؤرخا، عرّف بتلك القرى والبلدات والمدن من تلك الاوجه جميعها. ينطبق هذا الامر بنوع خاص على لبنان والى حد ما على سورية حيث سكن المعلوف دمشق خلال فترة الحكم الفيصلي عاملا في «قسم الترجمة والتأليف» التابع للحكومة العربية ثم اخد يتردد اليها بانتظام بما هو عضو في المجمع العلمي العربي.

يبسط لنا المؤلف في مقدمته لـ«دواني القطوف» منهجه في التدوين والتحقيق:

«فدوّنت ما وقع عليه الاختيار غير معتمد على مجرد الرواية ولا واثق بصحة النقل بل كنت اقيس الحوادث باشباهها. واعرض الروايات على اصولها. واستقري جميع دقائقها واطرافها. ليجيء المروي من تقاليدهم موافقا للحقيقة. ولتكون الاخبار متواترة لا يمكن تواطؤهم على اختلاف مع تباين المكان والزمان. والمرويات مؤيدة بالبراهين اعتمادا على ما اشتهر من الاسانيد وذهابا الى التحقيق والتثبت. فأمعنت في التنقير والتنقيب ولا ظهير لي الا الجَلَد والثبات. وبالغتُ في التمحيص والتدقيق ولا دليل لي الا قديم المخطوطات. حتى صار ذلك شغلي الشاغل. ومدار حديثي في المحافل».

وإذ يؤكد ان المزلق الرئيسي للمؤرخين هو التشيّع والتغرّض، يواصل قائلا: «وكثيرا ما وقفتُ عند تعديل الروايات وتجريحها وقفة المسافر يشكو وعورة الطريق وهو نازع الى استتشراف ما وراء ظل الخفاء فكنت إما استسهل الصعب واطأ اعراف العوائق متابعا السير الى الوجهة التي اخترتها فاظفر بالمراد. وإما ارجع على ادراجي خشية ان اضلّ سواء السبيل واهبط الى مهاوي التخليط في الروايات فأخلد الى السكون وفي نفسي ما فيها من حب التطالّ الى استطلاع المجهول واستكشاف المستور فأرجيء البحث فيه الى ان يفتح الله عليّ بما هو اسدّ منهجا واثبت حكما». (دواني القطوف، ص ٤ و٥)

ويسهل على القاريء قياس ضخامة الجهد الذي بذله المؤلف على هذا العمل الموسوعي الذي الذي نال شهرة واسعة قبل ان ينشر. اراد المؤلف أن لا يقتصر على التأريخ لأسر الاعيان والسادة والاشراف ورجال الدين فسعى الى التأريخ لاكبر عدد ممكن من الاسر العامية التي ليست تدّعي اي نسب شريف او مرتبة دينية او مقام اجتماعي. وهذا ما ميّزه عن تواريخ الأسر التقليدية السائدة حتى تلك التي انتجها مجايلوه. بهذا المعنى فهذا الجهد الموسوعي هو تجميع لمواد خام ومواد مشغولة تتعدى إشباع فضول ابناء الاسر الى اصول اسرهم، لتقدّم مساهمة قيمة في علم الانساب اولا وفي علوم الاجتماع والجغرافيا والتاريخ والإناسة تاليا.

***

«النسب لغة القرابة»، يقول المعلوف، «وإصطلاحا علمٌ يُعْرَف به اصول القبائل وفروعها بقواعد معلومة عند اصحابها». لماذا تهتم الأسر بأنسابها؟ يجيب المعلوف «للتناصر بالعصبية وللتفاخر بالآجداد». في هذا التعريف يعيّن المعلوف امرين: العلم الذي هو مجموعة قواعد معرفية، والوظيفة العملية. من وحي هذا الجواب، يبدو لنا ان ثمة مجموعتين من الاسباب تفسّر ذاك الإهتمام. في باب «التناصر بالعصبية» يعيّن النسبُ «العصبَ»، وهو عندنا الانحدار الابوي بما يخدم تغليب الزواج من ابنة العم وابن العم – حصرا للاملاك داخل الاسرة– كما يخدم الحشد والتعبئة للعمل كما للقتال. كذلك يسمح النسب بتعيين «الكفاءة»، اي «المزاويج» حسب التعبير العامي، وهم العائلات التي تجوز مصاهرتها (في عملية تبادل النساء). واخيرا وللاسباب ذاتها يعيّن النسب آليات التوريث. واما «التفاخر بالأجداد» فهو العنصر الاديولوجي في القرابة لأن الاديولوجيا إن هي إلا توطين لعناصر من الحاضر في الماضي.

تلك هي بعض من مجموعة الاسباب الثابتة لاهتمام الأسر بانسابها ولتدوين قوائم الانساب ومشجراتها. على ان الأسر والجماعات ليست تهتمّ بالبحث عن اصولها وتدوين قوائم انسابها على نحو متواصل وعلى وتيرة واحدة. تتفاوت نسب الاهتمام والوتائر حسب الاحداث والظروف والفترات التاريخية. لماذا تهتم الشعوب في مراحل معينة وليس في اخرى بالبحث عن اصولها وتدوينها؟ تلعب الكوارث الطبيعية والمجاعات والحروب دورا بالغ الاهمية في ذلك الدافع حيث التدوين مقاومة للموت والفناء وامل في تواصل النسب والسلالات. وهنا تكمن الاسباب المتحولة إذ ينضاف الى الطواريء المذكورة اعلاه سبب آخر اقل درامية من الكوارث والمجاعات والحروب وإن يكن ليس باقل اهمية منها في الاجتماع البشري. انه البحث في النسب عن عناصر للهوية الاجتماعية للأسر المعنية وبالتالي عن مسوّغات لتمايزها الاجتماعي وبالتالي لموقعها من السلطة. وغالبا ما يتصل هذا الدافع بلون من الوان الحراك الاجتماعي من مثل ارتقاء فئة اجتماعية جديدة في سلّم التراتب الاقتصادي–الاجتماعي او السياسي او حتى الثقافي او وصول طاقم سياسي الى السلطة. وفي كلا الحالين، تبحث تلك الفئات والاطقم عن تشريع مواقعها الجديدة بتوطينها في اصول راسخة في الزمن.

إذا كان المعلوف إعتزم رحلة فردية بحثا عن اصل عائلته، الا انه ما لبث ان التقى خلالذاك حاجة اجتماعية مزدوجة. وجهها الاول الإقبال المتزايد على تدوين قوائم الانساب في منطقتنا فترة ما بعد الحرب العالمية الاولى. وهو امر زاد من إلحاحه ما لحق بلاد الشام، والمناطق التي سوف يتكون منها «لبنان الكبير» خصوصا، من مأسي الحرب والمجاعة والهجرة مجتمعين. واما الوجه الثاني للحاجة الى تدوين قوائم الانساب فهو التحولات الاقتصادية الاجتماعية التي عرفتها بلاد الشام في اواخر العصر العثماني، في انعكاسها على البنية العائلية ذاتها وعلى العلاقات المتبادلة بين العائلات داخل التراتب الاجتماعي. فقد شهدت حقبة «ما بعد التنظيمات العثمانية» رسملة متسارعة تحت وطأة التغلفل الكولونيالي وانهيار النظام المقاطعجي وإنحسار اقتصاديات الاكتفاء الذاتي الريفي وضمور او حتى انهيار عدد من الحرف التقليدية وما رافق ذلك من حراك اجتماعي كان من ابرز مظاهره نمو الانتاج السوقي العائلي الصغير في الزراعة وصعود طبقة وسطى جديدة، ناشطة، لها فرعان رئيسيان: تجاري مترسمل ومهني محمول على رأس المال الثقافي (التعليمي). وكان ابناء تلك العائلات يبحثون عن مواقع لهم في التراتب الاجتماعي داخل بيئاتهم المباشرة (القرية، البلدة، المدينة) من جهة وفي الحياة العامة لبلدانهم من جهة اخرى. او هم قد حققوا تلك المواقع وباتوا يبحثون لها عن تشريع وتسويغ وتوطين في الماضي.

لم يكن المعلوف بغريب عن تلك التحولات وانعكاساتها ابتداءً في الحاضرة التي انتقل اليها ليتزوّج ويعمل ويقضي باقي حياته فيها. فقد انتقلت زحلة من مجموعة احواش داخل حمى الاقطاع الدرزي الى عاصمة اقتصادية لسهل البقاع– قبل ان تصيرالعاصمة السياسية والادارية– فاستقلت عن آل بللمع، الاسرة المقاطعجية المسيطرة على البلدة، وطردت آخر الاسر الدرزية فيها، واوكلت القيادة، في «عاميتها» عام ١٨٥٧، الى وجاهات جديدة من الاسر الكاثوليكية نمت من خلال الوظيفة العسكرية–التجارية هي «العِيَل السبع» (او الثماني اذا اضفتَ اليها اسرة ارثوذكيسة لا تقلّ وجاهة).

طبعا، لم يكن هذا النضال التأسيسي لوجاهات جديدة في مواجهة التراتب المقاطعجي ليقتصر على الحاضرة الزحلاوية، او المناطق التي سوف يتكون منها لبنان الكبير، وانما انداح على حياة بلاد الشام باسرها. وفي كلا الحالين، كان السعي الى توطين المال والعلم المكتسبيَن اساسا للجاه، بديلا من الولادة والوراثة.

وشكلت القبيلة البدوية العربية– وإن تكن قبيلة رعاة ماشية– في كثير من تلك الحالات – «اصلاً» للعائلات يمكن التفاخر به. فللقبيلة نسبٌ محقّق وللقبيلة مجموعة قيم – مفترضة او حقيقية– منها الكرم والفروسية والشجاعة والنخوة وحماية الضعيف ونجدة المحتاج، الخ. وهي قيم أمكن استيعابها في مجتمع حديث، ريفيا اكان ام مدينيا. وطالما ان عددا كبيرا من الاسر التي طاولتها ابحاث المعلوف كانت اسراً مسيحية مشرقية، فقد إستحال عليها بالطبع ان تدّعي الانتماء الى سلالات السادة والاشراف ولا حتى الى نقباء المهن او علماء الدين وكبار موظفي الادارة وما الى ذلك من المواقع الاجتماعية المرموقة العائدة الى العهود السابقة. ولم يكن هذا الانتساب الى الاصول القبلية بجديد في بلاد الشام التي عرفت انقساما دام قرونا في الدوائر المتنازعة على الموارد والسلطة والجاه بين عصبيتين، واحدة تدّعي قبائُلها وأسرها المتحالفة الانتساب الى جنوبي الجزيرة العربية والاخرى الى شماليها. ولا كان غريبا ان يهتم عيسى المعلوف بالنزاع القيسي واليمني الى درجة انه خصص لتلك الظاهرة نصا لا يزال مخطوطا كمعظم نصوصه.

على انه كما في حال الانتساب الى القيسية واليمنية الذي كان اعلانا لنسب دم او صلة رحم بقدر ما كان اعلانا لاعتصاب الى جماعة وتبعية لرئاسة اكثر منه اعلانا لنسب دم او صلة رحم، كذلك الامر بالنسبة الى العديد من حالات انتساب الاسر التي يعالجها هذا التاريخ. فمعظم الاصول والانساب «مخترعة» ومعظم الاجداد، فيما يتجاوز الاجداد المباشرون المحققون، انما هم اجداد اسطوريون. بل ان الآية باتت مقلوبة الآن في استعارة الشجرة. فاذا جاز لنا التعبير، قلنا ليست الجذور هي التي تتحكم بالفروع انما هي الفروع التي تبتكر لنفسها جذورا. والمعنى هنا ان التحالفات والمصاهرات بين الاسر والجماعات في الحاضر او الماضي القريب هي التي تبتكر «اصلا» مشتركا لها لمزيد من التضامن فيما بينها وللتمايز عن سواها. وهذا ينطبق على الاسر بقدر ما ينطبق على الشعوب، بالمعنى العام الواسع للكلمة. والمثال الذي يحتذى به هنا هو الروايات الدينية التوحيدية عن اصل البشر. اكانت رواية آدم بما هو الجدّ الاكبر، ام بالنسبة لاجداد متوسطين، من مثل عدنان الجد الاسطوري لعرب الشمال وقحطان، الجد الاسطوري لعرب الجنوب. والتمييز هنا ليس جغرافيا فقط وانما هو وظائفي–اقتصادي ايضا وخصوصا، إذ ان عرب الشمال هم القبائل المستقرّة فيما قبائل الجنوب هي قبائل الرعاة المتنقلين.

هكذا نفهم لماذا لا يعترف علم الإناسة الحديث بما يفوق الجد الثالث من نسب. ولكن لا حاجة للايغال في علم الإناسة لتعيين الوظيفة الاديولوجية للنسب ما دامت لدينا عبقرية ابن خلدون في مقولته الكاسحة اللامعة «النسب عِلمٌ لا ينفع وجهالة لا تضرّ». ماذا يعني بذلك؟ لا ينفع النسب بما هو علم لأنه بعد عدد من الجدود يبعد النسب ويختلط بل تنقطع صلته بالحقيقة اي يصعب او يستحيل التحقق منه. من هنا ان الجهل به لا يضرّ. اما ما ينفع فهو وظيفة النسب. ونفع تلك الوظيفة كامن في التمثيل على صلة الارحام من اجل شد اواصر العصبية، اي من اجل خضوع المُعتصبين في نصاب واحد لقوانين واعراف ورئاسة واحدة ومصير واحد. اما ما عدا ذلك فوهم واضغاث احلام على ما يقول شيخنا صاحب «المقدمة»:

«ان النسب انما فائدته هذا الالتحام الذي يوجِب صلة الارحام حتى تقع المناصرة والنُعْرة وما فوق ذلك مُستغنىً عنه إذ النسب امرٌ وهمي لا حقيقة له ونَفعه انما هو في هذه الوصلة والالتحام» (المقدمة، ص ١٢٩).

ويضيف بعد قليل:

«… ان النسب اذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبتْ فائدة الوهم فيه عن النفس وإنتفتْ النعرة التي تحمل عليه العصبية فلا منفعة فيه حينئذ.»

لاحظِْ ابن خلدون يكرّر مصطلح «الوهم» مرّتين بالمعنى ذاته في مقابل «العلم». فتكمن فائدة النسب، بما هو «وهم»، لا في قيمته المعرفية، التي لا تساوي شيئا عندما يبتعد النسب ويغمض، وانما في قيمته العملية بما هو –الوهم– استعارة لصلة الارحام تبعث على النُعرة (الذود عن افراد الجماعة والتضامن) التي تحمل العصبية.

ولهذا السبب بالذات، يشدّد ابن خلدون على ان الغلبة في الرئاسة انما هي للعصبية اكثر ما هي للنسب (المقدمة، ١٣٢)، ما يعني ان الآية قابلة لأن تنعكس هنا فنقول إن الغالبين يخترعون ما يلائمهم من أنساب ومن اجداد تسويغا لرئاستهم وتشريعا لها وتدعيما.

***

على ان التنسيب يقوم على مفارقة جدلية من نمط آخر. فهو يسعى الى تأصيل الاسرة في اصل وموقع راسخين. فلا يقتصر التنسيب على العودة الى الجدّ الاول لتأسيس التضامن العائلي علي الماضي، بل يروم تعيين المكان الاول للغرض اياه. وهذا ما تدَل عليه تشكيليا صورةُ الشجرة حيث المشجّرات العائلية تعبير «طبيعي» عن العمارة الأسرية: جذور– هي الابعد غورا في الزمن– وجذع –هو عمود الثبات والتوصيل في آن معا– ثم فروع متفرقة واخيراً اوراق منتشرة في المدى. ولكن يتعيّن على التنسيب ان يفسّر نقيض الاصل والموقع ايضا. فلما كان المكان الاول محاطا بكل هذه الرهبة القدسية– لنتذكّر آدم وحواء في الجنة– بات لزاماً على التنسيب ان يفسّر الانتقال والمهاجرة، اي لماذا ومتى وكيف بارح القوم المكان الاول. ان كل قصة تنسيب هي قصة مبارحة، وكل قصة مبارحة هي قصة خروج من الجنة. هنا تضطرب كناية الشجرة. فالجذور لا تمشي، على ما يقول معلوفيّ آخر هو الروائي امين المعلوف الذي آثر ترجمة عنوان روايته الاخيرة عن اسرته «بدايات» بدلا من «اصول» او «جذور». حتى اننا نستطيع القول إن كل تنسيب هو رواية اقتلاع من الجذور. وهنا، للمناسبة، يكمن الفارق بين نظرتين للهوية، واحدة تشدد على الصيرورة التي هي تعريفا مسار ارتحال وانتقال– واما الثانية فمنشدّة الى الماضي، تلتزم الثبات واللاحركة. ولكن هذا حديث آخر.

مهما يكن، تتعدد اسباب المبارحة ودوافعها. وهذه هي قائمة المعلوف: الكوارث الطبيعية، الاوبئة، القحط، الاضطهاد، الحروب، الاسترقاق، ازدحام الناس في محل واحد، التملص من دفع الجزية والضرائب وطلب الرزق وحُب الاستعمار والفتح واخيرا ليس آخرا ما يسمّيه «تأثير النساء». على ان المؤلف يؤكد ان الارتزاق هو الاهم بين اسباب المهاجرة قاطبة. علماً انه العامل الذي يرد اقل من سواه من العوامل في المرويات. كأن الناس تخجل من ان تعزو مبارحتها الموقع الاصلي لمجرد طلب الرزق، فتعمد الى نوعين من الفسيرات اكثر درامية وخطورة: النزاعات النمطية– ومعظمها يدور مدار «الشرف» كما سنبيّن بعد لحظة– والاسطرة. والعلاقة وثيقة بين الاثنين. فالأسطرة وسيلة اسثنائية لحل النزاعات في الوهم.

اهم النزاعات الواردة في مرويات هذا التاريخ هي النزاعات داخل الاسرة الواحدة –على الارث مثلا– او النزاعات بين العائلات والقبائل والمذاهب الدينية المختلفة. في تلك النزاعات جميعها تحتل النزاعات المتعلّقة بتبادل النساء المكان الابرز (من رفض التزويج لعدم الكفاءة الى الخطف والزواج ضد ارادة الاهل، وما بينهما من اساءات مختلفة تتعرّض لها نساء القبيل) وهي النزاعات التي تنتمي الى المجال الذي اسماه المعلوف «تأثير النساء» حيث يدخل الشرفُ النزاعات من بابها العريض. وقد تفضي النزاعات الى إراقة الدم وتحريك آليات الثآر او تجديدها. وحوادث الثأر او القتل ذودا عن شرف مثلوم دافع اساسي من دوافع مبارحة المكان الاصلي والمهاجرة.

اما التأويل الاسطوري للتفرّق والمهاجرة فالتمثيل عليه غزير. يبدأ الاساس الاسطوري للمهاجرة مع اسطورة طرد ابراهيم إبنه اسماعيل لحرمانه من الميراث خلال وليمة فطام ابنه اسحق. وغني عن البيان ان طرد الابن من البيت الابوي هو نظير طرد الله الانسان من الجنّة، اي اعنف عقاب حلّ بالانسان منذ ان كان. ويمرّ التأويل الاسطوري بالنزاع الاول بين قايين وهابيل الذي إنتهى الى الجريمة التأسيسية والى المبارحة. وجدير بالملاحظة ان الهجرة ليست سلبية دائما حتى في الاسطورة. بل ان الهجرة قد تكون تفسيرا لاحداث وتطورات شديدة الوقع والاهمية. ذلك ان طرد اسماعيل في المرويات العربية ارتبط ببناء الكعبة وبولادة نسل جديد من العرب بل هو ارتبط بولادة اللغة العربية ذاتها لتخلّف اللغة السريانية الآرامية التي كانت لغة ابي اسحق، ابراهيم. ومن جهة اخرى، ثمة اسطرة لمهاجرة المكان تردّها الى كوارث طبيعية كما في حادثة انهيار سدّ مأرب تفسيرا لتفرّق القبائل اليمانية. علماً ان انهيار السدّ لا يمكن ان يفسّر بمفرده المهاجرة والتفرّق لكل ذاك العدد من القبائل وفي آن واحد. وهذا على كل حال شأن كل اسطرة: تأخذ جزءا من حادثة او واقع وتغيّر سياقه وآليات السرد.

***

في خلاصة القول، بعض الملاحظات بصدد الجدّة في تأريخ المعلوف.

اولا، اول ميزة لهذا التأريخ هي ما اسلفنا من انه لا يقتصر على أسر الاعيان والأشراف وانما يسعى للاحاطة بتواريخ الاسر العامية.

ثانيا، يقدّم المعلوف بيانات عديدة عن الاصول العربية لعدد كبير من الاسر اللبنانية بما فيها الاسر المسيحية. وهذا ما يؤكد في الآن ذاته ان الاتجاه الرئيسي للهجرات السكانية التي عمّرت المناطق التي انضوت عام ١٩٢٠ في لبنان الكبير وفدت من الداخل نحو السهل فالساحل.

ثالثا، اذا كان الوفود الى المناطق اللبنانية جاء من الشرق نحو الغرب، فالحركة السكانية الداخلية اتجهت من الشمال نحو الجنوب. وهي بالدرجة الاولى حركة نزوح مسيحيين من شمال جبل لبنان نحو جنوبه (المتن والغرب والاشواف والاقاليم).

رابعا، يوفر «تاريخ الاسر الشرقية» العديد من الادلّة على كثافة ظاهرة تبديل الهوية المذهبية او الطائفية لدى الاسر والمواقع اللبنانية. وهي عمليات تبديل تمت لاعتبارات سياسية اكثر منها دينية ايمانية. فسوف تلقى فيه معلومات وحوادث عديدة عن إسكان نصارى مكان مسلمين في اجزاء رئيسية من جبل لبنان وما قد إستتبعه من تنصّر عائلات اسلامية، شيعية وسنّية. كما سوف تلقى، عكسا وإن يكن بدرجة اقل، ظاهرة اشهار أسر او افراد من أسر مسيحية اسلامهم.

خامسا، من حيث المنهج، نحن في ازاء نص مخضرم لمؤلف هو نفسه مخضرم باكثر من معنى. اولهما، مغادرته تواريخ الأسر التقليدية المعنية بتنسيب اسر الاشراف والاسياد والاعيان وحدها ودخوله عالم الأسر العامية. كما اسلفنا. بل ان المعلوف يكسر، حيث وجد المادة الملائمة، تقليد النسب الذكوري بايراد اسماء الامهات والبنات في قوائم الانساب والمشجّرات. والمعلوف مؤرخ مخضرم ايضا لانه سعى الى الافادة من العلوم التاريخية الحديثة– يضاف اليها اهتمامه بفلسفة التاريخ– واتباعه المنهج الحديث في التأريخ للأسر الذي يعزوه الى مطلع القرن التاسع عشر، اضافة الى وسوخ ابحاثه في المنهجيات التراثية شديدة التأثر بالمرجعيات الدينية عن الأسر والشعوب.

سادسا، هذا النص متفاوت. صحيح انه يسعى الى الشمول المشرقي الا انه مختلّ لصالح لبنان ثم الى سورية. حتى في هذين البلدين، فبين ايدينا هو ما استطاع اليه المؤلف سبيلا. فتلقى مثلا ضعفا وشحة في البيانات والمعلومات عن اسر المدن الساحلية: طرابلس، بيروت، صيدا وصور. وثمة اختلال ايضا من حيث المواضيع. فتجد بعض المواضيع مستوفاة بل ومضخمة مثل تاريخ الغجر وتاريخ اليهود قياسا الى تواريخ الشعوب الاخرى. اخيرا ليس آخرا، يتم التفاوت على حساب الاحاطة بمختلف الجماعات الدينية اللبنانية بنسب تعكس حجمها الفعلي الى عدد السكان. لكن من يطالب المعلوف بذلك انما يطالبه باحصاء للأسر اللبنانية وهو جهد تقصّر عنه مؤسسات وإن يكن ان مؤسسة حتى الآن لم تغامر في خوضه. وليس اعظم تكريما لشيخنا المعلوف من ان نقول ان ما من احد في حياته وبعده، اي خلال نصف القرن الذي مرّ على وفاته، اصدر ما يقارن هذا الجهد الموسوعي، من حيث انفتاحه على كافة مكوّنات المجتمع اللبناني، بقدر ما كان ذلك ممكنا في مطلع القرن العشرين وانطلاقا من منطقة البقاع وعلى يد مدرّس محدود الدخل والامكانيات وإن يكن عظيم الجلد واسع الافق.

***

طبعا، لا معنى للحديث عن «تحقيق» هذه المخطوطة بالمعنى المتعارف عليه علميا. فلا التحقق مما ورد فيه من معلومات وبيانات وانساب ممكنة ولا هي مطلوبة اصلا. الاحرى اننا عمدنا الى تحرير النص وإعداده للطبع. وقد عنى ذلك مقدارا من اعادة التنظيم بما يسهّل قراءته واستخدامه كموسوعة للعائلات المشرقية.

كان المخطوط في الحالة التي انتهت اليها عند وفاة مؤلفه، ولم تتغيّر طبعا بعد الوفاة، ينطوي على هيكل مبدئي جرى تجاوزه من خلال تراكم لصفحات ونبذات دسّها المؤلف في المخطوطة على امل نقلها الى الامكنة الملائمة لها عند دفع المخطوط للطبع.

حاولنا الالتزام ببنية الكتاب تلك قدر الامكان وهو القائم على التوزيع الجغرافي للأسر حسب انتمائاتها الى الاقطار العربية وسكناها قرى كل قطر وبلداته ومدنه، او حسب انتماء الافراد والجماعات الى هذه او تلك من العشائر والقبائل العربية المتنقلة عبر الاقطار. اما بالنسبة الى لبنان فقد جرى اعتماد القضاء بما هو وحدة التصنيف. على ان هذا الترتيب لا يلغي الاستثناءات. اولها، ان الاقضية والمناطق اللنانية الخمس الرئيسية –الشمال، الجبل، بيروت، البقاع، الجنوب– قد لا تتطابق تماما مع المحافظات اللبنانية الحالية، لأن تنظيم الكتاب كان سابقا على استقرار التنظيم الاداري النهائي لمحافظات «لبنان الكبير» واقضيته وعلى توازع القرى والبلدات بينها. واما الاستثناء الثاني فهو ان موسوعة عن الاسر، موزعة جغرافيا بدلا من توزيعها الالفبائي، لا بد ان ترد فيها الاسرة الواحدة في غير موقع بين منشئها ومحطّ انتقالها او محال استقرارها ناهيك عن تفرّع أسر بين مواقع بل اقطار مختلفة وتعدد اسماء الأسر دون ان يكون نسب بينها، وهلم جرّا. ان العاصم عن البلبلة هنا هو الفهارس التفصيلية المثبتة في نهاية كل جزء وكل قسم.

ولما كان المؤلف ظل يعمل على النص على مدى عمر، نمت وتكاثرت معلوماته عن الأسر. هنا ايضا اعتمدَ الاضافات. فتلقى نبذات متعددة عن الاسرة الواحدة ولكن بتواريخ تدوين مختلفة، عادة ما تحوي النبذة المتأخرة اضافة ما او اضافات او حتى تعديلات عن النبذة الي سبقتها. في معظم تلك الحالات تركنا النبذات على حالها حتى لو احتوت النبذة على معلومات مكررة. لم نغيّر في هذا الامر البتة الا عندما امكن دمج نبذتين. وقد عمدنا الى الحذف فقط عندما كانت نبذةٌ تكرارا حرفيا لاخرى.

حافظنا على نسق الكاتب الترميزي قدر المستطاع. وضع المؤلف الهلالين المزدوجين «» تدليلا على عنوان مجلة، والقوسين ( ) لعناوين الكتب واحيانا لاسماء المواقع، قرية او بلدة او مدينة. من جهتنا، استخدمنا التنقيط الثلاثي الطليق … او المحصور […] للتدليل على وجود فراغ او انقطاع في المخطوطة او كلمة او عبارة غير مفهومة. اما ما اضفناه من كلام او تواريخ لملء فراغ في النص او لاستظهار معنى او توضيحه فوضعناه بين هلالين مستقيمين [ ].

***

تضافرت جهود ومساهمات عديدة من اجل انتاج هذا الكتاب في الشكل الذي يصل فيه الآن الى القراء. في البدء، تولى الشاعر الراحل رياض المعلوف يعاونه افراد اسرته جميعا، الزوجة سلوى والابناء نجوى وحياة وامل والهام وعيسى، مهمة إستنساخ المخطوط الاصلي واستظهار ما غمض من كلماته والعبارات.

وتولى رودولف القارح وكامل موسى اخراج مجلدات متتالية من المخطوطة من زحلة المحاصرة بالحرب ونقلها الى بيروت ومن ثم الى من حملها الى المحرّر وقد كان في مدينة باريس حيث بذلت المحاولات الاولى للنشر.

تولّت الجامعية حياة القرى الجهد الاكبر من اعادة تنظيم مواد الموسوعة وتوزيعها على المحافظات والاقضية والعائلات اللبنانية والفهرسة الاولية لموادها.

ولا بد من التنويه هنا بالجهود الاستثنائية التي بذلها سهيل ناصر وفريقه الطباعي في استجلاء كلمات المخطوط وتنضيده والاهم من ذلك رسم المشجرات بالوسائط الالكترونية. ويجب تقدير جهود أمل ترحيني لإشرافها على الطبع وجهود الفهرسة النهائية ومعها كامل الفريق العامل في دار رياض الريس للكتب والنشر.

على ان هذا العمل لم يكن ليصدر اصلا لولا قرار الصديق رياض الريس خوض غمار مغامرة نشره معي، بعد ان تملّص منها كثيرون.

واني إذ اشكر هؤلاء جميعا أنزّههم مقدّماً عن اي خطإ، متحملا بمفردي ما في هذا الجهد التحريري من ثغرات واخطاء.

اخيرا ليس آخرا، شد ما يحزّ في نفسي ان يصدر هذا التاريخ دون ان تتكحل عينا رياض المعلوف برؤيته منشورا. فإلي ذكراه اهدي هذا الجهد.

فوّاز طرابلسي

بيروت ايلول 2005

المواضيع
تاريخ
البلدان
لبنان
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
التاريخ القومية العربية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.