العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

ليسقط الطاغية

انتهت المسخرة — المجرم ارتدى زي المهرج وخُمس شعبه تحت خط الفقر. ننتصر أو نموت — والشعوب لا تموت.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

ليسقط الطاغية

فواز طرابلسي

انتهت المسخرة. وآن الاوان ليغادر الممثل المسرح. وليخلع آخر اثوابه. ثوب العار.

مثّل الادوار كلها. وتزيا بكل الازياء.وكان التزيي عنده احد الوسائل اللافتة في لعبته السياسية. مارس تعدد الازياء والغرابة استعراضيته تعبيرا عن نفس رهابية نرجسية مريضة، ومثل بواسطة الازياء تعدد الشخصياته والمقالب. في الاحوال العادية، كانت ادواره ومقالبه تخدم تحييده عن المسؤولية والمحاسبة. تسمعه او تشاهده او تقرأ له فتقول: لا حاجة لأن تؤخذ كلماته ومواقفه وافعاله على محمل الجدّ.

والآن، ارتدى المجرم زي المهرج. فلم ييقَ له غير ان يغادر المسرح.

خلال ٤٢ عاما، سجن معمر القذافي شعبه فيما سمّي «جماهيرية». وبحجة الجماهيرية، منع الاحزاب وسخّر الاعلام لعرض تهريجاته. بدد كل مراكز قوى وقرار واجتماع، وقضى على كل مرجعية الا مرجعيته، واغتال كل المؤسسات، ثم توارى خلف اضحوكة اسمها «اللجان الشعبية » و «المكاتب الشعبية » و «المؤتمرات الشعبية » ليحكم منفردا بالاعتماد على المخابرات و «اللجان الثورية » بلا رقيب ولا حسيب. هو حاكم كاسح الحضور في خفائه: بلا لقب. ولا منصب رسمي.

َ فَلكِيّ الهدر. كان المالك الاوحد لثروة بلاده النفطية وباني اقتصاد حرمان ريعي، بإسم مسخرة اسماها «اشتراكية» لم تنتج الا البطالة والفقر. بدد اموالا لا تحصى على مغامراته المجنونة فيما الخِمس من شعبه لا يزال يعيش تحت خط الفقر وبطالة الشباب تستشري. على طريقة احمدي نجاد، اخذ يوزع عائدات النفط على الليبيين، فردا فردا. بلا طائل. عاش عيشة ملوك واسرته. يتنقل في خيامه الفخمة الوثيرة المكيّفة، ويعتلي النوق في الزيارات الرسمية، تصاحبه فرق حرسه النسوي، وهذا قبل ان يقرر ان يخترع سيارة، تمثلا بهتلر، كلفة النموذج منها مليونا يورو. وخلال دعواته المتكررة الى روما، كان الديوث البرلوسكوني يجمع له مئات الصبايا الايطاليات من لابسات الميني جوب يدعوهن «العقيد» الى الاسلام ويوزع عليهن نسخا من القرآن الكريم بالايطالية. أهان العمال الوافدين من عرب واجانب، وهجرّهم جماعيا على هوى امزجته الانتقامية، بمن فيهم الفلسطينيين، واستقدم المرتزقة الافارقة.

لم يترك حربا اهلية الا وخوّض في دمائها، من ايرلنده ولبنان الى التشاد وسائر افريقيا. مارس الارهاب الداخلي والدولي. وسلّط اجهزته لاغتيال معارضي نظامه عبر العالم. ودعم من حركات الارهاب ما لا يعد ولا يحصى.

فلَكيّ الهَذْر، سجن شعبه عقليا في مصح سمّي «النظرية العالمية الثالثة » يبسطها كتيّب هو الذروة في ابتذال الادعاء «التربوي» للاحزاب العقائدية في سعيها «توعية» شعب يجري تعريفه بأنه مصاب بالآفة الثلاثية «فقر، جهل، مرض ». لم يكتفِ بخشبية لغة مؤَلفه، صبّ كلماته في الاسمنت. وها هو الشباب الليبي الثائر يعبّر عن رأيه الفعلي في آراء « العقيد » وهو يحطّم الالواح الاسمنتية التي خطّت عليها «حكمه» الخضراء التافهة.

اخيرا، استسلم نادما امام الولايات المتحدة، بعد ان خاف على نفسه ونظامه على اثر سقوط نظام صدام حسين. خضع لكافة شروط الاستسلام ومنها تفكيك منشآته النووية والكيماوية والجرثومية التي كلفت الترليارات. ومن آخر مهازله اعلان نفسه ملكا على ملوك افريقيا… بالرشوة. وطالب هذا «الوحدوي» الامم المتحدة بتقسيم… سويسرا لأن القضاء السويسري تجرأ على اصدار عقوبة على ابنه هنيبعل لضربه عامل مغربي في خدمته. وإن ننسَ لن ننسى انه دافع بشراسة عن بن علي ومبارك وهاجم شعبيهما.

ارتد الى خط الدفاع الاخير للانظمة التي على شاكلة نظامه. فاعاد تعريف الليبيين بما هم ابناء قبائل ومناطق. وأعاد الاعتبار لنظام الرهائن والعقوبات الجمعية. هدد الليبيين، عشية ١٧ فبراير، بمعاقبة قبائلهم اذا هم تحركوا في يوم الغضب. تحداه شعبه عندما خرجت جموع منه في انتفاضة فجائية في شوارع المدن والبلدات والقرى والواحات. نفّذ تهديده. اقتصّ قذاف الدم جماعيا من شعبه. امر باطلاق النار علي المتظاهرين وقتل المئات، وقصف مدنه والمدنيين بالطائرات السمتية والمقاتلة. وعلى اشلاء مئات الجثث، أطل المهرّج المجرم، في آخر الاثنين الدامي، في مشهد كارتكاتوري ممسرح من داخل سيارة، حاملا مظلة، ليقول «انا هنا »! «انا هو من يقتلكم »!

وفي نهاية يوم آخر من القتل والمجازر، ادلى بخطبة عجّت بالهذيان الدموي وجنون العظمة والاستنجاد بكل مجازر البشرية المعاصرة لتبرير جرائمه. وفي تلذذ مقيت بالعنف، اخذ يحرّض القبائل بعضها على بعض. وفي الوقت ذاته الذي فضح فيه فقدانه السيطرة على القسم الاكبر من الاراضي الليبية، اعلن انه لم يصدر الامر بعد باطلاق النار وتوعد شعبه بالحرائق. وبحجة ان الحكم هو بيد «الشعب»، تبرأ من اية مسؤولية عن ٤٢ سنة من الاستبداد والهدر والقهر، محملا «الشعب» المسؤولية عن كل الاخطأ، مذكّراً، مثلا، بأن «الشعب» هو من اصرّ على التخلي عن تسلّم عائدات النفط وقرر تسليمها الى «الدولة» – اي اليه شخصيا!. ومع ذلك، فلم يتردد في تحميل «الشعب» المسـؤولية عن سوء توزيع الثروة النفطية. كرر متلعثما ما ورد في خطاب ابنه من «مخاطبة الكنّة لتسمع الجارة» مذكّرا اوروبا واميركا بالوظيفتين الرئيسيتين لنظامه في خدمة المصالح الاقتصادية والستراتيجية الغربية: الحفاظ على النفط ودرء الخطر الاصولي. وتحدث حديث عن دستور جديد وشدد على توسيع صلاحيات الحكم المحلي بما في ذلك منح القبائل الحق في الحكم الذاتي.

يجب ان تكون خطبة مساء الثلثاء هي خطبة الوداع لمعمر القذافي.

يجب منع هذا الرجل من ان يستمر في الحكم يوما واحدا.

ان ازاحة هذا المهرج المجرم ومحاكمته واسرته واركان نظامه، امام القضاء الليبي ولا قضاء سواه، لم يعد ضرورة سياسية واجتماعية واقتصادية ووطنية بل وقومية وانسانية وحسب. انه الآن تنفيذا لواجب اخلاقي.

والمؤكد ان شعب ليبيا سيبقى امينا لوصية بطله عمر المختار:

نحن شعب لا نستسلم. ننتصر او نموت.

والشعوب لا تموت.

المواضيع
سياسة
البلدان
فلسطين لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الثورة الديمقراطية الربيع العربي ليبيا

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.