العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

ما بين اليمن والسودان - لا يظهر دوماً للعيان 

حاكمان بانقلاب، تحالفا مع الإسلامويين ثم انقلبا عليهم، واستدعيا «القاعدة» — كل ما يجمعهما هدف واحد: البقاء في السلطة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

ما بين اليمن والسودان

لا يظهر دوماً للعيان

فوّاز طرابلسي

المقارنة بين اليمن والسودان اكثر من مغرية. خصوصا وان الاخير على ابواب انتخابات في الحادي عشر من الشهر الجاري.

جاء حاكما البلدين الى السلطة بواسطة انقلاب عسكري. تعاون عمر حسن البشير وعلي عبد الله صالح مع حركات قبائلية واسلاموية ساعدته على قمع المعارضة القومية واليسارية. تلخّص همّ الشيخ حسن الترابي رئيس «جبهة الميثاق الاسلامية » باستكمال تطبيق الشريعة الذي باشره جعفر النميري العام١٩٨٣. اما الشيخ عبد المجيد الزنداني، احد قادة «التجمع اليمني للاصلاح »، فقد ركّز على تنمية التربية الوهابية المتشددة، مع انه مجتهد زيدي، في مئات من المعاهد الدينية نشرها، بالمال السعودي، في مختلف انحاء البلاد. هكذا أسس الاول لتجدد إنفجار الحرب في الجنوب السوداني. واسس الثاني لاندلاع اللحرب مع الحركة الحوثية في صعدة.

لم يكتفِ الحاكم في البلدين بالشراكة مع تنظيمه الاسلاموي. استدعى تنظيم «القاعدة» الى عقر داره. استضاف البشير اسامة بن لادن لفترة قبل ان صدّره للخارج بعد ضربة جوية اميركية على مصنع للادوية في جنوب الخرطوم عام ١٩٨٩. واستدعى علي عبدالله صالح بدعوة الوف الجهاديين من العرب «الافغان» شكلوا وقود الحرب التي شنّها على جنوب البلاد عام ١٩٩٤. وهؤلاء، الذين تعترف اوساط النظام نفسها بأن عددهم لا يتجاوز الثلاثمئة عنصر، يؤدون الآن ادوارا شتى في استدارار الدعم الاميركي وإبتزار الاموال السعودية والخليجية وطمس المشكلات الداخلية.

لم تدم الشراكة مع الاسلاميين. عام ١٩٩٩، انقلب البشير على الترابي وعزله عن رئاسة مجلس النواب المنتخب وحلّ المجلس! إعتقِل الترابي بعد ان وقع في المحظور: وقّع اتفاقا مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان »، ابرز الحركات المسلحة في الجنوب. من جهته، نجح علي عبدالله صالح في تحجيم «التجمع اليمني للاصلاح» حتى بعد ان انتقل هذا الى صف المعارضة واستمال الشيخ الزنداني الذي دعمه في معركته ضد الحوثيين و«الحراك الجنوبي ». العلاقة الملتبسة ذاتها تربط الترابي البشير إذ انفرد الزعيم الاسلاموي في تأييد اجراء الانتخابات في موعدها، فيما قاطعتها كل قوى المعارضة. ولم يجد الترابي اي تعارض بين هذا الموقف وبين تصريحه في اليوم ذاته بأن السودان كفاه عقدين من «الدكتاتورية».

في السودان واليمن «مسألة جنوبية»، مع فروق كبيرة بين الحالتين. المهم انه كان للحاكمين دور لا يستهان به في تأجيج هذه وتلك. البشير من خلال محاولات فرض الشريعة على الجنوب ذي الغالبية المسيحية والحيوية. وعلي عبدالله صالح من خلال التصرّف كمنتصر في حرب ١٩٩٤ ضد الجنوب. تفاقم الاستقطاب، وتغذّت النزعات الانفصالية من ضعف القوى السياسية العابرة للمناطق والطوائف في الحالتين: الحزب الشيوعي السوداني والحزب الاشتراكي اليمني.

لعب نفط «الجنوب» دورا مهما في جدل الوحدة والانفصال في البلدين. اسهم إكتشاف النفط في المنطقة المشتركة بين شطري اليمن في تسريع العملية الوحدوية عام ١٩٩٠. وهو الآن ليس عاملا قليل الاهمية في التشجيع على النزعة الانفصالية الجنوبية بحجة القدرة على الاكتفاء الذاتي. هل يستطيع نفط الجنوب السوداني ان يكون عنصر توحيد، وتغليب للمصلحة الاقتصادية على الرغبة في الانفراد بتطبيق الشريعة شمالا وفي الانفصال جنوبا؟ علما ان لنفط الجنوب يشكل ٨٠٪ من العائدات النفطية الاجمالية للسودان.

لجأ الحاكمان معا الى احياء القبائلية بعواقب وخيمة. في ولاية دارفور، استخدمت الخرطوم سلاح القبائلية لاضعاف نفوذ حزب الامة بزعامة الصادق المهدي، رئيس الوزراء الذي خلعه انقلاب البشير. أسهم ذلك في اطلاق نزاع دموي مأسوي لا يزال يفتك بالاقليم بمبادرة ميليشيات الجنجويد المدعومة من السلطة، ما استحق للرئيس البشير تهمة «مجرم حرب» وملاحقته دوليا.

في الجنوب اليمني، عيّنت صنعاء مشايخ القبائل اوصياء على المواطنين وأسمت القبائل وحدات تمثيلية سياسية واجتماعية. كذلك اعاد الرئيس صالح الاعتبار للمشايخ والامراء والسلاطين الذين حكموا المناطق الجنوبية ايام الانكليز. إرتدّ عدد وفير منهم عليه بين داعم لتنظيم «القاعدة» وبين داعية انفصالي يطالب بالعودة الى «الجنوب العربي »»، الاسم الذي كان للمحافظات الجنوبية زمن الاستعمار البريطاني.

هي قصة حاكمين يسعى كل على طريقته، بوسائل متشابهة في كثير من الاحيان، لغرض يزداد وحدانية: البقاء في السلطة.

كلاهما يحرّض على «الغرب» وهو يعرف تماما ان شرعيته مستمدة من ذاك «الغرب». ها هو البشير يعلن ان «الغرب» يحاول تركيع السودان. فيما زعمية هذا «الغرب» الادارة الاميركية هي الطرف الوحيد الذي هبّ لنجدته لعقد الانتخابات في موعدها فيما يعلن مبعوثها الخاص ثقته بأنها سوف تكون حرة ونزيهة «قدر الامكان». هذا في وقت اعلنت فيه كافة القوى المعارضة -باستثناء حزب الترابي- مقاطعتها الانتخابات بعد ان فشلت في تأجيلها لاربعة اسابيع للتحقيق في اتهامات التلاعب الموجهة للسلطة. وها هو مرشح الجنوب في الانتخابات الرئاسية ينسحب من المعركة معلنا ان الانتخابات َ«استعراض لشخص واحد هدفه حماية هذا الشخص من المحكمة الجنائية الدولية».

لهذه الحالة تسمية أدبية هي:«الملك عاريا»!

الخاتمة بما ليس مشتركا بين البلدين.

آخر اخبار «سلام» صعدة تفيد ان عمال الاغاثة الدوليين قد غادروا المنطقة بعد اداء واجبهم. من لم يغادر هم ٣٥٠ الف لاجيء لم يعد معظمهم الى بيوتهم وقراهم لأن «الطيران السعودي قد دمّرها وخرّبها». والقول لنائب في البرلمان اليمني بعد زيارته للمناطق المنكوبة. من يهتمّ؟

عام ٢٠٠٥، وقّع الرئيس عمر حسن البشير اتفاق سلام مع «الحركة الشعبية لتجرير جنوب السودان» تولى بموجبها زعيم الحركة جون قرنق منصب نائب رئيس الجمهورية واعطيت المحافظات الجنوبية صلاحيات حكم ذاتي واسعة. ويجري الآن تحضير شروط الاستفتاء عام ٢٠١١ في طل اعلان البشير انه سوف يقبل بنتائجه ولو ادت الى انفصال الجنوب. لم يحن الوقت بعد لجردة حساب حول احتمالات القبول بالفيدرالية الواسعة او الانفصال. وتوزيع المسؤوليات بين المركز والجنوب.

لكن يحين سؤال: كم سنة، وكم حرب وكم نهر من الدم، يحتاج الامر ليتعرف الرئيس علي عبدالله صالح والسلطة في صنعاء بالمسألة الجنوبية فيوافق على اجراء استفتاء لاستطلاع رأي سكان المحافظات الجنوبية في نمط النظام السياسي الذي يريدون ان يعيشوا في ظلّه؟

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
اليمن
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الإسلاموية الديمقراطية السودان الشؤون العسكرية اليمن

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.