العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

هل الوحدة ممكنة دون مركزية؟ حالة اليمن

المركزية لا توازي القوة — أقوى دول العالم فيدراليات، والدكتاتوريات العربية لم تنتصر مرّة على إسرائيل.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

هل الوحدة ممكنة دون مركزية؟

حالة اليمن

فوّاز طرابلسي

تدلّ الطريقة التي بها تنهار الانظمة الاستبدادية على نمط مشترك. فمع تقلّص قدرتها على التوزيع الاجتماعي وتجديد الشرعية السياسية والايديولوجية، يغلب لديها عنصر الضبط الامني وتغذية التناقضات الداخلية واللجوء المتزايد الى الادوار الاقليمية والدولية. هذا هو حال نظام علي عبدالله صالح إذ قدّم نفسه في آخر سنوات حكمه على انه حامي الجزيرة العربية من تسلل «النفوذ الايراني» الذي مثّل عليه بالحركة الحوثية مثلما قدّم نفسه للعالم – اي للادارة الاميركية والمجموعة الاوروبية – بأنه في الصف الامامي من الحرب العالمية ضد «الارهاب»، إرهاب استجلب ارهابييه من افغانستان واستخدمهم في حربه ضد الجنوب العام ١٩٩٤ ليعيد استخدام فزاعة تنظيم «القاعدة» مجددا من اجل طمس المسألة الجنوبية.

في المقابل، فإن المفارقة في امر الثورة اليمنية هي انها وحّدت جماهير واسعة في طول البلاد وعرضها تحت شعار ترحيل الطاغية. ولكن رحيل الحاكم، في ظل الرعاية الاميركية-السعودية، ودون المساس باركان نظامه، كشف نقاط تصدع لم تكن في صميم الحراك الثوري ذاته. استظهر انحسار الحكم الفردي المركزي في صنعاء ثلاث حركات نافرة من المركز، او بالاحرى منفَّرة منه، هي:

+ الحركة الحوثية التي يختلط في دعوتها تطلّب الحكم الذاتي في الشمال الغربي من البلاد، بالدفاع عن حرية المعتقد المذهبي

+ اهمية تعز مركزا للحراك الثوري، وهي المنطقة المهملة والمهمشة مع انها الاكثر حيوية اقتصاديا والاكثف سكانيا، والتي نالت النصيب من القمع

+ «الحراك» في المحافظات الجنوبية الذي تتنازعه دعوتان فدرالية او انفصالية دون ان تختزلان الرأي العام فيها

اقل ما يقال هنا ان تفكك المركزية النابذة التي حكم بواسطتها علي عبدالله صالح ونظامه، يتطلب هندسة جديدة تقوم في حدها الادنى على الاعتراف بتعدد المراكز في بلد مترامي الاطراف.

نود الاكتفاء في هذه العجالة بتسجيل بعض الملاحظات بصدد واحدة من تلك القضايا الثلاث، هي المسألة الجنوبية، وقد تكثف البحث فيها خلال الاسابيع الاخيرة.

دفع اليمن شمالا وجنوبا ثمنا باهظا للطريقة الاعتباطية التي تمت بها الوحدة بين شطري اليمن العام ١٩٩٠ كما على الطريقة التي حسم فيها النزاع بين شريكي الوحدة بواسطة حرب العام ١٩٩٤. تهالك الحكم الجنوبي آنذاك نحو الوحدة، تحت وطأة الانهيار السوفييتي، وتصرّف الزعيم الشمالي، مدعوما بالادارة الاميركية، على اعتبار ان الوحدة كناية عن عودة الابن الشيوعي الضال الى بيت الطاعة.

سال حبر كثير في وصف نمط الهيمنة الشاملة وفي اشكال التمييز والنهب الفادحة التي تعاطى بها علي عبدالله صالح ونظامه وملحقاته بالجنوب المهزوم. وسال دم كثير بسببها. ولكن ما ليس يجري التشديد عليه كفاية هو الافتراض القوموي الذي اسند تلك الممارسات التي يصح تسميتها «وحدوية تقسيمية» او «مركزية نابذة». وهو الافتراض ان الوحدة الطبيعية قائمة اصلا – على الرغم من ان ابناء الشعب اليمني لم يعيشوا معا في ظل حكم واحد مدى قرون – وان الطبيعي يستعاد بعد القضاء على المصطنع والشاذ بمجرد ازالة الحدود بين «الشطرين». والافدح انه بدل من ان تبنى الوحدة بناء، وتصنع صناعة، وتؤسس وتشرّعن وتمدّ جذورها علائق بين الناس ومؤسسات ومصالح وتطلعات مشتركة، جرى التعامل معما سمّي «انهاء التشطير» على انه ببساطة عودة «الفرع» الى «الاصل». ما تأسس على ذلك لم يكن مستغربا. إستبعد الحاكمُ الشمالي شريكه الجنوبي ولما كان لا يزال لكل سلطة قواتها المسلحة تدهورت الامور سريعا باتجاه المواجهة المسلحة. شجعت العربية السعودية القيادة الجنوبية على اعلان الانفصال ليشكل ذريعة لارسال قوات مشتركة للجامعة العربية تفصل بين «الشطرين» فتعيد تكريس واقع الدولتين. يكتنف الغموض اسباب تراجع العربية السعودية عن هذا المشروع او فشلها في تحقيقه. المهم ان الجنوب خسر الحرب واليمن خسر الوحدة.

ما يثير القلق في الطريقة التي بها يُطرح الحراك الجنوبي الآن ويُقاد هو ان تتكرر تجربة الرهان على الخارج مجددا. لم تقدّم القيادات الجنوبية لم تقدم اي حساب لشعبها على تجربة الحكم الاشتراكي ولا على الطريقة التي بها حققت الوحدة او عن مسؤوليتها في التدهور الى ادى الى اعادة فرضها بالقوة العسكرية. على انها – القيادات – تبدو الآن منقسمة بين من يريد الاستنجاد بدعم سعودي-خليجي لاستيلاد فيدرالية ومن يسعى الى استدراج تدخل ايراني لدعم انفصال جنوبي يعطي الجمهورية الاسلامية موطيء قدم في الجزيرة العربية.

من تابع المؤتمرات المنعقدة مؤخرا حول اليمن لا بد ان يفاجأ بطغيان هذا الوهم الخارجي وما يستولده من خرافات ومن النأي بشؤون المحافظات الجنوبية عن التطورات الجارية في سائر اجزائه. ولا يضارع سلباً ذلك الا اوهام اللجوء الى التسميات المغايرة وابتكار الهويات المدعية التأصيل في الماضي بغض النظر عن لفتة واحدة الى ما اذا كانت تجربة اليمن الديمقراطية بين ١٩٦٧ و ١٩٩٠ تؤكد او تبطل الادعاء بأن المحافظات اليمنية الجنوبية تملك مقومات الاقتصادية والمادية للاستقلال الذاتي. ثم كأنه لا يعيب على شعب طرد الاستعمار البريطاني بالكفاح المسلح والتضحيات الجسام ان يتباهى بعض ابنائه بتسميته «الجنوب العربي» وهي التسمية التي اطلقتها الادارة البريطانية على تلك المنطقة في السنوات الاخيرة من الاستعمار البريطاني. او كأن الدعوة الى بناء «حضرموت الكبرى» ليست مقدمة لاستثارة عصبيات جهوية كالتي استنفرت وشبح في الاقتتال الاهلي في يناير ١٩٨٦.

ليس من قبيل التبشير القول بأن الديمقراطية سبيل الى اعادة بناء الوحدة اليمنية على اسس جديدة.

اولا، لأن الديمقراطية في مبدئها الاساسي تقوم على اعلان المساواة السياسة والقانونية للمواطنين. والقضاء على كافة اشكال التمييز بينهم في هذين المجالين على الاقل. وقضية الحراك الجنوبي هي قبل اي شيء آخر قضية تمييز في المواطنة.

ثانيا، لأن الديمقراطية قائمة على اولوية الارادة الشعبية على سائر الارادات. وهذا يعني حق المواطنين في المحافظات الجنوبية في تقرير مصيرهم في إستفتاء حرّ يختارون بموجبه نمط علاقتهم المؤسساتية بسائر اجزاء البلاد في اليمن الجديد.

واخيرا لأن الديمقراطية هي الاطار الاكثر احتراما للتعددية والاكثر اسهاما في اشراك اوسع الفئات الممكنة من الشعب في الحياة السياسية ورسم السياسات.

واذا كان من خلاصة لتجارب انظمة الاستبداد العربية فهي ان المركزية لا توازي القوّة. ان اقوى دول في العالم هي دول فيدرالية وبعضها كونفدرالية. والاهم ان وحدانية السلطة ومركزيتها وقاعدتها العسكرية كانت قوية علي شعوبها فقط، الى ان كسرت هذه حاجز الخوف واستقوت على حكامها، ولكنها لم تسمح مرة لدولة عربية بأن تستجمع من عناصر القوة للانتصار في معركة واحدة على العدو الاسرائيلي.

الحكم القوي هو القوي بشعبه، وهو الحكم المرتكز الى الشرعية الشعبية المعبّر عنها بالانتخاب والتداول الدوري للسلطة، على قاعدة المساواة السياسية والقانونية للمواطنين وبما يوفره ذلك الحكم لشعبه من سبل العيش الكريم والامل بالمستقبل.

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
اليمن
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الدولة القومية الديمقراطية الطائفية اليمن

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.