العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

١٤ تموز: الديمقراطية ثورة

الديمقراطية ثورة انتزعتها الشعوب، لا حلّة لبستها البرجوازية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

يحتفل العالم بذكرى الثورة الفرنسية الكبرى لعام ١٧٨٩ في وقت تستأثر فيه قضية الديمقراطية باهتمام قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، على ما تثيره تلك القضية من جدال ومن تفسيرات متعددة ومتضاربة. فماذا تملك أن تقوله لنا الثورة الفرنسية الأم الآن، بعد مضي قرنين على انطلاقتها، في زمن تسوده مراجعة الثورات، إن لم نقل إعادة النظر بمبدأ الثورة ذاته؟

يستدعي السؤال سؤالاً آخر: هل من سبيل إلى تأمل جديد في علاقتنا نحن العرب بالثورة الفرنسية يحايد عن الرواية التي باتت مألوفة، تنصب حملة نابليون على مصر «فعلاً مؤسساً» سوف يتمخّض عنه أفكار «عصر النهضة»؟ وهو «فعل مؤسس» يتناقض تقييمه وفق أي موقع يتخذه من ثنائية الأصالة/الحداثة التي لم تعد تملك أن تقول شيئاً كثيراً في هذا الأمر أكثر ولا في أمور كثيرة غيره. فهل بالإمكان تجاوز تلك الثنائية، والمقصود التجاوز الفعلي لا مجرد التلفيق بين عناصرها، في ظل ما يسود الآن في أوساط الفكر العربي؟

نعتقد بضرورة وبإمكانية تلك المهمة معاً، على صعوباتها الجمة، ولكن بشرط الانطلاق من الآن الراهن ومن المصلحة الذاتية العربية. وهذا يعني تجديد الصلة بالتجربة الثورية مباشرة، لاستنطاق ماذا تملك أن تقوله لنا من دروس وإمكانات، فلعل في هذا النهج ما يسمح بوصل الانقطاعات المتزايدة اتساعاً بين نعي غياب (أو تغييب) الديمقراطية من جهة، وبين المطالبة المجردة بتحقيقها، من جهة أخرى. لعله يلقي الأضواء تحديداً على شروط إمكان الديمقراطية في بلادنا وعلى المسارات اللازمة للانتقال إليها.

القاعدة والاستثناء

لم تتفرد الثورة الفرنسية في أنها أمّنت نقل فرنسا من النبالة إلى الحكم البرجوازي (أو من الإقطاع إلى الرأسمالية) ومن الملكية المطلقة إلى الجمهورية. فعلى المنوال نفسه طبعاً شعبها البريطاني. فقد تحقق مثل هذا الانتقال في بلدان أوروبا بأنماطها بأشكال ومسارات متباينة قبل عام ١٧٨٩ وبعده دون اللجوء إلى ثورة. في هذا الانتقال، تكون الثورة الفرنسية بمثابة الاستثناء الذي يثبت القاعدة. لكنه الاستثناء الذي يجعل منها أول تجربة للديمقراطية في العصر الحديث.

وأما وجوه «الاستثناء» هذه فهي، أولاً، في أسلوب الانتقال — القطع الثوري، الدموي أحياناً، الذي حققت قوى الثورة بموجبه الانتصار بالعنف على خصومها الملكية والإقطاع والإكليروس، ووصفت امتيازاتهم وأواليات ومرتكزات قوتهم. وهي ثانياً، في اصطفاف قوى الثورة ذاتها، حيث لعب فريق سياسي جديد كل الجدة، صادر عن مثقفي الطبقة الوسطى (التيار اليعقوبي خاصة)، دور «الحزب»، بالنسبة للبرجوازية الصاعدة، مجسداً تطلعاتها الأكثر شمولاً وجذرية، بانياً قياداتها لسائر قوى التحالف الشعبي. وأخذ ذلك التحالف الشعبي سوقاً (بالمعنى الغرامشي للدهب الرأسي والأفقي) مع ربط المدينة (بؤرة الانتفاضات العامية) مع الريف الفلاحي المتمرد ضد الإقطاع ومن أجل الأرض.

ولكي نقيس من نوعية تلك المميزات، يكفي أن نقول إن الانتقال في سائر الدول الأوروبية سلك مسارات أكثر غوراً وتدرجاً، تم بموجبها النزع التدريجي لسلطة الإقطاع الاقتصادية وتحولها إلى فريق سياسي حاكم (باسم البرجوازية) وأشكال («اليونكرز» في ألمانيا، وملكية «بيدمونت» في إيطاليا، والنبالة المتوسطة في بريطانيا…) وقد تم هذا التحالف بين البرجوازية والإقطاع من جهة، وشرائح متدنية منه، من جهة أخرى، الذي صار تحالفها محدوداً أو ملحاً في تلك التحولات، على حساب تحقيق استيلاء الفلاحين على الأرض.

وتميزت الثورة الفرنسية ثالثاً وأخيراً في طرحها إشكالية الديمقراطية الكونية من خلال تنظيرها بالملكي لمبادئ حقوق الإنسان وإقامة الحرية والمواطن والشعب كأركان أهداف الحرية والمساواة (التي سوف ينضاف إليها لاحقاً هدف الإخوة) هي كونية حملتها جيوش الثورة عبر الحدود إلى أوروبا قبل أن تصبح جزءاً من مشروع كوني عالمي.

ثورة استغرقت قرناً من الزمن

لو أخذنا الثورة الفرنسية بذاتها (١٧٨٩ — ١٧٩٤) لأمكن القول ببساطة إنها ثورة قد أخفقت في تحقيق أي من أهدافها. وهذا «تفصيلي» غالباً ما يجري تناسيه. على أن الذي يجب حسمه بالاحتفال بذكراها والحديث عنها بعد قرنين من الزمن، فهو أن المسار الذي افتتحته توّج أخيراً بالانتصار في ما يزيد عن قرن من الزمن تقريباً، تخللته الارتدادات والتقلبات والانتكاسات.

الطابع الشعبي العميق للديمقراطية

قد امتدت في الثورات هذا، لعب الجمهور الشعبي دوراً حاسم الأهمية لا في الدفاع عن الجمهورية وحمايتها وسائر أوروبا، ولو على أسنة الرماح وحسب، وإنما في فرض المبادئ والمثل الجمهورية على البرجوازية ذاتها. من هنا فإن القول بإقران البرجوازية بالديمقراطية، وحدهما، يحوي مجافاة كبيرة للحقيقة والواقع. على العكس، فالأقرب إلى الحقيقة، في تجربة الثورة الفرنسية على الأقل، حيث فرض الضغط الشعبي، والعمالي منه خاصة، إجراءات ديمقراطية عديدة كان البرجوازية تتراجع عنها بالنضالات الطويلة، بما في ذلك بالانتفاضات والثورات.

إلى أي معنى «كونية»؟

طويلاً انتصب بيننا وبين استقبال آثار الثورة الفرنسية تاريخ استعماري من النهب الاقتصادي والحروب الدموية والتجزئة القومية والاستعباد واغتصاب الثقافتين. ولم ينقض الاستعمار والاستبداد كونية الثورة الفرنسية وحسب، بل إنهما شكلا بشكلاً جذرياً الحاجز الأساسي أمام تعميم عبادتها (التي سوف تضاف إليها الوحدة والاشتراكية). في هذا المضمار قد يكون أسهمها الأهم في منظارنا هو الربط بين الشعارات الأربعة الأهم الذي تتشبت به بالمسألة، وكيف أن الثلاثة كلها ــ الحرية والمساواة والإخوة ــ بالعكس، كما في الإعلان الذي أقرت به لحقوق الإنسان والمواطن (يوم ٢٦ آب ١٧٨٩): «يولد البشر أحراراً ومتساوين في الحقوق…»!

الديمقراطية والعلمانية

يستحق الموضوع معالجة جادة مستفيضة تفيض عن حدود مقالتنا. على أن الخفة والديماغوجية التي يتناول بها بعض التلفيقيين الأمر تستدعي ولو لفتة سريعة. في حوار حسن حنفي ومحمد عابد الجابري فصل خصصه صفحات مجلة «اليوم السابع» (العدد ٢٥٦، ٣ نيسان/أبريل ٨٩) الفظة العلمانية ليست عربية، يقول حنفي، ولدعاتها مسلمون.

أين اليعقوبية من كل هذا؟

لاحظ عدداً من المراجعات النقدية للأنظمة الرأسمالية العربية، يجمع بين نسبه إلى تراث يعقوبي، متدرج البناء من الثورة الفرنسية ومؤسساتها وما ورثته من الدولة المركزية ومؤسساتها وأضافته. وهكذا صار «الراديكالية العربية» مسؤولية عن القسط الأوفر مما أصاب مصائرنا من انتكاسات ومصائب.

لسنا هنا في معرض المرافعة عن دور الراديكالية العربية في تطورات ربع القرن الماضي، على أن هذا النهج في المراجعة والتفكير يستدعي ملاحظات:

أولاً: يتغافل هؤلاء النقاد عن الأنظمة العينية التي تحمل فعلاً صحيح أنها منقولة شكلاً عن الدولة الأوروبية الحديثة، إلا أنها أسلوب قمري بسيط الدولة على الشرائط التكسيقي لكونها. وهي خاصية ليست بحاجة إلى أي معنى إضافي: نمذجة اليعقوبية لتكتشف أن الحداثة، فهي اليعقوبية صحيح ما قامت به الانتعاشات الحقيقية، ملكياً الرسمية والشعبية اللاحقة.

ثانياً: إن استنباط مهمة الراديكالية العربية عن الوحدة والعدالة القومية وقيامها الديمقراطية في بلادنا لم يعودوا بشكل تمت شرائحها وقطاعاتها ومطاعيماتها وقطاعاتها ومحاصصاتها وهناك شعب تلبو القباب والإنتفاع لتناف على أهل العرف وأصحاب الامتيازات والانتفاعات لتسييل الشرائح السابقة، على عرق من إرادة السلطة على مثل أنهم معينيين بقطع دور الدولة من تجسيمات للسلطة التكرروسية للدولة الاستئنانية.

هكذا تجد في الجمهورية الإسلامية الإيرانية هياكل من الدولة الحديثة الأوروبية (رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب (الشورى) تخفى مؤسسات ولاية الفقيه. أو لبنان السريع التطور الرأسمالي، هذا من البرلمان يلعب دور «مجمع لوجهاء العشائر والطوائف» (ميشال شيحا) بناء على دستور منسوخ عن دستور الجمهورية الثالثة الفرنسية.

[ملاحظة المؤرشف: المقال مقتبس بتنقيح أولي من صورة ضوئية للمجلة. قد تحتاج بعض الفقرات إلى مراجعة لغوية دقيقة. الأصل منشور في مجلة «زوايا»، العدد الأول، تموز ــ آب ١٩٨٩، ص. ١١ ـ ١٣.]

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
فرنسا
نُشر في
زوايا
المؤلف
فواز طرابلسي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.