عن حلب واخواتها والدهشة
فواز طرابلسي
اخطر ما نجح الاعلام المتعولم في انجازه، بالتعاون مع الفهلوة المحلية، هو حرماننا ملكة الدهشة.
كل شيء معلوم وكل شيء مفهوم. خاصة عندما يكون في الامر مؤامرة والمؤامرة دائما «واضحة». واضحة الى درجة انها لا تحتاج الى دهشة او برهان او وضوح.
ولكل حدث سبب. هكذا ببساطة، بمثل بساطة ان يكون لكل حادث حديث.
ولكل سؤال جواب. وتوجد أحيانا أجوبة لا اسئلة لها. وهنا تتجلّى عبقرية المعلّقين والمحللين والخبراء والسياسيين والاكاديميين والجيو-استراتيجيين.
فمثلا، نحن محرومون من الدهشة ازاء الثورات العربية. فما الحاجة الى الدهشة ازاء نزول عشرات الملايين من العرب الى الشوارع في نصف دزينة من البلدان العربية بالتتابع، ملايين ترفع شعارا يعلن ارادة مشتركة في اسقاط الحكام والانظمة ويكرر مطالب متشابهة عن العمل والحرية والخبز والكرامة. الامر عادي. وواضح الوضوح.
يحلّ الربيع العربي محلّ الدهشة العربية. والربيع ليس يحتاج الى شرح، ولا سببية له لأنه… طبيعي، اي لأنه فصل متكرر يعود كل عام في مواقيت معروفة، طبعا حسب موقع البلد من خطوط العرض والطول. ثم ان الربيع يسمح بكل الالاعيب البلاغية الممكنة فيحلّ بعده خريف الخيبة، مثلا، او يطبق عليه الشتاء المظلم او يعقبه صيف يريده الرئيس عمر البشير ملتهبا ليحرق ثوار السودان الشباب بلهيبه.
ولا بد من الاستطراد هنا والقول ان حرماننا ملكة الدهشة يترافق على نحو رائع مع نقيضه: اقناعنا بأن التحليل العميق يكون في البحث عن النوايا، وهي دائما «مبيّتة». والبحث في النوايا هو الابن الشرعي للتربية الاستبدادية الامنية حيث لا اهمية للقول او التصريح او الفعل، الاهمية هي لما وراءها من نوايا. والنوايا دائما «وراء» وليس أمام لسبب ما. ومن حيث النوايا، فالكل مشبوه والكل متّهم الى ان تثبت… التهمة.
أقف امام مشاهد الجثث ودمار والعويل والخراب في حلب وأدهش.
ادهش لكي لا ينعدم فيّ الإحساس الانساني الاولي. واهدش لكي اقول للتلفزيون: لن تستطيع انت واربابك ان تجعلني اعتاد على القتل والعذاب والظلم والكبت والقمع والاستغلال. مقاومتي ان ادهش وسوف اظل ادهش.
ولست ادهش لحلب وحدها. أدهش لحلب واخواتها – درعا والرقة ودير الزور واللاذقية وحمص وحماه ودمشق وغيرها. ادهش كيف أمكن لنظام حلكم وقد تقلّص الى حدود قبضة، حديدية ولا شك، ان يظل يمنّي النفس بأنه قادر على إحراز النصر في حرب يدكّ فيها مدن البلد الرئيسية واحدة تلو الاخرى ويقتل الالوف ويعتقل عشرات الالوف ويهجّر مئات الالوف وذلك بعد ان كرر عملته في معظم الارياف والضواحي لسنة ونصف وأزود. بدون طائل. او بطائلِ افدح ما يكون من الارواح والممتلكات والتفكيك في نسيج سوريا الانساني والمجتمعي.
وأدهشُ اكثر فأكثر، كيف يمكن لرجال ونساء هذه القبضة من البشر المتبقية، أن تتصوّر انها سوف تستطيع بعد هذا كله ان تعيش مع شعب عملت فيه كل تلك العمائل.
وتسوقني الدهشة ذاتها للتساؤل اي نظام هو هذا الذي درّب ويدرّب عناصره، من سياسيين وحزبيين ورجال اعمال وموظفين وأمنيين وعسكر، على تراتبات في العلاقات فيما بينهم، وتراتبات في العلاقات بينهم وبين شعبهم، تمرّ عبر نداء الرئيس لمرؤوسه بـ«ولاه» و«يا حمار». بل إزدادت دهشتي عندما شاهدت منذ أيام على الـ«يوتيوب» مشهدا لتحقيق في احد معتقلات «الجيش السوري الحر» مع «شبّيح» يتعاطى معه الضابط «الحر» بالنداء ذاته والمسبّة ذاتها!
والدهشة هنا ألم.
ويتضاعف الالم مع المزيد من الدهشة. تعرف حروب القبائل والشعوب، قديمها والحديث والمعاصر، «الاشهر الحرم » يعلن خلالها المتقاتلون عن هدنات ينصرف خلالها كل طرف لشؤونه التي تتراوح بين الاعتناء بجرحاه وممارسة نشاطاته الاقتصادية والحياتية والتمّون للجولات القادمة بالغذاء والسلاح والذخيرة، أكانت هذه الاخيرة السيوف المهندة ام السهام المسمومة ام قذائف الــ «آر. بي. جاي». وعلى حد علمي فإن شهر رمضان ينتمي الى «الاشهر الحرم». والدهشة انه لم يخطر لهذا الطرف او ذلك في سوريا ان يقترح هدنة خلال هذا الشهر المبارك او حتى ان يعلنها من طرف واحد على سبيل التكتيك والإحراج. جاء الاعلان عن «الشهر الحرام» موعداً لـ«النصر». اي لمزيد من الدمار والدماء. فعجبي. ثم عجبي. ودهشتي.
ولن تقف دهشتي عند هذا الحدّ.
فبعد ان عشتُ حربين اهليتين في لبنان، وعاينت عن قرب ثالثة مصغّرة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وتابعت حربا رابعة عن بُعد في الجزائر، وقرأت ما تيسّر عن الحروب الاهلية الاسبانية والارلندية والراوندية، ودرّست مادة الحروب الاهلية عموما، والحروب الاهلية اللبنانية خصوصا، لخمس عشرة سنة ونيّف، لا ازال اقف مدهوشًا، بل مشدوهًا، امام لغز قايين وهابيل. وهو «ابو الدهشات» وأمها، بسؤاله القاهر: لماذا يقتل الاخ اخاه؟ ولا عزاء لي اني لست الوحيد المتورّط في حالة التساؤل والدهشة هذه. فالكتب السماوية كلها، وقبلها ملحمة جلجامش الوثنية، تعود بالاجتماع البشري الى تلك الجريمة التي تحبّ الانثروبولوجيا ان تسمّيها «الجريمة التأسيسية »، وهي الجريمة التي يقال انها وقعت في سهل البقاع، بين لبنان وسوريا المعاصرتين. ولا تزال هذه الزبور القديمة تحار جوابا لماذا الفلاح قتل أخاه الراعي.
عودة الى عالمنا المعاصر.
بالامس، أدلى السيد ليون پانيتا، المدير السابق لـ«السي. آي. إي» ووزير الدفاع الاميركي الحالي، بتصريح قال فيه انه يجب ان يبقى الجيش السوري «متماسكا» عندما يرحل الرئيس الاسد.
فلعل احدًا، ممن قرأوا او لم يقرأوا عمودي يوم الاربعاء الماضي، يفسّر لي هذا التصريح ويحررني من عذابات هذه … الدهشة.
