العودة إلى المحاضرات والمقابلات
محاضرات ومقابلات مقابلات

مقابلة ثناء

حوار: مسار فكري وسياسي من البعث إلى اليسار الجديد — ومن الحرب إلى المنفى والعودة. تجربة اليسار اللبناني وسؤال الديمقراطية والاشتراكية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

مقابلة ثناء

لإنتمائه الماركسي تاريخٌ طويل، تفتَّح حسُّه السياسي في خِضم حركة الأفكار والتحولات السياسية والإيديولوجية، عاش إستعدادات وإنهيارات نماذج تيارات وأحزاب، رصَد جُهده للقضايا الكبرى، وإرتبط بمواقف وأحداث نضالية محلية وعالمية، تنقَّل بين مواقع حزبية عديدة، مُجتهداً في المحافظة على عطائه السياسي ضمن مبادئه الماركسية، المذهب العام لتطور مساره كان مبنياً على هذا النهج، وخاض على أساسه إختباراته العديدة من الناصرية إلى البعث إلى تيار لبنان الإشتراكي، وصولاً إلى أحد أهم رموز ومؤسسي منظمة العمل الشيوعي ونائباً لأمينها العام لاحقاً.

حين إتسمت اللحظة السياسية في الثمانينيات بنوعٍ جديدٍ من التفكير والفعل، دخل طرابلسي في قراءة نقدية للمشروع السياسي وإحتمالاته، فحدَّد ثغراته ودعا لتصويب الممارسة وأساليب النضال والفهم العلائقي للمتغيرات، إلا أن تفكيره المستقل ظلَّ خارجاً عن إرادة التنظيم، فدخل حينها مرحلة الإعتكاف الحزبي، وتفرَّغ للأكاديمي والبحثي، وانشغل مجدداً في التحصيل العلمي العالي في العاصمة الفرنسية باريس.

هو أحد المفكرين المهمين في لبنان والوطن العربي، ورمز من رموز اليسار التقدمي، إنه من نمط المثقف الشمولي، ولطالما كان مشدوداً إلى قضايا السياسة والثقافة والفن والصحافة، له مؤلفات عديدة في التاريخ الحديث والسياسة والفن، ومقالات صحفية تحليلية وأبحاث أكاديمية، هو أستاذ في الجامعة اللبنانية الأميركية والجامعة الاميركية في بيروت، ومحلل سياسي للأحداث المحلية والعربية والعالمية، يقول فيها رأيه عبر إفتتاحيته الأسبوعية في صحيفة “السفير” اللبنانية.

*أحداث متداخلة عشتها وتنقلت بين مواقع حزبية عديدة بدءاً من إنتماؤك الأول أيام الدراسة إلى الناصرية ثم البعثية وبعدها إلى لبنان الإشتراكي ومنظمة اللبنانيين الإشتراكيين، وصولاً إلى منظمة العمل الشيوعي، وفي الوقت نفسه كنت قيادياً بارزاً في الحركة الوطنية داعماً للمقاومة الفلسطينية ولثورات التحرر في اليمن والجزائر وغيرها، كيف ولماذا كل هذه المواقع؟

عشتُ ذروة حركات التحرر العربية، وما حفَّز حماسي وقلب حياتي نحو السياسة بالفعل هو العدوان الثلاثي عام 56 ، إذ ترافق مع شعور عارم بالغضب وبالإنتماء العربي في ظل حرب عدوانية معلنة من ثلاث دول. وهي الحرب التي لفتت الأنظار نحو مصر، وقد امتلأنا فخراً أثناء عملية تأميم قناة السويس، لأن بلداً عربياً رئيسياً إسترجع جزءاً من ثروات المنطقة واستكمل إستقلاله، ولأن هناك قائداً في مصر يتوجه إلى العرب بمستويات مختلفة، يتحدى الغرب، يحكي عن التحرر من الإستعمار وعن الإشتراكية، ويدعم حركات التحرر الرئيسية، يقولُ للعربي إرفع رأسك، ويطرحُ موضوع حق العرب في الإستقلال، ويقدم برنامجاً طموحاً للتنمية. وقد كان لذلك كله تأثير أول عليَّ.

وجاء التأثير الثاني من الثورة الجزائرية، وكتبت حينها سلسلة مقالات عن الثورة التي كنت شديدِ الإهتمام بها، مفتتحاً عملي الصحفي في جريدة “المحرر” مطلع الستينات من القرن الماضي. لقد كان هذا المناخ جديداً، وتبلورت خلاله الوحدة بين مصر وسوريا، وأعقبتها صدمة الإنفصال التي حثتنا على التفكير والتساؤل.

*التفكير بالإنتساب إلى البعث بعد أن أصبح القوة الرئيسية غداة تسلمه الحكم في سوريا والعراق؟

لم انتسب الى حزب البعث بعد تسلّمه الحكم في سوريا والعراق. بل غادرته بعد حين من تسلّمه الحكم. إنتسبتُ في ظروف إستثنائية إلى فرع البعث في انكلترا أثناء التحضير للدخول إلى الجامعة في مدينة مانشستر. كانت هناك كتلة ناشطة من اليساريين في حزب البعث، ناقدين للتجربة الناصرية، إنضممتُ إليهم من منطلق المسار الوحدوي الذي أؤمن به، وخلال التعرف على الماركسية والتفكير بالعلاقة بين القومية والاشتراكية، والاهتمام بضرورة الربط بين التحرر من الإستعمار والوحدة العربية والإشتراكية، وعندما عدت إلى بيروت أصبحتُ أمين سر الحزب لفرع الجامعة الأميركية. لكن تجربتي في البعث لم تتجاوز الاشهر.

*كان هذا أول إنتساب حزبي لك؟

اول انتساب حزبي بالمعنى الكامل للكلمة. قبلها مارست نشاطات سياسية في أطر ما دون حزبية، اذا جاز التعبير. ايام الدراسة في مدرسة برمانا العالية، اسهمت في تكوين مجموعة عروبية كردّ فعل تجاه تحدي السوريين القوميين الذين كانوا يسيطرون على الجهاز الإداري والتعليمي للمدرسة. وكانت المدرسة تضم طلاباً من مختلف الأقطار العربية، ومناخ الطلاب مطبوعٌ في فترة الخمسينات بشخصية جمال عبد الناصر. كنا مجموعة ناصرية كبيرة واتصلنا بمجموعة زملاء سبقونا الى الجامعة الأميركية ببيروت كانوا قد انضووا خلالها بحركة القوميين العرب.

قبله أسسنا «رابطة الدراسات الإشتراكية» مع الدكتور كلوفيس مقصود، وكان عائداً لتوه من جامعة أوكسفورد البريطانية عروبياً وإشتراكياً وعلمانيا متحمساً. وضمت المجموعة حينها شباباً خارجين من تجربة 58 ، وهي تجربة أحدثت شرخاً بين منطقتي بيروت الشرقية والغربية، هم كانوا من الداعين لإجتماع البيئتين، وكنا في نفس الوقت على علاقة بحركة القوميين العرب، بعدها إنفرط عقدنا عندما استدعي كلوفيس مقصود ليتسلم موقعاً إدارياً في الجامعة العربية، وأنا سافرت لمتابعة دراستي.

* ما هي ظروف إنتسابك إلى حزب البعث؟

إستهواني البعث أكثر من القوميين العرب، الذين عرضوا عليّ الانتساب بعد ان غادرت الثانوية وانتسبت الى الجامعة. اعتذرت لأني كنت أراهم يجنحون نحو اليمين في تركيزهم احادي الجانب على اولوية الوحدة وعدائهم للشيوعية ورفضهم الاشتراكية.

رايت في البعث حزباً أقل تآمرية، مؤمناً بالإشتراكية، كنت أثناءها قد بدأت أقرأ وأتابع أكثر، لقد دخلت إلى فرع حزب البعث في بريطانيا مطلع ١٩٥٩ وأنا ماركسي على جناح يساري، وكان البعث حينها حزباً شعبياً واسعاً مليئاً بالتيارات في أواخر الخمسينيات، كان يضم تياراً يسارياً عريضاً أحد كوادره الرئيسيين عبد الرحمن منيف وفيصل حبيب خيزران. في بريطانيا، كان نشاطي الحزبي الرئيسي في القطاع العمالي، مسؤولا عن تنظيم العمال اليمنيين المهاجرين حزبيا وتأطيرهم في إتحاد نقابي يرعى شؤونهم ومصالحهم. وكان هذا افتتاح لعلاقة طويلة وغنية مع اليمن وشعبه شمالا وجنوبا. وتركزت قراءاتي في تلك الفترة على الإشتراكيين الإنكليز والفابيين والإقتصاد السياسي الماركسي،

عندما عدت الى لبنان ١٩٦١، وهكذا إرتبطتُ بيسار البعث الذي كان يقوده فكرياً ياسين الحافظ، الناقد للتجربة الناصرية والقادم من الماركسية إلى القومية، يحاول التوفيق بين القومية الديمقراطية والماركسية. كان ياسين، بعد تسلّم البعث الحكم في سورية ١٩٦٣، رئيسا لتحرير جريدة “البعث”، فكتاباته النقدية كانت مستقطبة لليسار البعثي. وكنتُ أكتب في ذلك الوقت في صحيفة “الكفاح” اليومية لرياض طه وفي أسبوعية “الأحد”، بدأت بكتابات حول الإصلاح الزراعي وحول الإشتراكية، وقد لفتت كتاباتي نظر المجموعة اليسارية في دمشق خصوصاً ياسين الحافظ، فإنعقدت صلات بيننا.

*هل كان مسموحٌ الإعتراض على سلوك الحزب أثناءها؟

لا طبعا، دفعنا ثمن رفضنا عندما أصدرنا نحن مجموعة الجامعة الأميركية ومجموعة من حيّ النبعة منشورا بعنوان «رسالة الى الرفاق» نتبرأ فيها من مواقف القيادة، ونعلن معارضتنا الأسلوب الفاشي الذي تسلم به الحزب الحكم في العراق، خصوصاً إعلان البعث العراقي الحرب ضد الاكراد وإضطهاد الشيوعيين. فاستدعوني عشية المؤتمر السابع للحزب، وحاكموني وطردوني وفصلوا مجموعتَي الجامعة الأميركية والنبعة.

*لكنك كنت من أشدِّ الناقدين للتجربة الناصرية؟

كنا قد بدأنا لقاءات أسفرت عن بناء تنظيم لبنان الإشتراكي، الجو الذي كان سائداً هو تركيز نقدي لمعالم لتجربة الناصرية الرئيسية، حاسبنا عبد الناصر على أساس بناء الإشتراكية وليس على أساس التنمية والإصلاح الزراعي، حينها صدر كتابان مهمان هما: «مصر مجتمع عسكري» لأنور عبد الملك (ترجم الى العربية بعنوان «مصر مجتمع جديد يبنيه العسكريون»، والثاني «مصر الناصرية»، لحسين رياض وهو الإسم المستعار لسمير أمين. كان نقدنا مركزاً على دور العسكر ومحاولات الشهابية وتجديد الرأسمالية، وكان له علاقة أيضاً برد الفعل على هزيمة الـ 67 خاصة تجاه الناصرية.

*كيف كانت صورة البعث في تلك الفترة وبمن كنت متأثراً بكتابات عفلق مثلاً الذي كان رئيسك في لجان البعث أم بآخرين؟

لطالما رفض الأخير مقابلتي، أنا دخلت يسارياً إلى البعث وانضويت في الأجنحة الناقدة لفكر ميشال عفلق، وقد قرأت كتاباته منذ البداية بطريقة نقدية، كان لخطابات عبد الناصر أثناءها تأثيرٌ حاسمٌ على جيل بكامله، وكانت حدثاً ننتظره ونسمعه، بالإضافة إلى مقال محمد حسنين هيكل الأسبوعي في «الاهرام»، الذي كان يناقش موضوعاً محدداً، ومقالات ياسين الحافظ رئيس تحرير «الثورة» عند تسلّم أيضاً التي كانت مرتكزاً لأفكارنا، كانت الإذاعات حدثاً جديداً ومحور العالم كله في الستينيات، في الحقيقة كنت متأثرا إلى حد كبير بالفكر الماركسي، وكان التيار اليساري في حزب البعث قوياً وهو تيار ضد فكر عفلق القومي، وكان داخله أكثر من تيار، واحد متأثر بالثورة الجزائرية وآخر بالماركسية، وما كان مشتركاً بين هذه الكتل اليسارية فكرة بناء تجربة خاصة بالبعث، فوجهة النظر السائدة أنذاك في الحزب كانت تقول أننا نستطيع بناء تجربة تتجاوز تجربة عبد الناصر، إشتراكية جذرية أكثر تتفادى البيروقراطية، قائمة على إدعاء أننا ديمقراطيون أكثر، في حين أنهم كان البعثيون أقلية انقلابية، فرضوا شبه ديكتاتورية على البلدين، وكانت التجربة كارثية إذ إنشقت المنطقة إلى معسكرات، سوريا والعراق من جهة ومصر من جهة ثانية، وبدل أن يحققوا الوحدة إنشقوا في ظل البعث.

*إذن كانت تجربة حزبية قصيرة العمر؟

صحيح لكن بعد خروجي مباشرة من البعث تعرفت على وضاح شرارة، وبسرعة تكوَّنت المجموعة التي شكَّلت أو أسَّست لبنان الإشتراكي، وضم حينها وضاح وأنا وكريستيان غازي ومادونا غازي ووداد شختورة والمحامي أحمد الزين، وكانت بداية لبنان الإشتراكي بين عامي 65 و66.

*ما الأفكار التي حملها هذا التجمع وهل كان نواة لحزب يساري؟

كان خلال فترة التأسيس قائماً على غزارة في العلاقات والنشاط، وكان الإنفتاح على عالم الماركسية، لا سيما اليسار الماركسي الذي كان صاعداً في فرنسا، أحد أهم إنشغالاتنا، وتميز اللبنانيون الإشتراكيون بالقراءة والمتابعة الدؤوبة بتأثير من وضاح، وإعطاء أكبر وقت لقراءة الصحف خصوصاً “لوموند”، كانت الحياة الداخلية غنية وعجقة أفكار وتواصل مع الحزب الشيوعي، الذي نما داخله أثناءها تيارٌ لينيني، تزَّعمه نخلة المطران، وقد انجذب كريستيان غازي ووضاح يومها لذاك التيار وكانت له قواعد في كل لبنان، خصوصاً في قرى الجنوب، مثل برعشيت وعديسة وحولا وغيرها، إنفرط عقد لبنان الإشتراكي بعدها لنعود ونلتئم في العام 66 وحتى 70 ، وقد إتسع مع إنخراط عناصر جديدة في صفوفه أبرزهم: أحمد بيضون وحسن قبيسي ووجيه كوثراني، ومجموعات طلابية تضم سامي سويدان أستاذ الألسنيات في الجامعة اللبنانية، وبعض شباب حي اللجا محمد دبس وسميح عباني وطلاب ثانويين، كان محمود بيضون شقيق أحمد انشطهم.

لقد جرى طرح أسئلة حول كل ما هو سائد، وإنتاج بعض المقولات التي تكرست، وأرسى هذا التجمع مصطلحات بقيت متداولة في تراث الحركة الوطنية، حول طبيعة النظام السياسي اللبناني وطبيعة الجانب الإقتصادي ودور لبنان في المنطقة، وكان النقاش دائماً يجري مع الحزب الشيوعي اللبناني، وقد تبلورت لدينا مواقف نقدية من الشهابية والناصرية والتجربة السوفياتية، ووضعنا تصوراً للعمل القاعدي ودور الجمعيات العمومية في الحياة الجامعية، ومنذ اليوم الأول في لبنان الإشتراكي كنا نُفرط في النقد الذاتي، كنا أنا ووضاح نعمل في دار الطليعة، وسرعان ما تحوَّل قسمٌ كبيرٌ منا نحو الترجمة والنشر في مجلة «دراسات عربية» الصادرة عن الدار، وقد تسلمناها لاحقاً وأصبحنا نحررها نحن، لقد نما لبنان الإشتراكي في الفترة الممتدة بين 68 و71 وهي فترة فترة وجودي خارج لبنان.

*تأسست منظمة العمل الشيوعي في هذا التاريخ وتبوأت أحد أبرز مراكزها القيادية، كيف؟

في هذه الأثناء إنعقدت العلاقة بين يسار حركة القوميين العرب ولبنان الإشتراكي، وقد كنت من المتحمسين جداً لذلك، كانت صلتي بنايف حواتمه ومحسن إبراهيم ومحمد كشلي قوية، واندمج التنظيمان في ما عرف لاحقاً بـ«منظمة الإشتراكيين اللبنانيين-لبنان الاشتراكي» ومن ثم «منظمة العمل الشيوعي»، وقد إستقطبت المنظمة منذ تأسيسها أناساً من خارج هذه الأوساط وبالتحديد من مدارس فرنسية وغيرها، جاؤوا بعد حرب حزيران ٦٧ وفي أعقاب ايلول ١٩٧٠ في الأردن، وبعضهم جاء من الحزب الشيوعي على أثر الإنشقاقات التي شهدها تلك الفترة، وهكذا إنعقد أول وآخر مؤتمر لمنظمة العمل الشيوعي عام 1971، على وقع الشعور بانتهاء المقاومة الفلسطينية والعمل الفدائي عقب ضربات أيلول، وصعود الحركات الإجتماعية في لبنان، والإضرابات العمالية وتحركات الفلاحين.

*فترة منتصف الستينات وأواخر السبعينات هي فترة المتغيرات المحلية والعالمية، ديناميكية طلابية وشعبية في فرنسا وأوروبا وفيتنام، إنفكاك الوحدة المصرية السورية سنة 1961، ولادة المقاومة الفلسطينية، كلها معطيات متحركة أنتجت حيوية وإنشقاقات نحو القومية ونحو الشيوعية، أي منحى إتخذت أنت وأين كنت بالتحديد؟

تزامنت هذه الفترة مع حراك داخل المجتمع اللبناني على ثلاثة مستويات: المستوى الطلابي الثانوي والجامعي، وتململ الطبقات الوسطى المقموعة التي تفتش عن مكان داخل النظام، والمستوى العمالي، وقد ظهر جيلٌ جديد من العمال الشباب الآتين من الريف وليس لهم مكان في الحياة النقابية القديمة، حينها تدفقت الإنتلجنسيا نحو اليسار الذي أصبح ممثلاً للمثقفين في البلد، وقد سمح هذا الجو لأفكار من نوع أفكار منظمة لبنان الإشتراكي، بالتأثير في الحياة العامة، وخلق مناخاً تعبوياً مغايراً، وفي تلك الفترة وعلى أثر ملاحقة الجيش لي، على خلفية البيان الشاجب الذي وزعناه إحتجاجاً على عدم مشاركة الجيش في حرب ال67، وُضعت خارج النضال الحزبي، وهكذا قررت أن أغادر لمتابعة دراستي في لندن، تغيبت عن لبنان سنتين، وكانت هذه فترة غنية في حياة لبنان الإشتراكي، وتبلورت وقتها فكرة الإندماج مع منظمة العمل وعدت وإنخرطت في صفوفها.

*هل كان إنتماؤك إلى منظمة العمل إستكمالاً لمسار يساري تجرعته من الحزبية العائلية في مشغره، وما الفرق بين المنظمة والتيارات اليسارية الأخرى؟

لم يكن من تأثير او اهمية للحزبية العائلية في مشغرة في خياراتي السياسية. ولو كان ثمة تأثير لها فالاحرى ان انتسب الى الحزب الشيوعي لا ان اسهم في تأسيس منظمة شيوعية ناقدة للحزب الشيوعي. بالنسبة لي كانت منظمة العمل تتويجاً لجهد وحلم بناء تنظيم يساري، كانت القومية هي الفكرة الرئيسية، وأيضاً كيفية التأثير بالحزب الشيوعي رغم وجود خلافات، ورغم الحدة التي سادت إبان فترة التأسيس للمنظمة، وإتهام الشيوعيين لنا بالشلل اليسارية المغامرة، فيما كنا نسميهم نحن بالبريجينيفيين، كان خلافاً بين الحركة القومية والحركة الشيوعية، وراح كل واحد يُصحح مساره باتجاه، الحركة القومية كان لديها خيبة أمل بعبد الناصر ونقد للأنظمة البرجوازية الصغيرة كما كنا ننعتها، فتبنى بالمطلق المقاومة الفلسطينية، والشيوعية التي نقضت ماضيها المعادي للقومية أي تبنت القومية، وقدمت الإعتذار لعبد الناصر، وأيَّدت الانظمة التقدمية في ظل موقف سوفياتي متحفظ من العمل الفدائي، لكنه يدعو الى «الطريق اللارأسمالي الى الاشتراكية » ويدعم الانظمة الشعبوية الصادرة عن حركات التحرر في القارات الثلاث. وبعد أن حسم الإتحاد السوفياتي في تبنيه الحل السلمي النزاع العربي الاسرائيلي، إنقسمت حركة التحرر العربية بين من قبلوا بمبادرة عبد الناصر بقبول حل للنزاع العربي-الاسرائيلي بناء على مشروع روجرز عام 1970 ، وبين من رفضوا، وكانت الخلافات تتحول أحياناً إلى معارك طلابية وإشتباكات في صفوف الطلاب الجامعيين، تصل إلى استخدام العصي والسكاكين وغيرها.

*بقيت في صفوف المنظمة منذ العام 71 وحتى 85 شهدت خلالها عدداً من الإنشقاقات خلال العامين الأولين من تأسيسها، ما هي أسبابها؟

ولدت منظمة العمل مع عدد كبير من الأزمات، قسم منه له علاقة بالتنافر بين لبنان الإشتراكي ومنظمة اللبنانيين الإشتراكيين، وذلك نتيجة إحساس الفريق الأول بالنجومية والتفوق الفكري الذي كان برأيه يعطيه الحق في قيادة الآخرين، وقسم آخر من المشاكل كان له علاقة بالتنظيم نفسه. فأعضاء حركة القوميين العرب إعتادوا شكلاً من التنظيم الهرمي، فيما على خلاف لبنان الإشتراكي القائم على فكرة الخلايا الأفقية أو المساواة، لقد أنشأنا في مؤتمر المنظمة خلايا وأصبح لدينا طوابق لم يقبلها قسم كبير من جماعة لبنان الإشتراكي، فقد كان إنتقالاً مفاجئاً من شلل أفقية إلى بناء من النمط الحزبي المتراتب، وهذا أدى بدوره إلى انشقاق، أما الإنشقاق الثالث فنجم عن إيمان البعض داخل المنظمة، بأن العنصر التثويري يكمن في المقاومة الفلسطينية ولا أحد بمقدوره فعل شيء على يسار الحزب الشيوعي، وهكذا إنشق الشباب وتفرقوا نحو تيارات مختلفة، فمحمد كشلي ذهب باتجاه الجبهة الديمقراطية، ومجموعة من الشباب راحوا باتجاه فتح ومن بينهم سعود المولى وآخرين، وإتجهت أقلية نحو الحزب الشيوعي، فيما بقيت قلة ومن بينهم أنا داخل المنظمة بدأنا بإعادة بناء تنظيم من نوع آخرم

وكانت المنظمة الفعلية من نتاج عام 73 أي بعد إنتهاء مرحلة الإنشقاقات، وبعد أن بدأنا نحصد الجهود العمالية، كنا أثناءها أقوياء في الريف وكان الحُرم المفروض علينا من كمال جنبلاط والحزب الشيوعي بدأ يخِفُّ، وبدأنا التنسيق معهما وتمكنا لاحقاً من إستعادة أعداد كبيرة من الذين غادروا المنظمة خلال موجة الانشقاقات.

* أين أصابت هذه الإنشقاقات المنظمة بالتحديد؟

أفقدتها القسم الأكبر من مثقفيها، فمنظمة العمل كانت تجمعاً لمثقفين آتين إلى مكان ملتبس وجزئي، بعضهم إنجذب لإعتباره المنظمة التنظيم الأقرب إلى المقاومة الفلسطينية، وآخرين رأوا فيها تجسيداً للقضايا العمالية والإجتماعية، ونحن لم نكن قادرين على إستيعاب الناس برحابة أكثر وفكر تطوري أعمق، لقد فاتتنا هذه المسألة فعلاً، وكان هناك شيء ما سينكسر حتماً، وهذا ما حصل، إنتقلنا بعدها إلى الطريقة الهرمية في التنظيم أي ضد الشللية والتنظيم الأفقي، كان المطلوب إعتماد التراتبية على مبدأ المركزية الدمقراطية وتوزيع العمل، وهذا الخط هو الذي إنتصر في المؤتمر الأول والوحيد للمنظمة، وإعتُبر بمعنى ما ضد تيار لبنان الإشتراكي، وهذا كان نقطة خلاف كبيرة مع وضاح شرارة، الذي كتب حينها نصاً هو كناية عن تحليل ممتاز للواقع العربي واللبناني، لكنهم فيما يختص بالجانب اللبناني، سلقوا المؤتمر بأسبوعين والمطلوب كان عملاً تأسيسياً حقيقياً.

*وأنتم تعيدون بناء تنظيمكم كانت البلاد على أبواب حرب أهلية، كيف تعاملت مع هذا المفصل الجديد من حياة الوطن؟

أول ما قمنا به هو التدرب والتدريب على السلاح، تسلَّحنا وكنت يومها مسؤولاً عسكرياً، لم أقاتل بيدي لأنني كنت في موقع قيادي والمسؤولون كانت تتم حمايتهم ولا ينزلون إلى القتال، لكني ساهمت في تدريب وتأهيل شباب المنظمة، وفي إختيار الكوادر العسكرية بالتنسيق مع شباب فتح والجبهة الديمقراطية، كنت في المنظمة متعدد المسؤوليات، عمالي ومناطقي وعسكري وعلاقات خارجية وصحافة، وبقيت أكتب في “الحرية” حتى سنة 82 حين تحولت المجلة إلى “بيروت المساء”.

*شحذتم الهمم وأعديتم العدة للحرب، تجيييش وخطابات مشحونة وإندفاع تجاه التصعيد على المستويات السياسية والإجتماعية والعمالية، أسقطتم كل المحرمات الجغرافية والسياسية أمام البندقية الفلسطينية، ثم تراجعتم وقررتم أن الحرب لاتناسبكم؟

لم نُعد العدَّة، ومنطقُ الحرب كان قد بدأ يفرض نفسه، لقد بلغت تناقضات الوضع اللبناني ذروتها في ظل قمع سائر الأمور المطلبية، بدءاً من الشراكة الإسلامية المسيحية وصولاً إلى عدم قدرة اللبنانيين على تجاوز الطائفية، ولاحقاً فشل الإصلاحات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية، هكذا إنفجرت الحرب في جوٍّ خُيِّل فيه لليسار أنهم إذا ما هدَّدوا البرجوازية بالسلاح الفلسطيني، فسيُرغمون الكتائب على تقديم إصلاحات، وتبيَّن أن هذا التهديد أدى مفعوله العكسي، فقد إلتفت البرجوازية حول رئاسة الجمهورية، وإنفكَّ الجمهور المسيحي عن كل مطالب التغيير، وإنطوى القسم الاكبر منهم في غريزة دفاع عن النفس حول أنفسهم خوفاً من دخول الآخرين عليهم.

وقد إنتهت هذه المرحلة بالتدخل السوري الذي راح يبني قواه الذاتية، وهذا ما فعله أيضاً بشير الجميل، وحَذت أحزابُ الحركة الوطنية حذوه، لجهة التفكير ببناء كنتون في باقي المناطق على غرار كانتون الجميل، سوى أن هذه المناطق كانت تعتبرها دمشق لها، وحصلت أثناءها تجاوزات المقاومة، وبدأت تتفكك كل التحالفات، وإندلعت الإشتباكات مع حركة أمل، أعقبها صراع أمل مع الفلسطينيين، وكان سبق ذلك قضية جديدة بدأت تفرض نفسها هي الشريط المحتل، ثم دخلنا بعد الإجتياح مرحلة التحضير الجدي لما بعد الحصار، وبالدجة الأولى الإنتقال إلى العمل السري وإطلاق جبهة المقاومة الوطنية، حينها صدر قرار عن الحزب الشيوعي ومنظمة العمل بأن يختبيء جورج حاوي ومحسن إبراهيم معاً ويعدّان العدّة لاعلان اندماج الحزب والمنظمة، وتكليفي أنا وخليل الدبس التنظيم ومواكبة عمل وتجهيز المقاومة، تحمَّلت خلال هذه الفترة مسؤولياتي كاملة بصفتي الشخص الأول في المنظمة، بعد الإنسحاب الإسرائيلي ووقوع حرب الجبل أخذنا موقفاً ضد هذه الحرب بالتحديد، وأصدرنا بياناً أعلنا فيه قرار الخروج من الحرب الأهلية التي إعتبرناها إنتهت وأصبحت إقتتالاً طائفياً وحسب، لكن ما لبثت أحداث صيدا أن خرقت هذا القرار. لكني على المستوى الشخصي كنت قد توصلت إلى نتيجة حاسمة مفادها أنني ساهمت أو بالأحرى أديتُ قسطي في الجانب المتعلق بالمقاومة الوطنية، والحربُ المستمرة هي عمل عسكري ليس لي دور فيه، المنظمة برأيي لم تعد هي نفسها التي ساهمتُ بتأسيسها، ولم أعد أؤمن بالدور الذي تلعبه ولا بالعلاقات التنظيمية السائدة، ولا بعجز المنظمة عن أخذ موقف من الميليشيات، لم أكن أريد القيام بإنشقاق أو الدخول في معركة، فتواطأت مع الايمن العام على ما يشبه الطلاق الديمقراطي وإنسحبت إلى فرنسا نهاية عام 84 لمتابعة دراستي، بعد أن تفرغت للعمل السياسي والحزبي مدة 15 عاماً، صرفتُ سنوات هناك في إعداد الدكتوراه، وتدريجياً إنفكَّت علاقتي مع المنظمة من دون أزمة، أنا تواطأت من جهتي ولم أعلن موقفاً، وهم تواطؤا أيضاً، بقيت الصِلاتُ موجودة وغير موجودة حتى العام 87 ، حيث قرروا فصلي مع مجموعة كبيرة من أعضاء المنظمة.

*أثناء الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 82 طُرح موضوع الوحدة بين الحزب الشيوعي ومنظمة العمل، لماذا لم تنجح المحاولة في ذلك الوقت؟

طُرح هذا الموضوع مرتين ، في المرة الأولى سنة 1980 عندما أعلن الحزب الشيوعي في مؤتمره الإستعداد لأرقى مستويات التنسيق والعمل المشترك، فعقدنا إجتماعاً للجنة المركزية في المنظمة وبادلنا مبادرتهم بما هو أحسن، كنتُ مقتنعاً أن هناك تنظيم له مبرر تاريخي إسمه الحزب الشيوعي، ويوجد تنظيم له مبرر تصحيحي للحزب إسمه منظمة العمل، وعندما عُقد الإجتماع الأول للقيادة المشتركة، أظهر الجانبان برودة تجاه الوحدة، وذلك لصعوبة تصور تحقيق الإندماج بين جسمين مختلفين، وصعوبة إتفاق رأسين أو شخصيتين أساسيتين مثل جورج حاوي ومحسن إبراهيم على من يكون الاول. عندما قررنا عام 82 اللجوء إلى العمل السري توقعا لاحتلال بيروت من قبل قوات الغزو الإسرائيلية، توافقنا في القيادتين على ان يختبيء حاوي وإبراهيم في المكان ذاته، ويوجهان نداء للشيوعيين من اجل الوحدة ثم يعملان على صياغة وثائق الاندماج. لكن قيادة الحزب تصرفت تجاهنا بمنطق أننا جماعة المقاومة فلماذا يلتجؤون إلينا. من جهتها، في المنظمة إنعقد المكتب السياسي، وكانت الآراء منقسمة فيما يتعلّق بموضوع الاندماج مع الحزب. وكان الصوت الراجح للامين العام، اي لمحسن ابراهيم، فرفض استخدامه. لم تفشل الوحدة فحسب، وإنما ما عاد حاوي وإبراهيم يجلسون مع بعضهم أبداً، كلٌ اختبأ في مكان، وتُركت لي ولخليل الدبس مهمة التنسيق بين الحزب والمنظمة، وبمجرد أن إنتهت الحرب، دبَّ خلافٌ شديدٌ بين الرجلين على خلفية رأي جورج بضرورة إستقالة إبراهيم من موقعه، على اعتبار أن الهزيمة لا تحتملُ شيوعياً في منصب أمين عام الحركة الوطنية، والاستعاضة عنه بأمانة عامة ثلاثية من المستقلين، ما إعتبره إبراهيم موقفاً شخصياً منه، وهكذا بدل أن نسير نحو التوحد إنقسمنا. حسم امر الحركة الوطنية على مستوى آخر. التقى وليد جنبلاط ومحسن إبراهيم واعلنا حلّ الحركة الوطنية بكامل مؤسساتها. في محاولة لتدارك الاسوأ بين التنظيمين، شكلنا لجنة مشتركة من الحزب والمنظمة مؤلفة مني ونديم عبد الصمد وخليل الدبس. ولكننا لم ننجح في رأب الصدع.

*خاتمة عملك في منظمة العمل وأسباب مغادرتك هذا التنظيم هل كانت بسبب الحرب نفسها، خصوصاً أنك قلت أن ما دفعك لمغادرة صفوف المنظمة هو موقفك من الحرب؟

كان رأيي أن التجربة الحقيقية لليسار والشيوعيين هي بين عامي 75 و76، أثناء محاولة العبور بلبنان الطوائف إلى لبنان الديمقراطي العلماني الموحد، على حدّ تعبير كمال جنبلاط. وهذه التجربة إنتهت بعد دخول الدبابات السورية، وعقب إغتيال كمال جنبلاط، لقد إنتهى هذا الدور ووقع قتال أهلي، مركز الثقل لم يعد للحركة الوطنية وإنما لبشير الجميل وسوريا، لقد عشتُ سنوات على مضض رغم أني كنت أقوم بكل مهامي ودوري، مسؤوليتي الأساسية أصبحت محصورة في المجلة والعلاقات الخارجية، كنت أسافر كثيراً وكان ذلك يحلُّ بعض المشاكل عملياً، وكانت الكثير من أسفاري نحو اليمن الديمقراطي الذي كنت على صلة قديمة بقيادتها منذ الإستقلال، وكان لي دور فيه الكثير من الإرشاد في هذه التجربة، وقد وثَّقت ذلك بأسلوب ادبي في كتابي “وعود عدن”. لقد تحول العمل السياسي خلال الحرب إلى مسألة مملة، قيادات تبحث بعموميات السياسة، المقاتلون ينتظرون، المشاريع الهميونية للحركة الوطنية لم يقبلها أحد، والإرادة السورية تُطبق على المنطقة أكثر فاكثر. أعادني إلى النشاط الحزبي إجتياح عام 1978 ومن ثم إجتياح 1982.

*لكن ما السبب المباشر الذي دفعك لترك العمل الحزبي نهاية 84؟

عدة أسباب. أولها أن الحرب الفعلية كانت بعد العام 1976 قد انتهت، وأنها في الواقع مشروعٌ مجهضٌ لفرض التغيير، وأن هناك حركة وطنية تُكابر لتبقى على قيد الحياة بعد إغتيال كمال جنبلاط، وقد أصبحت ملحقة عملياً بالمقاومة الفلسطينية. الشيء الوحيد الذي منعني من مغادرة المنظمة وقتها كان عدوان 78 الإسرائيلي وبعده عدوان 82 ، ثم إنطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية التي اسهمت في اطلاقها وقيادة مساهمة مناضلي المنظمة في خطواتها الاولى. وتوصلت في النهاية إلى قناعة بأن المنظمة التي بنيناها تغيَّرت لأسباب موضوعية، ونتيجة لتراكم الخلافات التنظيمية حول البنية والممارسات الداخلية،وتداعيات فشلنا في توحيد الحزبين، إذ كانت العصبية التنظيمية على درجة لا تحتمل.

*تعتبر أن قرارك الأجرأ كان ترك العمل السياسي الذي كان برأيك صعباً ومكلفا، ما هي كلفة الإنتماء إلى حزب بالنسبة لمثقف مثلك

لا زلت أعتبر نفسي مناضلاً وعملي التعليمي هو لتحصيل العيش، أعتزُّ جداً بعلاقتي مع طلابي، وأعتقد أن أي عمل تعليمي فيه رسالة وفائدة. لكن في الفترة الوجيزة التي إشتغلت فيها بالعمل الأكاديمي، لم يكن لدي الوقت لأكون أكاديمياً صرفاً، أي أنني لم أصبح بالدرجة الأولى أستاذاً جامعياً، ففترة ممارستي التعليم لم تتعدَّ العشر سنوات ثم تقاعدتُ إلزامياً، ولم أتصور أصلاً أن هذه التجربة هي كل حياتي. بالعكس واظبت قدر الإستطاعة على النشاط الكتابي في المجال الثقافي والسياسي.

أما لماذا العمل الحزبي صعب ومُكلف، فأنا أتحدث هنا عن إنتماء بالمعنى الكامل وليس إنتساباً، وعن تحمل مسؤولية منذ العام 1970 إلى عام 1985، أي خمسة عشر عاماً من التفرغ الكامل للعمل الحزبي، وكنت قد بدأت بالنتاج الفكري والترجمي قبل ذلك، وكل ما حصَّلته بالدراسة والمطالعة ومساهمة في هذا العالم من إنتاج معارف وغيره، طُوي لصالح نشاط في تنظيم قيد التأسيس واعادة التأسيس الدائمين. الحقيقة أن المكلف في الأمر هو المغادرة، فلم يكن هناك حل إلا أن أكون خارج التنظيم لرغبتي في عدم إحداث أي إنشقاق. ومُكلف أيضاً لأنني إضطررت إلى العودة في الدراسة من البداية، لأني غادرت الدراسة قبل أشهر من إنهاء أطروحة الدكتوراه. ومكلف لأنني إضطررت للإستدانة لأواصل تعليمي، وإتجهت إلى فرنسا لأن التعليم في باريس مجاني، رغم من أن لغتي هي الإنكليزية. ومكلف أيضاً من الناحية النفسية أن ينفصل الإنسان بعد خمسة عشر عاماً عن رفاق وأصدقاء ويعاني من كل ذلك. ومكلف اخيرا ليس آخرا لأن تتكبد عائلته التضحيات بسبب إنشغاله المستمر ومسؤولياته الحزبية.

*ماذا يعني لك الحزب اليوم بعد كل هذه التجربة، وهل لا زلت قادراً على تأطير نفسك في تنظيم حزبي؟

الحزب اليساري ينبغي أن يتغير كثيراً، كما ينبغي على اليسار أن يعيد تأسيس نفسه، وإذا عجز عن تجديد نفسه ستبتلعه مؤسسات الوضع القائم. الشيء الوحيد الذي له معنى هو كيفية البحث في إعادة تفعيل الكل وإستقطاب آلاف الشيوعين. برأيي أن الحزب الطليعي إنتهى، أي الحزب الذي يعتبر نفسه نخبة تملك الحقيقة وتقوم بتوعية شعب جاهل وذاهل عن مصالح، هذا النوع من الحزب انتهي. ينبغي أن نتعلم أكثر وأن نتواضع أكثر، لم يعد يكفي أن يقول الحزب أنه يمثل الطبقة العاملة، لمجرّد انه يدّعي تبني فكر الطبقة العاملة. المطلوب المطابقة بين الإدعاء والصفة التمثيلية الفعلية، الحزب اليساري ليس لديه إلا الناس وهذا زخمه وقوته.

وأعتقد أن الحزب ليس غاية وإنما هو وسيلة، وبالتالي يمكن أن يتأسس حزب ثم ينشق وينشأ حزب ثان وثالث واكثر. ولم يعد يكفي أن نطالب بالديمقراطية. أي أن نكون ضد دكتاتورية الحزب الواحد في سورية او العراق ولكن مع الديكتاتورية ذاتها في الإتحاد السوفياتي.

الأوامرية في الحياة الحزبية لم تؤدِ مرة إلى الفعالية وإنما هي تؤدي إلى البيروقراطية، يصير الناس في ظلّها أدوات كسولة. والمركزية لا توحِّد وإنما هي أسهل طريقة ليتشظى الحزب. وبالتالي لا أجد صعوبة على الإطلاق في أن أكون مناضلا في حزب، بشرط ان يوجد مثل هذا الحزب.

*هل تشعر بخيبة أو ندم فكري نضالي كونك أنت وأبناء حزبك وجيلك ساندتم المقاومة الفسطينية على حساب إستقرار لبنان، أو بالأحرى دعيتم للإصلاح إعتمادا على الهراوات الفلسطينية، وأنت قلت أنك قطعت دراستك وعدت إلى بيروت يوم أُغدقت عليكم البواريد بلا حساب، وهي بواريد لم تُفرِّج مرة همك؟

الجهة الوحيدة التي تظل تلطم نفسها هي اليسار، اليمين يرتكب المجازر ويُدمِّر دون أن يرف له جفن، فيما يبقى اليساريون لسنوات يحاسبون أنفسهم. وهذا ناجم عن أن ثقة اليساريين بأنفسهم ضعيفة.

لست نادماً على دفاعي عن حق المقاومة الفلسطينية في النضال ضد اسرائيل انطلاقا من الاراضي اللبنانية. لو كنت نادما على ذلك لما كان عليّ ان اساهم في تأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية صيف ١٩٨٢ وان اؤيد حق المقاومة الاسلامية الآن في السلاح والمقاومة لاستكمال التحرير الذي تحقق عام ٢٠٠٠.

لا أشعر بالندم على الإطلاق، والندم برأيي مثل المكابرة. لست أقول إن الأمور لو عادت سوف أفعل ما قد فعلت، لكني بالمقابل لا أقول إنني نادم على هذه التجربة. أنا دخلتها بخيارات واعية، وأخذت وقتاً كبيراً لأحسم أمري، وبالتالي الندم غير موجود على هذا النمط من الإلتزام، إرتكبت أخطاء نعم، وأعتقد أن أفضل شيء يمكنني فعله هو أن أنقل هذه التجربة بدروسها والعبر وأضعها في تصرف القارئ، أن اروي كيف كنا نفكر ونرى الي الأمور آنذاك، لا كيف يحلو لي ان اراها الآن من موقع متغيّر وفكر متغيّر.

*ما أبرز هذه الأخطاء؟

تصوُرنا سنة 1975 كان مبنياً على وهمين، وهمُ الحداثة بأن هناك برجوازية ولها أدوات إذا ما قمنا بتخويفها على مصالحها ستلجم اداتها الكتائبية وتتنازل لقضية الإصلاح، اي لتجاوز النظام الطوائفي نحو نظام ديمقراطي علماني. والثاني وجود تصور مشترك لدى كمال جنبلاط وأبو عمار بأن مصر السادات والسعودية تدعمان الحركة الوطنية وأن أميركا وسوريا لن تتفقان في لبنان، وقد تبين خطأ الحسابين. فمصر باعت ابو عمار وجنبلاط للمصالحة مع سورية برعاية السعودية. وأميركا رعت دخول الجيش السوري إلى لبنان لضبط المقاومة والحركة الوطنية. الدرس الاول للجميع هو ان الإتكال على القوى الخارجية ينتهي بالخسارة دائماً. والدرس الثاني انه لا يمكن فرض أي أمر على أي شعب، حتى لو كان الذي يسعي لفرض ذلك يظن انه في مصلحة ذلك الشعب. ليتركوا الناس تختار بشكل حر وديمقراطي وإن كان خياراً خاطئاً وليدفعوا هم ثمنه.

*إبتعدت لفترة عن السياسة وتفرغت أكثر للثقافي والأكاديمي، وعدنا نقرأ من جديد مقالات في السياسة على الصفحات الأولى في صحيفة “السفير“، ومن اليمن وكوبا إنصب إهتمامك على السياسة المحلية، هل هناك صعوبة في الإنفضاض عن السياسة؟

لست سياسيا، باي معنى من المعاني المتداولة. وإن كنت ادرّس السياسة والعلاقات الدولية. أنا لم أبتعد عن الحد الأدنى من القول والنشاط في السياسة، وقد راكمت في فرنسا ملاحظات ودراسات على مدى عشر سنوات، وقد عدتُ وفي ذهني أن نشرها هو الأولوية في نشاطاتي. وقد نجحتُ في نشر قسم كبير منها، وهي متنوعة من ثقافية وسياسية وإقتصادية وإجتماعية وأنتروبولوجية. ووراء ذلك فكرة أساسية هي التعبير عن هذه التجربة الإنسانية بأشكال متعددة. عبّرت بواسطة الفن في كتابي عن بيكاسو وجداريته «غيرنيكا» في كتابي “غرنيكا -بيروت”. ودوّنت يوميات حصار بيروت عام ١٩٨٢ بعنوان «عن امل لا شفاء منه ». وتابعت حكاية لبنان بين حربين أهليتين ١٨٥٨-١٩٧٥ كما رواها الرحابنة وفيروز في مسرحياتهم الغنائية في كتابي «الرحابنة وفيروز: مسرح الكنز والغريب والاعجوبة ». وتناولت الاديولوجية السائدة في دراستي النقدية عن فكر ميشال شيحا في «صلات بلا وصل » وتوّجت ذلك في الانتقال الى التاريخ. بكتابة «تاريخ لبنان الحديث. من الامارة الى اتفاق الطائف ». طلتي عبر “السفير” تسمح لي بالتواصل مع القراء على مستوى الكتابة الاسبوعية. أواكب بواسطتها قدر ما إستطعت الأحداث الرئيسية، وأعلِّق عليها وهذا أقل شيء إذا كنت لا أريد أن أكتفي بإنتاج الكتب، كذلك أنا لست أرفض أي دعوة للحضور التلفزيوني، إقتناعاً مني بأنها وسيلة تعبير تصل إلى الآلاف ولا يجوز تفويتها، إذا كنت لا أزال بمعنى ما مثقفاً عاماً يتوجه للناس.

*تعتبر أن الثقافة هي مهنة وتتهم المثقفين بأنهم الأكثر حباً للمال، وتقسمهم إلى ثلاث فئات موالين ووسطيين ومعارضين، أين أنت من هذه الفئات الثلاث، وما هي الفئة الغالبة التي ينتمي إليها المثقفون اللبنانيون برأيك؟

اولا لست اقول ان المثقفين هم هذا التصنيف هو رد على بعض المثقفين الذين يعتبرون أنفسهم نخبويين ومتعالين على الآخرين، سمحت لأحدهم الظروف أن يتعلم فأصبح يعتبر نفسه انموذجا للوعي والضمير. المثقف لا يتطابق مع هذه المواصفات، المثقف ينتمي إلى شريحة إجتماعية فيها كل شيء وتؤدي أدواراً مختلفة ومعظمها يدافع عما هو قائم، قسمٌ كبير من مثقفينا العرب اليوم هم نتاج الوضع الريعي النفطي ومبررين له، ويمكن في فترة أن يكون للإنتلجنسيا إتجاه سياسي فكري أو آخر، ففي الأربعينيات وحتى السبيعنيات كانت يغلب على الثقافة العربية اليسار والقوميين. اليوم إنقلبت الأمور ونموذج المثقف تغيَّر، المثقف كان أستاذ مدرسة في القرية يشتبكُ مع العلاقات التقليدية وينتمي إلى البعث أو الشيوعي او السوري القومي. اليوم المثقف هو الإعلامي والعامل في مراكز الابحاث. والطلب على الالاف المؤلفة من هؤلاء يتزايد مع تزايد الاستثمار الريعي النفطي في الاعلام والابحاث.

وعندما أقول بوجود ثلاث فئات من المثقفين، أعتقد بوجود فئة رئيسية وظيفتها من خلال الإعلام ومن خلال الكتابة، وفئة المبررين هذه تزداد توسعا مع نمو الاقتصاديات النفطية، فيما فئة المعارضين الذين يدفعون ثمن عدم الكتابة في هذا النوع من الصحف أو التلفزيون تتقلّص، وبالتالي فقد تقلَّص المثقف المعارض وتضخم المثقف المبرراتي وبينهما فئة لا بأس بحجمها من الوسطيين، الذين يريدون ترشيد الحاكم وترشيد الشعب في الوقت ذاته. وهم اقرب الى منطق التكنوقراط.

أعتقد أن اليسار والمعارضين خسروا المعركة الثقافية لصالح النفط لأننا نعيش في عالم عربي سيطر فيه الريع النفطي على وسائل الإعلام والأبحاث، والأزمة في هذا النمط من السيطرة النفطية أنه يشتري أفكاراً وليس قوة العمل فقط.

*هل بإمكانك أن تعطيني أسماء مثقفين لبنانيين كان لهم إنتقالات وتقلبات لافتة؟

لا حاجة لذكر الاسماء. عدد كبير من المثقفين اللبنانيين أصبحوا في موقع هو غير الموقع الذي من خلاله دخلوا الى الحياة الثقافية والعامة. هذه ظاهرة لا تحتاج إلى تسميات. وهي هذا التحول لقسم كبير من الأنتلجنسيا من موقع المعارضة إلى موقع التبرير للسلطات القائمة أو المحافظة او النيوليبرالية تحول سوسيولوجي. وفي نظرة سريعة الى الصحف، يمكن بسهولة فرز المثقفين وإصطفافاتهم.

*قلت أنك تنتمي إلى اليسار بالجملة لكنك لست منضوياً في أي تنظيم، هل لا زلت يسارياً حتى اليوم وقلت إنهم خسروا في الحرب ويخسرون في السلم؟

أنا ماركسي، استلهم في المنهج والنظرية والمنهج كامل التراث المنسوب الى ماركس وانغلز بإجتهاداته ومنوعاته المختلفة وأفيد في الوقت ذاته من روافد رفدت اليه من نظريات ومدارس اخرى. وأنا يساري من حيث الممارسة العملية. بمعنى اني اؤمن ان اللامساواة والتفاوت الاجتماعي والطبقي ليسا قدرا مقدرا ولا هما مشيئة الهية ولا طبيعة بشرية. وانما هما نتاج استغلال الانسان للانسان. وان هذا الاستغلال يمكن ان يزول.

تشخيصُ حالة اليسار في لبنان موضوعٌ طويل. أعتقد أن اليسار لم يعرف كيف يبدأ من منطلق أنه خاسر، منذ العام 1990 إبتُلي اليسار بنظرية أن عليه التمثل في البرلمان وعلق في هذه الورطة، أقنع نفسه انه في صف المنتصرين في الحرب وله بالتالي حصة في النظام الجديد. وأن اليسار اللبناني أمام تحدي ذهاب الإتحاد السوفياتي الذي كان التعاقد الأصلي معه، فيما هو بحاجة اليوم إلى تعاقد جديد، وهذا لم يحصل وبقي اليسار يجرجر نفسه وكأنه لا إشكال في التعاقد، علماً أن الإشكال موجود، يتصرف في بلد هو قيد إعادة تأسيس ويحتاج إلى إعمار فيما اليسار يعتقد أنه ليس بحاجة إلى ذلك وإنما إلى أكثر.

وبرأيي إذا ما بقي اليسار يُغلِّب السياسة اليومية على المهمات التأسيسية فسيبقى أرضاً للإستيعاب كما هو الآن، أنا متفائل لأن هناك جمهور لبناني متزايد لم يعد يتعرف على نفسه لا في 8 ولا في 14 آذار، واليساريون الذين ذهبوا نحو 14 آذار كنت سأحييهم لو مثَّلوا في موقعم الجديد اليسار الحقيقي، لا بل هم زايدوا على خط 14 آذار، والذين أرادوا من المقاومة الإلتحاق بالمعارضة يتصرفون بنفس الطريقة، وبالتالي فوظيفة اليسار فُُقدت في الحالتين، ومهمته الآن أولاً أن يُعلن هويته وتمايزه ورؤياه المستقلة.

*هل أنت راض عن مسارك وتجاربك بالمعنى الإنساني والوجداني؟ إذا ما عدت إلى الوراء ما الذي تفعله وما الذي تندم على أنك فعلته؟

لا يمكن لأحد ان يكون راضيا كليا على اي شيء يفعله. ولكن ضميري مرتاح.

أنني أشعر بمسؤولية كبرى لأني اسهمت في إرسال شباب وصبايا ليقاتلوا ويموتوا. أنا مسؤول، ولكن لا، لست نادماً. أضعُ نفسي بين عدد من الناس الذين يتحملون مسؤولية قرارات هذه الحرب. عدا عن ذلك ندمت لأنني لم أستمع إلى زوجتي وأترك العمل الحزبي عام ١٩٧٧. لأني بقيتُ في تنظيم أنا أقلية فيه، أعارض خط الاكثرية وأختلف مع ساذر القيادة على عدد جوهري من الامور بما فيها دور المنظمة في الحركة الوطنية. ولكني كنتُ أتهرب من إتخاذ قرار المغادرة. ولو غادرت باكراً وتفرغت أكثر للكتابة لكنت أفدت قضيتي ووطني اكثر بكثير من بقائي. لأن السنوات الاخيرة من الحرب والعمل الحزبي كانت فترة من البطالة والكسل الذهني والعنف العبثي.

المواضيع
سياسة
البلدان
الجزائر العالم العربي العراق اليمن سوريا فلسطين لبنان مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
البعثية الحزب الشيوعي السياسة اللبنانية السيرة السياسية القومية العربية الماركسية سياسات اليسار لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.