عشرينية «الطائف»: طبِّقوا الدستور!
فواّز طرابلسي
ثمة كلام كثير يقال في عشرينية اتفاق الطائف. وثمة ما قل ودلّ.
اول الكلام ان الاتفاق، وقد دمج الوثيقتين التأسيسيتين للبنان المستقل – دستور العام ١٩٤٣ وشرعة «الميثاق الوطن»- فشل في ابتداع «خرافات تأسيسية» لبناء لبنان ودولته، اذا افترضنا ان هذا من وظائفه.
إعترف الاتفاق بعوامل الازمة الداخلية التي فجّرت الحرب بما هي ازمة التمثيل الطائفي ومشاركة المسلمين في الحكم. عدّل من موازين القوى بين مراكز الحكم الثلاثة. ولم يغفل الاتفاق دور التفاوت المناطقي والفوارق الطبقية في تفجير الحرب، فدعا الى التنمية المناطقية والعدالة الاجتماعية. لكن الاتفاق تمسك في الوقت ذاته بمقولة «حرب الآخرين» فرفع شعار «رفض التوطين» الى مبدأ دستوري، على امل ان يشكّل ذلك «خرافة تأسيسية» للجمهورية الثانية توحّد اللبنانيين ضد «خطر مشترك».
على المنوال ذاته، تم استرضاء الاسلام السياسي بحقن الهوية اللبنانية بحقنة اضافية من العروبة بإسم «الانتماء العربي»-مقارنة بـ«الوجه العربي»- وجرت تلبية مطلب مزمن للمسيحية السياسية بإعلان لبنان «وطنا نهائيا لابنائه». غني عن القول ان لا الخرافة التأسيسة الجديدة عن رفض التوطين ولا تعديل الخرافة التأسيسية الثانية أسهم اسهاماً ملحوظا حتى الآن في تعزيز وحدة اللبنانيين وتسريع الاندماج الاجتماعي. ما يعني ان البحث يجب ان يتم خارج نطاق الهويات والانتماءات.
من جهة ثانية، ليست مشكلة إتفاق الطائف انه يعترف بثنائية المواطن/الجماعة المذهبية. طالما ان دستور الجمهورية الثانية يقدّم لها حلاً لم يجرِ تطبيقه الى الآن. بهذا المعنى، قبل اي بحث في نواقص الطائف وضرورات الخروج منه، المطلوب استكمال تطبيق الدستور بالذهاب في تلك الثنائية الى نهاياتها المنطقية بإعتماد نظام المجلسين: نيابي خارج القيد الطائفي ومجلس شيوخ تنتخب اعضاءه الجماعات المذهبية بما هي دوائر انتخابية بذاتها.
يضمن هذا التدبير تمثيل اللبنانيين في الوجهين الرئيسيين لانتمائهم، وينهي مشكلة عويصة حول انتخاب ابناء الطائفة لممثلي طوائفتهم، وقد كان مثار جدال وخلاف وغبن بحق التمثيل المسيحي خصوصا طوال فترة ما بعد الطائف. ولكن ما اثر هذا التدبير على جدل الاقلية والاكثرية النيابيتين وفي الحكم؟ يمكن القول ان هذا الجدل ينحلّ بذاته اذا ما اعتمد نظام انتخابي قائم على النسبية ولبنان دائرة انتخابية واحدة وفق اللوائح المغلقة. ففي ظل هذا النظام تكون اللائحة الانتخابية التي تحوز اكبر عدد من المقاعد مجبرة على تشكيل حكومة ائتلافية ذلك ان النسبية ذاتها لن تمنح اية لائحة من اللوائح الاكثرية المطلقة (نصف زائد واحد). والائتلاف هنا لن يمنع قيام معارضة تعارض وسلطة تحكم. وقد تكون هذه وتلك ائتلافيتين.
هكذا يمكن ان ننتهي من الكثير من اشكاليات التمثيل النيابي والوزاري. ومنها مثلا ما يختلط على التيار الوطني الحرّ الآن من انه خسر الانتخابات فيما هو حاز من أصوات طائفته اكثر مما حازه خصومه في الاكثرية الفائزة. سوف ينتهي هذا الاختلاط اولا لأن تمثيل الطائفة هنا سوف يكون في مجلس الشيوخ. اما التمثيل النيابي، خارج القيد الطائفي، ومشاركة اللائحة المعنية او عدم مشاركتها في الحكم، فيتم وفق منطق آخر تماما هو مفاوضات تأليف الحكومات الائتلافية بناء على برامج وسياسات لا على حصص التمثيل وحدها.
المشكلة الأساس في اتفاق الطائف انه، إذ وجد حلا لثنائية التمثيل السياسي، فانه لم يجد صياغة مستقرّة يرسي عليها النظام اللبناني. كان النظام رئاسيا مطلقا، فصار محيّرا بين نظام رئاسي ونظام برلماني. رئيس ينتخبه البرلمان ولكنه ليس مسؤولا تجاه الهيئة التي تنتخبه، هو شريك في السلطة التنفيذية ولا شراكة فعلية لأنه ليس طرفا فعليا في تشكيل الحكومة. وهو القائد الاعلى للقوات المسلّحة لكنه يمارس تلك الصلاحية من خلال رئيس الوزراء حتى لا نقول وزير الدفاع.
ثمة اجتهاد يقول ان الطائف اسس لترويكا رئاسية كانت مرجعية التحكيم فيها منوطة برعاية الحاكم السوري. وبغض النظر عما فعله ذلك الحاكم بتلك الرعاية، وتحويلها الى وصالة او انتداب او اكثر، فالدعوة الآن هي الى عودة مرجعية التحكيم هذه الى رئيس الجمهورية. ما معنى اضطلاع رئيس الدولة بدور التحكيم؟ وهل يسهّل في الحسم بطبيعة النظام السياسي او يزيده اختلاطا وتعقيدا؟ يطالب الذين يدعون الى هذا الحل بتوسيع صلاحيات الرئيس بما يعيد اليه صلاحية حلّ البرلمان مثلا. لكنهم يقولون ان حد اعادة الصلاحيات السابقة هو ان لا يتعارض ومبدأ الشراكة في الحكم. هذا يفترض ان مبدأ الشراكة في الحكم لا يزال يقوم على رئيسين – رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء- يمثلان الطائفتين الرئيسيتين في البلاد. وهو لم يعد الحال. واما السؤال الثاني فهو: في ظل التمثيل الطائفي للرؤساء، اذا كان رئيس الجمهورية يمارس دور التحكيم بين المؤسسات – بصفته رئيس الدولة، رمز وحدة الوطن، ساهر على احترام الدستور وسلامة الارض والشعب ووحدتهما واستقلال لبنان- كيف له ان يكون ممثلا لطائفته في الآن ذاته؟ ليس هذا الإشكال بجديد. فقد طرح قبلا باشكال مختلفة. حتى ان بشير الجميل عند انتخابه رئيسا للجمهورية فكّر، حسيما يروي مستشاروه خلال تلك الفترة، باستحداث نائب لرئيس الجمهورية تمثيل المسيحيين كي يتفرّغ الرئيس المنتخب لتمثيل «الامة».
مهما يكن من امر لا حلّ لمعضلة موقع رئيس الجمهورية في هذه المعادلة الا اذا اعتمد الغاء الطائفية السياسية. إذذاك، يصير موضوع منصب الرئيس وصلاحياته مفتوحا على كل الاحتمالات من اجل انتاج نظام سياسي يتجاوز الخلط بين النظام الرئاسي والنظام النيابية. فإما برلمانية كاملة يتولى فيها رئيس الجمهورية مهمات اقرب ما تكون الى المهمات المنوطة في الدستور الحالي للرئيس اللبناني، أسميناها تحكيمية او شرفية. وإما نظام رئاسي يكون فيه الرئيس صاحب السلطة التنفيذية ورئيس مجلس الوزراء، يضارعه مجلسان منتخبان ينازعانه سلطاته الواسعة، كما في الصيغة الاميركية مثلا. في الحالتين، المطلوب رئيس منتخب مباشرة من الشعب.
تبقى الخطوة الاولى في كل هذا هي تطبيق الدستور اولا.
