العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

مارغريت ثاتشر - الارث والجنازة 

«سارقة حليب الأطفال» خصخصت كل شيء — حتى جنازتها اقترح كن لوتش خصخصتها، انسجاماً مع إرثها.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

مارغريت ثاتشر

الارث والجنازة

فواز طرابلسي

في اليوم الذي يجري فيه تشييع رئيسة الوزراء البريطانية الاسبق مارغريت ثاتشر الى مثواها الاخير في جنازة رسمية، لا تزال بريطانا منقسمة حول هذه المرأة وسياسياتها والاثار العميقة التي تركتها في المجتمع البريطاني. وليس الانقسامات باقل اثرا على سائر العالم لأن ثاتشر شكلت الثنائي المعروف مع الرئيس الاميركي رونالد الذي نظم الارتداد على سياسات «دولة الرعاية» وما اتفقها من سياسات في سائر انحاء العالم خلال عقود التحرر من الاستعمار والتنمية المسيّرة بالدولة والقطاع العام وفق مباديء العدالة الاجتماعية.

المرأة التي يودعها اليوم قسم من البريطانيين، ومعهم الفا مدعو رسمي يبرز بينهم كبار اغنياء العالم وحكام النفط والغاز العرب، بدأت حياتها السياسية بما هي وزيرة تعليم بالغاء ليتر الحليب اليومي الذي كانت الحكومات البريطانية توزعه مجانا على تلامذة بريطانيا. فعرفت بـ«سارقة حليب الاطفال».

قادت حزب المحافظين من العام ١٩٧٥ الى العام ١٩٩٠. وتولت رئاسة الوزراء بين ١٩٧٩ و١٩٩٠. شهد عهدها احداثا سياسية حاسمة شملت الحرب التي شنّتها على الارجنتين حول جزر فولكلاند، وقسوة القمع في إرلندا الشمالية، وصولا الى شراكتها مع الرئيسين الاميركيين رونالد ريغان ثم جورج بوش الاب في هندسة العوامل الخارجية التي ادت الى انهيار الكتلة السوفياتية. ومما يذكر عنها حفلة شاي مع دكتاتور تشيلي السابق اوغوستو بينوشيه، عندما كان لاجئا في لندن، واتهامها المناضل الجنوب افريقي نلسون مانديلا بانه «مجرم».

اختتم عهدها مع اعلان «توافق واشنطن» الذي كرّس ما سمّي حينها بـ«الاصولية الليبرالية» ونسميه الآن «النيوليرالية». وقد دشنته ثاتشر هي والرئيس ريغان الاميركي تحت شعار الدولة هي العدو لأنها تتدخل في الاقتصاد. اللهم الا اذا كان تدخلها الدور في خدمة الاثرياء.

في عهدها كان الارتداد على توصيات جون ماينارد كينز، داعية تدخل الدولة في الاقتصاد الرأسمالي لقطع دابر الازمات الدورية، والانحياز الى طروحات خصمه عالم الاقتصاد الليبرالي المتطرف فريدريش فون هايك (١٨٩٩-١٩٩٢). طرح فون هايك فكرته ببساطة: ان الرأسمالية وتدخل الدولة في الاقتصاد خطان لا يلتقان. هاجم العدالة الاجتماعية بما هي «وهم». واعلن عداءه لمبدأ المساواة باسم مبدأ الحرية. ووضع الثاني في مواجهة الاول. ودعا الى اطلاق آليات السوق على رُسُلِها وآمن باقتصاد عالمي على شاكلة «كازينو دولي» يوزع الارباح بواسطة «اليد الخفية» اياها التي تحدث عنها آدم سميث.

ومفهوم ان رفض اي دور للدولة في الاقتصاد هو الوجه الآخر لدورها في دعم مصالح الرأسمالية والقلة الثرية. يرمز الى ذلك صورة شهيرة لمارغريت ثاتشر وهي ترفع شعارا يقول «دعوا الاثرياء يزدادون ثراء». تنفيذا لهذا المبدأ، اقدمت على اوسع عملية خصخصة قامت بها دولة اوروبية الى الآن. أعادت الى القطاع الخاص صناعات الصلب والسيارات والطائرات والنفط والغاز والاتصالات والمواصلات (سكك الحديد) التي أممتها الحكومات العمالية بعيد الحرب العالمية الثانية. وخفضت حكومات ثاتشر الانفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية، وقلّصت تقديمات الضمانات الاجتماعية والصحية، وشجعت على خصخصة الصحة. ورفعت الضرائب على ذوي الدخل المحدود وخفضتها على ذوي المداخيل المرتفعة. وفي العام ١٩٨٤، تصدّت لاكبر واطول، وربما آخر، اضراب عمالي واسع النطاق في اوروبا كلها، عندما كسرت اضراب عمال المناجم بقسوة شديدة. وفي عهدها اقفلت مصانع كثيرة وارتفعت نسبة البطالة ومعها قياس التفاوت الاجتماعي والفوارق الطبقية. وعرفت ثاتشر ايضا بحربها الشرسة ضد النقابات العمالية، إذ عملت على إضعاف «مجلس النقابات» الاتحاد النقابي القوي الذي يمثل اكثرية عمال بريطانيا. وإستصدرت قوانين تسمح للعمال بعدم الانضمام للنقابات.

وفوق ذلك كله، فالمرأة التي سميت «المرأة الحديدية» – ونسبوا الى حديديتها تجديد قوة بريطانيا وموقعها في العالم – لم يعرف عنها انها كانت نصيرة حقوق المرأة او من دعاة تحررها!

إنقسم البريطانيون ازاء موتها مثلما انقسموا خلال حياتها. بل اكثر. فلم يوافق اكثر من ربعهم (٢٥٪ ) على تمويل جنازتها على حساب دافعي الضرائب. وقد قدرت كلفتها على الخزينة البريطانية بما يزيد عن ١٠ ملايين جنيه. حتى ان الصحافة الساخرة اشاعات ان دولة قطر عرضت تمويل الجنازة شرط نقلها الى الدوحة!

دعا اشهر سينمائيي بريطانيا، المخرج اليساري كن لوتش، الى خصخصة الجنازة، على اعتبار انها اكثر انسجاما مع افكار المرأة وممارساتها. وايده كثيرون. اضاف لوتش تحذيره من الارث الذي تركته المرأة: ترويج بل تقديس قيم الانانية والجشع.

كأن لوتش يذكّرنا جميعا بأن هذا الارث مستمر، رغم سجلات الفشل الذريع، في النيوليرالية التي لا تزال المؤسسات الدولية تحاول فرضها على العالم بعناد مدهش.

للذين لا يصدقون: إنتظروا نتائج مفاوضات حكومات «الرأسمالية المؤمنة» في مصر وتونس حول قروض صندوق النقد. وأحكموا بأنفسكم.

المواضيع
علاقات دولية
البلدان
مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الاقتصاد السياسي التاريخ الأوروبي الرأسمالية النيوليبرالية حقوق العمّال

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.