العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

خطاب الاسد: الحرب مستمرة

لا أوامر بإطلاق النار طوال أحد عشر شهراً في ٤٠٠ موقع — ويحذّر من «طبقة محتكرة» تستغلّ «الأحداث الحالية». لا تعليق.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

خطاب الاسد: الحرب مستمرة

فواز طرابلسي

اطلق الرئيس الاسد في خطابه بجامعة دمشق يوم أمس رصاصة الرحمة على المبادرة العربية في الوقت الذي كانت فيه قوى الامن التابعة له تطلق الرصاص في انحاء مختلفة من البلاد فتردي ٢٧ مواطنا سوريا وتجرح ١١ مراقبا من المراقبين العرب نجوا بإصابات طفيفة. كان يكفي ان يدلي رئيس وفد المراقبين بتقرير شفوي عن مهمته لا يلتزم منطق «يا اسود ويا ابيض بس مش رمادي» الذي لا يدين الرئيس الاسد الا به، لتنطلق ضد الجامعة ايضا المدفعية الثقيلة تنفي عنها القومية والحضارة معا.

كل مستجد جاء استثناء في خلال ساعة من التكرار والتطويل والتمادي في التذاكي والمكابرة والتعالي والإنكار. فما ورد عن الحوار (مع معارضين «وطنيين») والاصلاح والقوانين والحكومة المطعّمة (بشخصيات لا احزاب وقوى ) هو تقريبا حكي لاكته الصحف من قبل. وربما كان الخبر الوحيد هنا هو تعيين آذار موعدا للاستفتاء على الدستور.

هي «المؤامرة» اياها – سايكس بيكو – لتفكيك سوريا من ضمن تفكيك المنطقة، تتوالى فصولا منذ الحرب العالمية الاولى. و«المخطط» ليس ابن ساعته. هو قديم من عشرات السنين. الممهم ان هذه وذالك يرميان الى تفكيك الهوية والثقافة والتراث. وضرب المقاومة. والى ما لم يكن معروفا تماما الى الآن: فرض الانزواء على سوريا بديلا على ان تتمدد ضمن «حدودها الطبيعية والتاريخية ». لم نكن ندري ان حدود سوريا الحالية ليست هي حدودها «الطبيعية والتاريخية ». إعتراف يستحق التأمل الطويل.

وطالما ان التحديات تقوم على هذا المستوى التاريخي والشعوري والرمزي، لا بد للردود ان تكون على المستوى اياه. من التاريخ: المفاخرة بالامجاد الوطنية والقومية – السابقة – من حرب اكتوبر ١٩٧٣، الى «تحرير» لبنان العام ٢٠٠٠، وانتصارات المقاومة اللبنانية في العام ٢٠٠٦، الخ. اما المستوى الثاني فهو تكرار كل ما يؤمل منه استثارة غرائز ومشاعر العزة الوطنية، والشعور القومي، وتقديس الماضي، والانتفاض للكرامة والشرف المثلوميِن.

يقال ان المؤامرة تعريفا ليست بحاجة الى اثبات، لأنها … مؤامرة. ومع ذلك لعلنا نتخذ طرف الجدّ ونقف امام ما ورد من قبيل التدليل عليها في الخطاب. فرض «تنازلات مجانية» في اراضينا المحتلة بالجولان؟ لكنه الرئيس الاسد ذاته اعلن غير مرة، بما في ذلك خلال الازمة الحالية بالذات، ان المفاوضات السورية-الاسرائيلية توصلت الى الاتفاق على ٩٥٪ من الامور حول الجولان. فهل ان غرض المؤامرة فرض الـ٥٪ الباقية؟ وما هي تلك الباقية وما درجة «مصيريتها»؟

وتنوي المؤامرة-المخطط فرض تخلي سوريا عن مواقفها القومية في فلسطين بما فيها التخلي عن القدس؟ وما هي مواقف النظام السوري القومية المتطرفة في فلسطين؟ تفككت «جبهة الرفض»، او فُكّكت، وغادرت حركة «حماس» – ابرز تنطيماتها – الاراضي السورية نحو المصالحة الوطنية الفلسطينية وما يسمّى «حل الدولتين»، والحكومة السورية كررت دعمها قيام الدولة الفلسطينية على الاراضي الفلسطينية المحتلة العام ١٩٦٧. فلا عجب ان شعار الممانعة لم يرد كثيرا في هذا الخطاب.

والملفت ان القضاء على المؤامرة يكون بحلّ وسواسي لم تتمخض عنه كل هذه المقدمات: فرض الامن والقضاء على الفوضى والارهاب.

وهنا موقع الفصل بين الازمة والاصلاح. وهي نغمة مألوفة من المكابرة والاستعلاء ترد في الخطاب الرسمي منذ البداية. الا انها ترقى الآن الى مستويات من الفصاحة مستبعدة التصديق. حيث يُعرض علينا مبحث منطقي شبه فلسفي، يجري فيه البيان على ان لا صلة بين المؤامرة والمخطط والارهاب من جهة وبين الاصلاح من جهة اخرى. سمعنا قبلا ان الاصلاحات ليست بجديدة من حيث وجودها في عالم الممكن منذ تولي الرئيس الاسد السلطة العام ٢٠٠٠ وقد تكرّست في المؤتمر القطري الشهير للعام ٢٠٠٥. لماذا تأخرنا؟ يتساءل الرئيس ليجيب: «هذا موضوع آخر ». السؤال ليس هنا. السؤال هو هل يتوقف اي من هذا الثلاثي الرهيب عن أفعاله الشريرة فيما لو تحققت الاصلاحات؟ كلا والف كلا. فيحق للمرء ان يتساءل لماذا كل هذا العناء الذي تتجشمه السلطات السورية على امتداد احد عشرة سنة من اجل اخراج كل هذه الدساتير والقوانين والمراسيم الاصلاحية التي لا دور لها لا فيم وأد المؤامرة ولا ضرب المخطط ولا القضاء على الارهاب.

لا جديد في جدل الاخطاء والقتل. لم يصدر احد اوامر باطلاق الرصاص. هناك اخطاء فردية توازي احد عشر شهرا من أطلاق الرصاص في اكثر من ٤٠٠ موقع سوري قضى خلالها لا اقل من ستة الاف مواطن سوري، مدني بالاكثرية الساحقة وعسكري ايضا. هذا على لسان رئيس دولة مطلق الصلاحيات لا ينفك يعتز بجيشه وقوى الامن الخاضعة له ويوجه لها تحيات الاعجاب بالانضباط والقوة والواجب. اهو «جيش تشرين» يطلق النار بلا اوامر؟ وسحب الدبابات من المدن، الوارد في في البروتوكول الموقع عليه مع الجامعة العربية؟ هل ينسحب هو ايضا بلا اوامر من احد؟ فلا حاجة، والحالة على ما هي عليه من التسيّب، استكمال البحث في اعتقال المسؤولين عن اطلاق النار وفي الصعوبات التي تعانيها اعتى دولة امنية في المنطقة في العثور على افراد يطلقون النار بلا اوامر او تقديمهم للمحاكمة العلنية في حال وجود هذا «البعض»! وهي الدولة ذاتها التي تلقي القبض عشوائيا على لا اقل من عشرين الف معتقل بتهم او دون تهم.

ويا ليت الرئيس الاسد لم يتحدث في الاقتصاد. اكد نهجه القائم على تبرىة الحاكم والقاء المسؤولية على الغير في السياسة وعلى الشعب في الاقتصاد. يحمّل الرئيس الانفتاح الاقتصادي المسؤولية عن توسيع الاستهلاك. كأن قوانين الانفتاح الاقتصادي اتخذت في المريّخ وليس في القصر الجمهوري وفي شركة سيرياتل. وكأن ما يثور من اجله السوريون هو الكماليات الفاخرة وليس ابسط ضروريات الحياة من عمل وحرية وخبز. ولا عجب ان يتلعثم الخطاب في الحديث عن الزراعة فيعترف الحاكم بأن الامور فيها كان يمكن ان تكون افضل. مع انه، في رده على العقوبات الاقتصادية يتباهى – بحكمة تعود الى عهد «على قدّ بساطك مدّ رجليك» – بوفرة القمح السوري، بل بفيضه، حيث «أكلت» اربعة بلدان مجاورة منه. كأن التبادل التجاري صدقة ! ولمن يظن ان نقد الاستهلاك يتم من موقع نقد النيوليبرالية، عليه ان يخيب امله. فالرئيس المعاصر يكرر ترسيمة النيوليرالية عن تشجيع المنشأات المتوسطة والصغيرة ويضيف اليها الحِرَف – ويشدد على الحرف ويلقى التشديد التصفيق الذي يليق. وتأتي اهمية تنمية الحرف بما هي حلّ لأزمة التشغيل (٣٠٠ الف يد عاملة جديدة في وسق العمل كل سنة لسوق عمل لا توفر اكثر من خمسين الف فرصة عمل ).

على ان ميزة القسم الاقتصادي الاضافية انه يعلمنا ان ثمة قانونا لمكافحة الفساد، وانه قد تأخر صدوره. ليس المهم سبب التأخر. ول المهما التأخر ذاته. المهم ان الرئيس يلقي عمليا المسؤولية عن الفساد على المواطنين إذ يعلن ان «الدولة» تتكفل بمكافحة الفساد في الفئات العليا والوسطى من المجتمع، تبقى الفئات التي ما دون هذه وتلك، ومكافحة الفساد هنا تقعل على عاتق المواطنين! طبعا، مشهود لـ«الدولة» نجاحات باهرة في مجال مكافحة الفساد لدى الفئات العليا والمتوسطة ما يسمح للرئيس بأن ينتقل للحاضر محذراً من خطر نشوء «طبقة محتكِرة » تستغل الاحداث الحالية. الحالية؟!

لا تعليق.

المواضيع
سياسة
البلدان
العالم العربي سوريا فلسطين لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الحرب الديمقراطية القومية العربية سوريا

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.