العودة إلى المحاضرات والمقابلات
محاضرات ومقابلات محاضرات ومؤتمرات

كلمة فواز طرابلسي في تشييع الفقيد سليمان تقي الدين

لم يكفّ عن النضال في حياته ولم يكفّ عن النضال في موته — وأناقته تتلبّس جسداً من مادة الأحلام ومعدن الإرادة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

كلمة فواز طرابلسي في تشييع الفقيد سليمان تقي الدين، بعقلين في ٢٤ نيسان ٢٠٠٥

فاتني فرصة ان اسهم في تكريمك وجاهيا، وها انا مدعوٌ لاكرّمك بإسم رفاقك وانت في طريق الغياب.

منذ ٤٥ سنة. لفتنا الطالبُ الثانوي بحدة الذكاء والمبادهة وبهندام الِكبار: سترة وربطة عنق، ونحن، شباب وصبايا منظمة العمل الشيوعي في لبنان، في اوج الاستهتار بالتراتب والتقاليد والهندام. والاغرب ان اناقة سليمان تقي الدين لم تكن تنمّ إلا عن خفر واحترام للنفس وذوق وتطلّب للجمال والأناقة في الكسم والقول. وسوف نكتشف انها أناقة تتلبّس جسدًا هو من مادة الاحلام ومعدن الإرادة الجامحة.

منذ ذلك الحين، ما غادرتَ ميدان.

حاضر في معارك المزارعين، في «لجنة المناطق»، عندك في بعقلين حيث علّمتنا شرب المتّي،

حاضر في «اللجان العمالية» تنظّم الاضرابات في معامل الجبل،

حاضر في معارك «لجان العمل الطلابية»، والتظاهرات الطيّارة على مدى سنين، حاضر في نشاطات دعم المقاومة الفلسطينة،

حاضر لتحمّل المسؤولية عند انتخابك، وانت الاصغر سنّا، في الهيئات القيادية لمنظة العمل الشيوعي.

حاضر بما انت الكاتب في مجلة «الحرية» وفي «بيروت المساء».

حاضر متعدد الحضور والافعال، لما لاحت امكانية المغامرة الكبرى، مغامرة الانتقال من لبنان الطائفي الى لبنان الديمقراطي العلماني. وبعد ان هرستها الدبابات وأغرقها دماء ودمار ودماء التحارب الاهلي، ما غادرت ميدان. متعددَ الحضور في كل مبادرة حوار وفعل ونضال من اجل تجاوز النظام الطائفي ومن اجل اعادة تكوين وطن يليق بأهله واحلام شبابه.

وما غادرت ميدان في مواجهة الاعتداءات الاسرائيلية وتنظيم الاشكال المختلفة من المقاومة الوطنية والإسلامية.

ولما غادرتَ العملَ الحزبي، وتفرّقَ الرفاق، ظلّت النجمةُ الحمراء بوصَلَتِكَ. تهتدي بها للتفكير في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فدعوتَ في كتابك «تحولات المجتمع والسياسة: افكار من اجل عالم جديد» الى النضال من اجل ثلاثي الوحدة العربية والديمقراطية والحضور العربي الوازن في العالم الجديد.

راجعتَ تجربتك ناقدا، لتقول امكانات استخدام فكر اليسار وتراثه الثري بطرائق ووسائل اخرى في عصر آخر وفي وجه تحديات اخرى. وقرنتَ القول بالفعل مبادرا دائما من اجل تفعيل اليساراللبناني واعادة بنائه.

حملتْ اليك الثورات العربية المزيد من زخم وإرادة ووعد. أسسنا معاً مجلة «بدايات» الثقافية الفكرية مساهمةً متواضعة لمواكبة الانفجارات والتفكّر بها، وكنت انت من اختار العنوان لتؤكد أن الفكر والنضال هما دوماً وابداً تجديدُ لبدايات.

لستُ ادري اين كنت تجد الوقت لتكون كل هذا الشخص وليكون لك هذا الحضور المتعدد وتلك الادوار. لعلك فعلت مثلنا ابناء جيلنا: سرقت الوقت على حساب الاهل والعائلة والراحة والصحة.

مؤرخاً، مؤتمَنٌا على الذاكرة الجمعية لشعبك، تنبش وثائق واخباراً وروايات الماضي لتنكش فيها الجمر وسط الرماد، لتروي التحولَ والإمكانَ والوعد.

محامياً، كنتَ مؤلفاً ضليعاً في القانون والتشريع، مرافِعاً ابداً عن الحريات وحقوق الناس السياسية والاجتماعية.

كاتبا، تِدهِش، في مقالاتك وحضورك الإعلامي، بالنبرة الهادئة، والتحليل المكين. في زمن الصحافة الشتّامة، كنت محاوراً دمثا، لعميق احترامك للعقل – عقل القاريء – وللحجة والبرهان. ليس لانك تكتم الغيظ، انت هكذا: واثقا من نفسك. نبيلا، لا تهادن وانت المحاوِر. ولا تجامِل وانت المساجِل. ولكنك صلبٌ بلا هوادة في وجه الاستبداد والتزمّت والتكفير والظلم.

وفوق هذا وقبله وبعده، انت من كسب لقمةَ العيش بعرق الجبين، فلم تتنازل عن كرامة أمام اي سلطان. ولا عن الحرية واستقلال الرأي لأي كان.

وبعد…

بعد بكّير، يا سليمان

لم تنجِز آخر مشروعِك الكتابي. لم تكتب مقالتك للعدد ١١ من «بدايات». لم ننظّم الندوة عن الثورات العربية التي اقترحتها علينا وانت على سرير الالم. لم نحتفل معاً بالاول من ايار. لم تتذمّر من المرض الا لأنه يعوقك عن المطالعة والكتابة. لم تصعد على بعقلين القلعة ولو ليوميَن من الراحة مع العائلة. لم تكفّ عن سؤالك اليومي: شو الاخبار؟ لم توقف المبادرة والحركة رغم الانابيب المغروزة في شرايين الجواد الازرق الجموح.

لم تترك سؤالاً لم تطرحه علينا ونحن نعودك.

لم تكفّ عن النضال في حياتك ولم تكفّ عن النضال في موتك (والكلام لشريكة حياتك إكرام).

وانت الشاعر، باقٍ في ذاكرة شعبك والعاملين من اجل «أن نُصابَ بالوطن البسيط وبإحتمال الياسمين».

ونحن رفاقك واصدقاؤك ومحبّيك الكثر، المجتمعون هنا لوداعك من جهات الوطن الاربع، نبكيك مع اكرام ونسيب ورنده وميساء وجنى، وشقيقاتِك وسائر أسرتك. انت باقٍ في قلوبنا، يا سليمان، بحب، ولك منا هذا الوعد:

لن نتخلّى عن الحلم. لن نُعدَم إرادة. لن نيأس من أمل.

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
لبنان
نُشر في
الاخبار
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الحزب الشيوعي السياسة اللبنانية تحية شخصية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.