حكمت المحكمة !
فواز طرابلسي
مع ان «المحكمة الخاصة بلبنان» لم تنجح في استصدار قرارها الظني رغم مضي اكثر من خمس سنوات ونصف السنة على جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الا انها نجحت في إعتقال لبنان واللبنانيين قيد التحقيق والظن، ومددت حكمها لاشهر وسنوات قادمة.
لنبدأ من النهاية. «المحكمة» هي جدول اعمال اجتماع مجلس الوزراء اليوم واجتماع هيئة الحوار الوطني غدا. الجهود منصبّة على التوصل الى تسوية تصالح بين مطلبين: محاكمة شهود الزور في محكمة عادية او في المجلس العدلي. وموقف فريقي الحكم معزّز بحجج قانونية. ولكن ما هو ليس معززا باي حجة هو كيف تقرّبنا محاكمة شهود الزور في محكمة عادية من «الحقيقة» اكثر مما لو حوكموا في المجلس العدلي، ولا هو واضح على الاطلاق كيف تسهم محاكمة شهود الزور في المجلس العدلي في التخفيف من وطأة القرار الظني على سمعة المقاومة، وسلاحها، اوفي تعطيل القرار، ناهيك عن التعجيل في الغاء المحكمة برمتها.
ومع ذلك نعيش يومين اضافيين من عمر خضوع لبنان لـ«المحكمة».
في الايام الاخيرة، تقلّبت اهواء «المحكمة» ايما تقلّب في اللعب علي اعصابنا. تبرّع رئيس وزراء سوري ليس معروفا بإسرافه في التصريحات بتصريح كرتوني ضد ١٤ آذار ما لبث رئيس الدولة ان عدّل منه، بعد ايام من القلق والرعب، بإعلان الحاجة الى رئاسة الرئيس سعد الحريري للحكومة… اللبنانية. وفيما تكرر روسيا حرصها على عدم «زعزعة» الامن في لبنان، يتصلّب الموقف الاميركي الذي يقال لنا انه يريد تخريب وساطات «سين سين» وهي في مطلع مبادرة تسير علي وقع الخلافات بين الدولتين حول آخر تشكيلة وزارية … عراقية. وإذ ترتاح الاعصاب بعض الشيء، تتصاعد صناجات وطبول معزوفة «الفتنة» مع تجدد الحديث، على لسان من يدعي القرب من «المقاومة»، بالاعداد لـ ٧ ايار جديد.
المحكمة تحكمنا ونحن نتعاطى مع المحكمة على الطريقة اللبنانية. نبحث عمن «يمون» على القاضي لتأجيل القرار الظني او حتى تبرئة «المتهم». هذا الطرف الاقليمي يطمأنك ان كل ما استطاعه تأجيل القرار الظتي حتى آذار. وتلك قوة دولية، همشتها التطورات الاخيرة، تعتذر لك بأنها لا «تمون» علي المحكمة. وصدّق إن كنت تصدّق. وفي كل الاحوال، يعود البحث مجددا الى دور «ولي الدم» والي ترتيب اقليمي للقاء بينه وبين السيد حسن نصرالله. لعل وعسى. وكيف ننسى، في معرض «لبننة» المحكمة، التي تحكمنا، الاثارة المستجدة للعرض والشرف والكرامة عندما يتعلق الامر بدخول عيادة نسائية، كأن تجاوز المحققين، فما لو كان ثمة من تجاوز، سوف يكون ارحم لو دخلوا عيادة طبيب بحثا عن ارقام هواتف لمرضى ذكور! الم يكن من الاجدر ان ترفض الطبيبة المشرفة علي العيادة النسائية استقبال فريق التحقيق الدولي، وان تطلب لاستقبالهم اذنا خطيا من نقابة الاطباء، وحضور احد ممثليها، وتصرّ على تسلّم امر قضائي باسماء النساء الـ١٧ واخيرا ليس آخرا، ان تصرّ على اخذ موافقة النساء لاعطاء ارقام هواتفهم للمحققين؟ اما كان الاجدى ان تخاض معركة تجاوز فريق المحققين لصلاحياته على هذا الاساس الشرعي القوي، بديلا من التظاهرة النسائية، وما اورثته وتورثه من نقل القضية الي مجلس الامن واتهام حزب الله بتهمة عرقلة التحقيق؟
اما الذين لا يسكتون على ضيم «الانتداب الدولي» على لبنان، تفرضه الامم المتحدة وامينها العام، فلا يرف له جفن ازاء فصل من رواية «حكم القناصل» الجديد تفتتحه اجتماعات «القناصل» السوري والسعودي والايراني في العاصمة اللبنانية.
اي ذنب ارتكبهاللبنانيون لتحكم عليهم «المحكمة الخاصة بلبنان» هذه الاحكام الجائرة ليسوا خارج الشبهات طالما انهم ارتضوا القبول باللعبة الجهنمية بين فريق «البحث عن الحقيقة» و «فريق التصدي للمؤامرة على المقاومة».
على ان الاتهام والحكم هنا يحتاجان الى قرار ظني. فاية محكمة صالحة لمثل هذا القرار؟
مهما يكن، تزامن السجال في قضية شهود الزور، والاستنابات القضائية السورية، مع تفجر قضايا داخلية، اقتصادية واجتماعية ومالية خصوصا.
تكشفت مخالفات بل فضائح في ادارة مالية الدولة وموازناتها في عهد جماعة «البحث عن الحقيقة» وما رافقها من هدر. في عهد المحاكمات، يتساءل المرء: متى يصدر «القرار الظني» في هذه القضية؟ ام علينا ان ننتظر صفقة بين الاكثرية والمعارضة تقضي بتمرير قطع الحسابات في مقابل الافراج عن الاموال اللازمة لاستئجار بواخر التزوّد بالطاقة الكهربائية. كأن التخفيف من انقطاعات التيار الكهربائي على المواطنين ترضية «للتيار الوطني الحر» وليست خدمة لبلد يغرق اهله في الظلام.
وطالما نحن في عهد النيوليبرالية والشفافية والريادة، من يطبق قانون« من اين لك هذا؟» ولو كرمى لعيون البنك الدولي وصندوق النقد، ناهيك عن وكالة الامم المتحدة للتنمية؟ من يطبقه على رئيس وزراء سابق متحريا عن شراكته – او عدم شراكته – مع صاحب امتياز «الاسواق الحرة» في «مطار رفيق الحريري الدولي»؟ واية سلطة قضائية تستطيع الزام رئيس الوزراء الحالي بالافراج عن عقود تلزيم شركة لم النفايات؟ علما ان الشركتين تهددان الدولة والشعب واحدة بإغراقنا بالنفايات والثانية بتدفيعنا غرامات فادحة في حال وقف التعاقد الرضائي مع هذه وتلك واللجوء الى المناقصات. اي قضاء يتعاطى مع امور كهذه في عهد المحكمة الدولية التي تحكمنا؟
تشهق الاسعار ارتفاعا في الضروريات من خبز ولحوم ومحروقات. فيتحدى مستوردو اللحوم وزير الزراعة، الذي لا يملك للرد اكثر من الاحتكام الى قوانين السوق وتنويع مصادر الاستيراد. وينكشف، لمن لم يكن إكتشف بعد، مدى خراب الزراعة وقد بات البلد يستورد ٨٠٪ من حاجاته الغذائية. وكل هذا تحت سمع ونظر «المحكمة الخاصة بلبنان». وإذ يسأل سائل عن الامكانيات المتوافرة للجم ارتفاع الاسعار، يأتيك هذا الخبر. السيد سامي حداد، وزير اقتصاد اسبق لقّب خطأ «وزير التجار»، – لأن الوزير الذي ليس هو «وزير التجار» لم يعرف بعد؟! ـالغى العمل بالمرسوم الاشتراعي القاضي تحديد سقوف الارباح عام ٢٠٠٦ . ولما اعاد الوزير محمد الصفدي العمل بالمرسوم، ادعى عليه التجار والصناعيون لدى مجلس شورى الدولة وحكم المجلس بوقف العمل بالمرسوم مجددا. الى اية محكمة يلجأ مواطنون يطمحون الى استرداد المرسوم الاشتراعي القاضي بتحديد سقوف للارباح؟
والى اية محكمة يمكن لمواطنين ان يرفعوا ظلامة الاستهتار بحقوقهم في المياه والنور، والخبز، والعلم باسعار ليست تجارية، وبالعمل في بلدهم، وبادارة ليست مزراب هدر، وبتشريعات واجهزة تراقب الاسعار وتحدد معدلات الربح وتمتلك القوة علي ردع المخالفات بما فيها مخالفات مجرمي السير؟ ولا نطالب باكثر، مؤقتا.
في عهد المحكمة «الخاصة» بلبنان، اي محكمة تحكم في هذه الامور «العامة»؟
