العودة إلى المحاضرات والمقابلات
محاضرات ومقابلات مناقشات

رأسمالية بلا مصالح - وامبريالية من دون استغلال 

نقاش: رأسمالية بلا مصالح وامبريالية بلا استغلال — «البعد كولونيالية» تحلّ صورة الشيء محل الشيء. عرفات طلب «التفهّم» مقابل النفط فتدهور المطلب إلى «بعض الاهتمام».

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

رأسمالية بلا مصالح
وامبريالية من دون استغلال

(نقاش مع تيموثي ميتشل)

فواّز طرابلسي

تناول الجامعي وعالم السياسة تيموثي ميتشل في مقابلة مع «الاخبار» (اجرتها ديما الشريف في ١٣ كانون الاول، ٢٠١٠) عددا من القضايا تتعلق بالنفط والديمقراطية وبطبيعة الرأسمالية والتنمية. تتميز افكار ميتشل المبتكرة والمنشطة للتفكير في انها تقدم عيّنة معبّرة عن مدرسة الدراسات «بعد الكولونيالية» ونظرياتها الرائجة في العالم الاكاديمي الاميركي خصوصا، وهذ لذلك تقدم فرصة سانحة لنقاش نقدي لبعض افكار تلك المدرسة.

الفحم والديمقراطية

تقوم محاججة ميتشل عن النفط والديمقراطية على فرضية ان الديمقراطية مرتبطة بالعصيان اكثر من ارتباطها باي شيء آخر. هذه فكرة تذكّر بالدور المركزي للنضالات الشعبية والعمالية في بناء الانظمة الديمقراطية في اوروبا خصوصا. وهي لذلك تتحدى الربط الميكانيكي بين الديمقراطية والسلطة البرجوازية وتنقض التماهي المفتعل بين النظم السياسية الديمقراطية والاقتصاد الرأسمالي وكلاهما طاغٍ على نظريات الليبراليين والماركسيين على حد سواء.

لكن الايجابي الذي يقدمه ميتشل حول هذا الموضوع يكاد ان ينتهي عند هذا الحد. لأن مفكرنا السياسي لا يلبث ان يجرّ الموضوع الى مسالك وعرة تنتهي الى متاهات. اول الامر هو مبالغته ايما مبالغة في الدور الذي يمنحه للفحم ولعمال مناجم الفحم في التحويل الديمقراطي للانظمة السياسية الغربية، ناهيك عن تهديدهم النظام الرأسمالي برمته . يقول انه اكتشف قدرة عمال الفحم على ايقاف اقتصاد بكامله من خلال دراسته المناطق الاورو-اميركية التي اصبحت بين ١٨٨٠ و١٩٢٠ معتمدة على الفحم: «هكذا حصل الاضراب العام لاول مرة في نهاية القرن التاسع عشر في مناطق انتاج الفحم وكان ذلك تهديدا كبيرا للنظام الرأسمالي». مهما يكن من امر، فالحد الادنى يعزوه الى تلك الوسيلة النضالية الجديدة هو فرض حق الاقتراع ونشوء النقابات والاحزاب السياسية اضافة الى تأمينات وضمانات اجتماعية.

لكي يحول الفحم الى العامل الحاسم في تحقيق الديمقرطية الغربية، كان لا بد لميتشل من ان يقطع الصلة، التاريخية والسببية، بين سلاح الاضراب العمالي العام من جهة، وبين الثورات السابقة التي اطلقت المسار الديمقراطي من جهة اخرى. فيغيّب حقيقة ان اسس الجمهورية الديمقراطية الاوروبية أرسيت قبل عصر الفحم، خلال ثورتي ١٨٣٠ الجمهورية و١٨٧٠ العمالية في فرنسا وثورة ١٨٤٨ الشعبية التي عمت معظم بلدان اوروبا الشمالية (وفرضت الاقتراع العام للرجال ). هذا حتى لا نعود الى ثورتي ١٦٤٦ البريطانية و١٧٨٩ الفرنسية.

ثم ان ميتشل ليس يقدم برهانا واحدا على ان التهديد بقطع الامداد بالفحم، او القطع الفعلي لذاك الإمداد، لعب الدور الرئيسي في انتزاع المكاسب الديمقراطية. فعلى حد ما نعلم، تركزت الاضرابات العامة في العواصم والمدن الاوروبية الرئيسية، اكثر منها في الاطراف حيث المناجم، وكانت وسائل الضغط الرئيسية في تلك الاضرابات هي وقف العمل في المصانع والمحترفات، او احتلالها او تخريب الآلات فيها، او شل المواصلات البحرية او البرية او النهرية، او هذه الوسائل مجتمعة.

كذلك تصعب مجاراة ميتشل في حكمه المطلق على فترة ما بعد الفحم، في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، على انها حقبة «انهيار الديمقراطية» في اوروبا. يصح القول بانتكاسة للديمقراطية بسبب قيام الانظمة الفاشية في المانيا وايطاليا اضافة الى اسبانيا والبرتغال. على ان تلك الفترة شهدت في الوقت ذاته تقدما في المسارات الديمقرطية في عدد من البلدان الاوروبية واميركا. حتى ان قسما من الانجازات التي ينسبها ميتشل الى حقبة الفحم تمت في حقبة ما بعد الفحم، حيث تحقق التعليم الرسمى الالزامي والمجاني، وقطعت اشواط في علمنة الدولة، ونالت المرأة حق الاقتراع والترشح فدخل نصف المجتمع الحياة السياسية في بلجيكا وفرنسا واسبانيا والمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الاميركية.

النفط والديمقراطية بعد الحرب العالمية الثانية

مع ان ميتشل يحذرنا من النظريات المؤامراتية عن القلة التي تسيّر العالم، فأنه يريد اقناعنا بالرغم من ذلك بأن وزير الخارجية الاميركي جورج مارشال وقبضة من الستراتيجيين الاميركيين وضعوا «خطة» مناهضة لليسار الاوروبي بعد ان تبين لهم ان «الوسيلة الوحيدة لكسر اليسار في اوروبا هي هزيمة عمال مناجم الفحم. السلاح الوحيد لهزيمتهم كان النفط». والخلاصة: «هنا تصبح قضية النفط والديمقراطية مثيرة، فهي تؤدي دورا في العملية الديمقراطية لكن ليس في دول الخليج العربي، كما يعتقد الجميع، بل في اوروبا حيث وضعتْ حدودٌ على استمرار دمقرطة المؤسسات عبر العنف».

لنقل على عجل بأن إثبات دور النفط في اعاقة الديمقراطية في اوروبا لا يتنافى بالضرورة مع الاعتراف بأن النفط ذاته يعيق الديمقراطية في دول الخليج العربي وفي المنطقة العربية عموما. وهو لا يقدم لنا اي دليل على الكيفية التي وضع بها النفط الحدود «على استمرار دمقرطة المؤسسات عبر العنف» في اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية . نعرف عن تلك الحقبة انها فترة ما شهدت ايضا انجازات لا جادة في مجال توسيع المشاركة الشعبية وتعزيز ديمقراطية المؤسسات السياسية الاوروبية والاميركية. حينها، اعيد بناء الانظمة الديمقراطية في المانيا وايطاليا وبعدها في اسبانيا والبرتغال، وإتسع نطاق علمنة مؤسسات الدولة، وإستكمل نيل المرأة حق الاقتراع والترشح في معظم البلدان الاوروبية وتقلّصت صلاحيات مؤسسات الحكم غير المنتخبة لصالح المؤسسات المنتخبة، كما في حال مجلس اللوردات ومجلس العموم البريطانيين. بل يمكن جرّ المحاججة حول هذا الموضوع الى دور بناء «دولة الرعاية» في تعزير الديمقراطية السياسية عن طريق توسيع مجالات تكافوء الفرص والحقوق الاجتماعية.

التفسير التقني للتاريخ

يتضح دون عناء ان ما يسعى اليه ميتشل هنا هو مراجعة نظرية سادت في الاكاديميا الغربية خلال عقدي الثمانين والتسعين من القرن الماضي تفسّر «غياب» الديمقراطية في المنطقة العربية بغلبة الريع النفطي على اقتصادياتها. هنا تنقلب معادلة «لا ضرائب من دون تمثيل» التي انبنى عليها النظام التمثيلي الديمقراطي رأسا على عقب. ذلك ان الموازنة في الدولة الريعية ليست تعتمد بالدرجة الاولى على عائدات الضرائب التي يدفعها المكلفون، ولا الحكام الذين يستأثرون بالعائدات النفطية يعيشون على حساب خزينة الدولة. فلا يعود الحكام مجبرين على الخضوع للمبدأ الانتخابي او الانصياع لمنطق تداول السلطة او حتى تأدية الحسابات للمحكومين .

يأخد ميتشل على هذه النظرية انها ترتكز على الوجه المالي للنفط فقط. فيقدّم لنا الوجه التقني للمسألة من خلال المقارنة بين دور الفحم والنفط في السياسة. الفحم قابل للاستخدام فور استخراجه من بطن الارض، ويجري تبادله وتوزيعه في قنوات ضيّقة وقصيرة، وعدد العاملين في استخراجه محدود، فيمكن بالتالي قطع الامداد به بسهولة. في المقابل، يشغّل النفط من الايدي العاملة والكوادر والكفاءات اعدادا اوفر، ولما كانت حقوله مترامية الاطراف ومصادره بعيدة عن اماكن استخدامه واستهلاكه، ويجري توصيله سائلا بواسطة النقل البحري او الانابيب، ولا يمكن استخدامه قبل تكريره لاستخراج مشتقاته، فإن هذا ما يميّز بين مصدر للطاقة يشجع على الديمقراطية وآخر يعيقها.

حقيقة الامر ان استحضار ميتشل المقارنة بين وسائل توصيل الفحم والنفط هو الوجه الآخر لنظريته التكنقراطية عن سلطة الخبراء، هذه النظرية التي صارت العلامة الفارقة لاسهامه الفكري والاكاديمي في الدراسات البعد كولونيالية. اكتشف ميتشل سلطة الخبراء في مصر مرتين، في العهد الكولونيالي كما في عصر الانفتاح الساداتي. وها هو يعلن اكتشاف موقع السلطة الفعلي في اقتصاديات النفط. فهو ليس لشركات النفط الجبارة ولا للانظمة السياسية في البلدان المنتجة، انما السلطة للاقتصاديين الخبراء الذين يسيطرون على وسائل احتساب الاسعار، وسبل استخدام المال، وقياس المبادلات، ومراكمة الاحصائيات الوطنية على اعتبار انهم هم الذين يستنطقون الطبيعة عن احتياطي النفط ومُهَله فيملكون بالتالي مفاتيح اسرار «الذهب الاسود».

هكذا يحل الخبراء محل شركات النفط متعدية الجنسيات في التحكّم باقتصاديات النفط تحلّ انابيب توصيل «الذهب الاسود» محل الانظمة في الدول المنتجة للنفط.

اين التنمية في نقد التنمية؟

والحديث عن «الخبراء» يجرّ للحديث عن «التنمية». جريا على تقليعة «بعد كولونيالية» سائدة، يوجه مفكرنا الى «التنمية» الكولونيالية والنيوكولونيالية ثلاث تهم بنيوية، اذا جاز التعبير: ١) التنمية مجرد اديولوجيا للتحكّم بالناس، في البلدان المستعمرة، تزعم ترقيتهم الى المستوى الحضاري الغربي؛ ٢) والتنمية بناء ذهني يقوم على فصل الاقتصاد عن السياسة (نموذج التنمية في افريقيا الجنوبية المتساوقة مع التمييز العنصري والحرمان من الاستقلال)؛ ٣) والتنمية اخيرا ليس آخراً تؤدي الى تحكّم الخبراء بالاقتصاديات والبشر. ويعزز ميتشل اتهماته الثلاثة، بالتذكير ان الولايات المتحدة، التي كانت تستأثر بمعظم موارد العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، رفضت اعادة توزيع الموارد والثروات على سائر دول العالم عن طريق المساعدات المالية، واكتفت بإيفاد «الخبراء» الى دول العالم الثالث.

ميتشل الذي يأخد على الغرب الكولونيالي انه احلّ مفهومه الخاص للاقتصاد وفرضه بالقوة مقياسا للعالم اجمع، لا يتردد في تعمير نظرية كاملة عن الكولونيالية تقتصر على ابحاثه في حالة ميدانية واحدة هي مصر. انه ينجح في امر اكيد: تجريد التنمية الكولويناية والنيوكولونيالية من المصالح والرأسمالية من آليات الاستغلال. فبعد ان حوّل الاقتصاد، اي طرائق انتاج البشر لمعاشهم، الى مجموعة مقولات غربية قوامها مقولات السوق والملكية والارض والدولة-الامة، ها هو يحل التنمية بما هي «ايديولوجيا سيطرة» محل التنمية بما هي ممارسات تمييز في قسمة العمل الدولية وفي الاستحواذ على الموارد والثروات واستغلال الايدي العاملة الرخيصة والتبادل غير المتكافيء. وما دامت التنمية كناية عن اديولويجيا سيطرة وتحكّم خبراء في رقاب الناس، تنتفي الحاجة الى الدراسة العينية لنتائج الخطط والمشاريع والسياسات الاقتصادية التي طبقتها وتطبقها القوى النيو كولونيالية او الانظمة الاستقلالية. فيحق، والحالة تلك، محاسبة الرأسمالية الامبريالية الاميركية على إحجامها عن لعب دورها بما هي جمعية خيرية تتصدق بالبر والإحسان (فيلانثروبي) علي سكان المعمورة.

حقيقة الامر هي عكس ما يقوله ميتشل. قدمت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية القروض المالية المستفيضة لدول العالم الثالث لاغراض سياسية واقتصادية وعسكرية وامنية. حتى ان برنامج «النقطة الرابعة» الذي يشير اليه لم يقتصر على ارسال «خبراء» في التنمية الى دول العالم الثالث. بل قدّم القروضا لانشاء البنى التحتية وطرق المواصلات وتطويرها. كانت المصالح الاميركية الاقتصادية والطبقية والسياسية والاديولوجية منبثة في صلب مشاريع التنمية الاميركية. وقد سعت الى هدفين معلنين: إغراء الناس بعيدا عن الشيوعية في القارات الثلاث، وإن لم يفلح الاغراء المالي فالقمع دونهم والمجازر (اندونيسيا مثلا)، وتوسيع الطاقات الاستهلاكية في بلدان العالم الثالث لتصريف منتجات الصناعة الاميركية.

تطابق الاقتصاد مع السياسة في مشاريع التنمية تلك، خلافا لقول ميتشل. تلازم دور العسكر في الحياة السياسية مع مهمة التأسيس لنشوء «طبقة وسطى جديدة». لم يقتصر الامر على أن منبت الضباط هو الطبقات الوسطى وعلى كونهم القوة الاكثر تأهيلا لتوحيد تلك الطبقات وتمثيلها سياسيا وحملها الى السلطة. كان يرجى من الطبقات الوسطى وعسكرها ان يشكلا الحاجز الامني في وجه الشيوعية وطبقتي العمال والفلاحين، او «الطبقات الخطيرة»، كما كانت تسميها برقيات السفارات والقنصليات الاميركية في عهد ما قبل «ويكيليكس ». واما الشق الاقتصادي من تلك المشاريع الاميركية فقد كان مكرسا لتنمية الطبقات الوسطى لتشكل سوقا متوسعة لاستقبال واستهلاك المنتجات التجهيزية او الاستهلاكية التي اغرقت الولايات المتحدة بها الاسواق العالمية بعيد الحرب العالمية الثانية.

في تلك الفترة لعبت وكالات الاستخبارات الاميركية دورا بارزا في الانقلابات العسكرية في منطقتنا. وكثيرا ما يجري تناسي حقيقة ان اول انقلاب عسكري في المنطقة يحمل البتوقيع الاميركي الصرف. نعني انقلاب حسني الزعيم، عام ١٩٤٩ الذي هندسته «السي. آي. إى» وشركة «بكتل» للانشاآت. حكم الرجل، الذي انقلب على النظام الاستقلالي البرلماني، لتسعة اشهر لا اكثر، وقّع خلالها اتفاقيتين. واحدة هي اتفاقية الهدنة السورية-الاسرائيلية والثانية اتفاقية مرور انابيب النفط الاميركية-السعودية عبر الاراضي السورية بشروط مالية كان البرلمان السوري قد رفضها.

رأس المال والرأسمالية والعنف

لم استوعب تماما على من يرد تيموثي ميتشل عندما يساجل ضد فكرة «تجانس» الرأسمالية، ولا فهمت تماما معنى إيثاره مصطلح «رأس المال» على «رأسمالية» مفترضا ان المصطلح الاخير يوحد بالوحدانية والكونية ويسقط في «نظرية المؤامرة» التي تقول ان «هناك قلة تتحكم بمصير الجميع» او ان كلمة واحدة تلخص «ماهية التاريخ ». هل يجب القول، من قبيل اللياقة السياسية ان الكثرة تتحكم بمصير الجميع مثلا؟ مهما يكن، يبدو انه علينا ان نقتنع بأن طبيعة رأس المال تتغير وفق تغيّر تبريراته. فهو الان يبرر نفسه بإسم السوق والحرية، والمنطق، ومحاربة «الجهاد». وهل كان رأس المال يبرر نفسه بغير هذه سابقا اذا اخذنا في الاعتبار انه يغيّر هنا تسمية «معسكر الشر» فقط. لعل الخبير ميتشل يزيدنا علما لماذا لا تستطيع الرأسمالية ان تكون متعددة ومتناقضة ولا تدعي إختصار ماهية التاريخ وتبقى مع ذلك قوة كونية تتحكم بمصير اكثرية سكان المعمورة الذين يعيشون في ظلها. اما عن سبب تغيّر طبيعة الشيء بتغيّر طرائق تبريره، فلعنا عثرنا على تفسير له. يرفض مفكرنا تمييز «الشيء» عن «تصور» الشيء ذاته (او تمثله). وفق اعرق تقاليد البعد كولونيالية والبعد حداثية. حسناً. لكن مفكرنا ليس يكتفي بتسخير الشيء لصورته، ولا هو يختزل الشيء بصورته، بل يحلّ صورة الشيء محل الشيء ذاته.

نستطيع الانتقال سريعا من هذه الخبيصة للنظر في مراجعة مفكرنا السياسي للعلاقة بين الامبريالية ورأس المال والعنف.

يبدو ان الحروب التي تشنها الرأسمالية او الامبرياليةتعبير عن ضعف. «انا لا اعتقد ان هذه القوى [يقصد القوى الامبريالية] تتمتع بالقوة التي نظن انها تملكها، ونحن بطريقة تفكيرنا هذه نعزز قوتها عبر التحدث دوما عنها مشددين على التجانس والسيطرة». اذا اخذنا قرار الولايات المتحدة احتلال العراق مثلا نجد ان «الحرب على العراق هي نتيجة طريق مسدود ورغبة في السيطرة على الخليج اكثر منها نتيجة قوة ورغبة امبريالية جبارة». لسنا ندري تماما ما هو هذا الطريق المسدود وكيف ولماذا وصلت اليه الامبريالية فقررت ان تشن الحرب على العراق بعد اقل من عقد من انتصارها على المعسكر السوفييتي وانفرادها في حكم العالم. اما عن السبب الآخر للحرب على العراق ففيه العجب العجاب. «الرغبة في السيطرة على الخليج» ليست هي «رغبة وقوة امبريالية جبارة». هل ان المتعارف عليه في العلوم السياسية والاجتماعية والعلاقات الدولية ان الرغبة في السيطرة، والقدرة على تحقيقها وممارستها، هي ضرب من ضروب الضعف؟ لنسلّم جدلا ان القوة التي غزت وإحتلّت العراق لم تكن «قوة امبريالية جبارة». ولكن يجري نفي الجبروت عنها بالقياس الى اية قوة اخرى؟ قوة العراق العسكرية، مثلا؟ هل من حاجة الى عبقرية خاصة لادراك انه كائنا ما كان منسوب الجبروت في تلك القوة الامبريالية، فقد كان كافيا لتقويض الدولة العراقية فوق المجتمع والشعب. اللهم الا اذا كان علينا تعريف «القوة الجبارة» على انها تلك التي تبيد العراق عن بكرة ابيه وتحيله «قاعا صفصفا»؟

لعلنا لم نفهم القصد تماما. «البعد كولونيالية» تهيم بالرمزيات. وتؤثر صورة الشيء على الشيء. لذا علينا ان نسرّ لأن الامبريالية الاميركية في «طريق مسدود» وان ترتفع منا المعنويات. بل حري بنا الاقتناع اننا كلما زاد استخفافنا بقوة الامبريالية، إزددنا قوة وإزدادت هي ضعفا. ولكن لن نجعل هذه المفارقة الفاجعة تأخذنا الى حيث لا نرغب. لن نظلم ميتشل بقراءة نصية لمفرداته بناء على ما ورد منها في مقابلة «الاخبار» وحدها. نجازف في القول انه يستخدم مصطلحات غريبة بعض الشيء عما اعتدنا عليه. علينا العودة الى حجر الخيمياء للبعد كولونيالية. فندرك ان مفكرنا الخبير انما يهندس للامبريالية كيف يجب ان تتصرّف: تكن قوية إن غلبت عندها الثقافة على القوة. اي إن هي مارست نفوذها الثقافي وإستحوذت على رضى الناس بالطواعية. اما اللجوء الى القوة او العنف فدأب من وقعوا في المأزق والضعف.

نكاد نخجل من طرح السؤال التقليدي: هل ان العنف عنصر طاريء على الرأسمالية والامبريالية، اي انه الشواذ الذي لا يظهر الا لحظة المأزق او الضعف، ام تراه عنصرا مكوّنا لهذه وتلك؟ فلعل السيد ميتشل يدلّنا على حقبة واحدة من تاريخ الكولونيالية والامبريالية لم تمارس فيها سيطرتها والاستغلال بواسطة العنف الدموي: من ابادة شعوب الازتيك والإنكا في اميركا الجنوبية على يد «جنود الله» من المستعمرين والمستوطنين الاسبان، الخارجين للتوّ من طرد العرب واليهود من الاندلس، وابادة هنود اميركا على يد المستوطنين البريطانيين لهنود، وما سبقها وتلاها من حروب كولونيالية من «حرب الافيون» الصينية الى استباحة افريقيا، وصولا الى احتلال أفغانستان والعراق والحرب اللانهاية لها ضد «الارهاب الدولي» في زوايا الكوكب الاربع، مرورا بمجازر حربين عالميتين وإبادة هيروشيما وناكازاكي بالسلاح النووي واضطرار عشرات الشعوب للجوء الى العنف المسلّح لاقتلاع الوجود الاستعماري في بلادها؟ هل كانت هذه التظاهرات للعنف مجرد تعبير عن «طرق مسدودة»؟

لسائل ان يسأل: ما فائدة كل هذه التقاسيم على مقام التفكيك البعد كولونيالي بالنسبة لمنطقة يغلب الريع النفطي على اقتصادياتها وتتحكم بمصائر شعوبها اعتى انظمة الاستبداد والدكتاتورية؟ هل تقول لنا اكثر مما يحب البعض سماعه عندما يصل أذنه رأي «غربي» لا يعجبه عن المنطقة فيكون الرد الغريزي ان اوضاع الغرب ليست احسن حالا من اوضاعنا. كلنا في النفط سواسية. والسؤال مشروع عن المدى الذي تساعدنا فيه متاولية النفط والديمقراطية على التقدم خطوة واحدة على طريق فهم عوامل وآليات تشغيل انظمة الاستبداد في العالم العربي ودور الاقتصاد السياسي فيها واسباب استمرارتيها المديدة وانتقال انظمتها الجمهورية الى التوارث السلالي؟ وماذا تضيف تلك المكتشفات عن الخبراء والتنمية الى تلمّس سبل تنمية غير كولونيالية، مستقلّة، اللهم الا اذا كان القصد هو القول ان كل تنمية انما هي تنمية كولونيالية، فلا يبقى لنا الا رجم فكرة «التقدم»، كما هو مطلوب، وتقديم الذبائح لألهة «الوراء» والتسبيح بإسمائها الحسنى؟ فأي معنى بعد ذلك حتى لذكر موضوع حق الشعوب في السيطرة على مواردها وثرواتها الطبيعية واستخدامها في «التنمية»؟ ناهيك عن الحديث عن دور النفط في استجماع عناصر القوة في الصراع العربي الاسرائيلي طالما ان «سلاح النفط» لا فائدة ترجى منه بعد ان افتى السيد ميتشل بأن اثر قطع النفط كوسيلة ضغط علي الاقتصاديات الغربية، خلال حرب تشرين ١٩٧٣ ، قد تعرّض للتضخيم على يد … اللوبي الصهيوني.

ولا غرابة بعد هذا كله ان لا «يثير» تيموثي ميتشل من مجربات الامور في منطقة الخليج إلا «انتقال الجامعات» الغربية اليه، بما فيها جامعة نيوويورك التي درّس فيها زهاء ربع قرن. فيكتفي بالتمني ان ينقل ذلك الانتقال الجامعي هذا «بعض الاهتمام الى المنطقة مع الاموال التي تُصرف»؟ والسيد ميتشل وفيّ هنا لنظرته الى الاقتصاد من منظار التبادل. فالمنطقة تحتاج الى «الاهتمام»، والجامعات الاميركية تحتاج الى المال. نتبادل. والمبادلة ثقافية-رمزية خصوصا طالما نحن في حومة البَعد كولونيالية. باموال النفط، نستورد جامعات ومتاحف ودور اوبرا وثلوج، وفورمولا وان، ومونديال وعطور وشجرات عيد الميلاد مليونية،في مقابل «بعض الاهتمام»

منذ اكثر من ربع قرن، ادلى ياسر عرفات بتصريح شرح فيه اهداف حركة «فتح» الوليدة فقال: الغرب بحاجة الى نفطنا ونحن بحاجة الى تفهّم الغرب. ليأخذ الغرب نفطنا ويعطينا تفهمه.

إخذ الغرب نفطنا ولم تتم المبادلة. وتدهور المطلب من مبادلة النفط بـ«التفهم» الى مبادلته بـ«بعض الاهتمام».

انظروا اين اوصلنا هذا النمط من الاقتصاد السياسي!

المواضيع
إقتصاد سياسي
البلدان
العالم العربي
نُشر في
الاخبار
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الإمبريالية الاقتصاد السياسي الديمقراطية الشرق الأوسط النفط النيوليبرالية ما بعد الاستعمار

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.