حرّية ميشال كيلو
والعلاقات السورية-اللبنانية
فواّز طرابلسي
إستعاد الكاتب والمناضل السوري العربي ميشال كيلو حريته يوم الثلثاء الماضي بعد ان أنهى ثلاث سنوات في السجن. وكان إعتقل في حزيران ٢٠٠٦ على خلفية توقيعه «إعلان بيروت-دمشق/دمشق-بيروت» وأحيل على محكمة الجنايات بتهمة «إثارة النعرات الطائفية والنَيل من هَيبة الدولة وإضعاف الشعور القومي».
صدر «الاعلان» المذكور بعد شهرين من المداولات والنقاشات بين عدد من المثقفين اللبنانيين والسوريين تنادوا من اجل «التصحيح الجذري» للعلاقات السورية-اللبنانية «وفاقاً لرؤية وطنية مستقبلية مشتركة». بلغت التوقيعات على «الإعلان» اكثر من خمسمائة توقيع قبل ان تقطعها حملة اعتقالات طاولت عددا من الموقعين في العاصمة السورية والمناطق.
منذ الاسابيع الاولى لاعتقاله، وحتى قبل مثوله امام المحكمة، رفض ميشال كيلو عروضاً رسمية بإطلاق سراحه مقابل أن يعتذر وأن يسترحم. لم يكن رفاق ميشال وأصدقاؤه ليتوقعوا منه غير ذلك. وها هو يستعيد حريته بعد ان نفّذ الحكم كاملا، لا بل أطلق سراحه بعد تأخير خمسة أيام على إنقضاء المهلة.
فليس لأحد مَنّة عليه او فضلا.
مرحباً بميشيل حرّا كما هو دائما.
ولعل أبلغ تعبير عن الفرح هو التذكير بـ«الاعلان» الذي دفع ميشال كيلو ورفاقه ثمن كلماته من حريتهم وأعمارهم، ولا يزال عدد منهم في السجن بينهم أنور البني الذي يقضي عقوبة خمس سنوات للتهمة ذاتها.
تجاوز الزمن مقدمة «الاعلان» التي تعدّد العوامل المباشرة لتدهور العلاقات بين البلدين. وتضيق المساحة عن مقطع طويل يذكّر بنضال الشعبين السوري واللبناني وتضحياتهما المشتركة من اجل الاستقلال والجلاء وقضية فلسطين ومقاومة الاحتلال الاسرائيلي. اما الرؤية البرنامجية، فيجدر إثباتها في النص:
«أولاً: إحترام وتمتين سيادة وإستقلال سورية ولبنان في إطار علاقات ممأسسة وشفافة تخدم مصالح الشعبين وتعزز مواجهتهما المشتركة للعدوانية الإسرائيلية ومحاولات الهيمنة الأميركية. وإننا ندعو في هذا المجال إلى إرساء تلك العلاقات على أسس نابذة لمشاريع الضم والإلحاق والاستتباع من جهة والاستعلاء والتقوقع والقطيعة من جهة أخرى.
في هذا الصدد، يطالب المشاركون السوريون بضرورة الاعتراف السوري النهائي باستقلال لبنان ومغادرة كل تحفظ ومواربة في هذا المجال. ويعلن المشاركون السوريون واللبنانيون معاً تمسُّكهم الحازم بمنع أن يكون لبنان أو سورية مقراً أو ممراً للتآمر على البلد الجار والشقيق أو على أي بلد عربي آخر. وإننا معاً نرى أن الخطوات الأولى في هذا الاتجاه تتمثَّل بترسيم الحدود نهائياً والتبادل الدبلوماسي بين البلدين.
ثانياً: نعلن تمسكنا بحق سورية في استعادة كامل أراضيها المحتلة في الجولان واستعادة لبنان أرضه التي لا تزال محتلَّة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا بكافة الوسائل المتاحة بعد الإعلان الرسمي السوري عن لبنانيتها تحت مظلة الشرعية الدولية، كما نؤكِّد تمسكنا بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وبما يضمن لفلسطينيي الشتات حق العودة إلى وطنهم تنفيذاً للقرارات الدولية.
ثالثاً: نؤكِّد أن الاختلاف في الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين بلدينا قابل لأن يكون مصدر غنى وتنوّع وتكامل لا يحول إطلاقاً دون التعاون والتنسيق والتكامل بينهما. على أن هذا يشترط إجراء تصحيح تلك الأنظمة بناءً على مراجعة نقدية شاملة للتجارب الماضية في البلدين معاً. وإننا نعلن في هذا الصدد عن إقتناعنا العميق بأنَّ البلدين قادران على ابتكار رؤية للتنسيق والتكامل بينهما بما يحقِّق تزخيم الطاقات والإمكانات والمزايا التفاضلية التي يزخران بها خصوصاً في مواجهة التحديات المتعددة التي تطرحها العولمة والآفاق الواسعة التي تفتحها.
رابعاً: نطالب بضرورة احترام وتنمية الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان وبناء دولة القانون والمؤسسات والانتخابات الحرة وتداول السلطة ووحدة الدولة وبسط سلطتها على كامل ترابها الوطني. ونؤكِّد على الأهمية الاستثنائية التي تكتسبها مسارات التحوُّل الديمقراطي في حماية الاستقلال وتعزيز قدرات شعبينا في معاركه الوطنية والقومية. بل نصرُّ على أنَّ سيادة نظم ديمقراطية في البلدين يشكل أفضل ضمانة لقيام ورسوخ علاقات متكافئة وسليمة بينهما. لكننا نتمسَّك، في الآن ذاته، بحق الشعبين في أن يختارا، وبكامل الحرية، النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يتلاءم وتطلعاتهما من دون أي إكراه.
خامساً: ندعو إلى إرساء العلاقات الاقتصادية بين البلدين على الشفافية والعلانية والتكامل بما يراعي المصالح الشعبية (…)
سادساً: ندين الاغتيال السياسي بما هو وسيلة جرمية للتعامل مع المعارضين وحل النزاعات السياسية، ونشدِّد على ضرورة تسهيل مهمة لجنة التحقيق الدولية من أجل كشف المحرِّضين والمنظِّمين والمنفِّذين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي الجرائم الأخرى وتحميلهم المسؤولية الجزائية والسياسية على جرائمهم وإنزال العقوبات التي يستحقونها أمام القضاء الدولي والرأي العام. ونرفض، في مطلق الأحوال، أي محاولة لفرض العقوبات الاقتصادية وسواها على الشعب السوري.»
إستنكر «الاعلان» في الفقرة السابعة أعمال التمييز والعنف ضد العمال السوريين في لبنان وطالب السلطات اللبنانية بإعتقال مرتكبيها وتقديمهم للمحاكمة. ودعا في الفقرة الثامنة الى «سن قوانين تنظّم انتقال العمالة واستخدامها بين البلدين لضمان مصالح العمال واحترام حقوقهم». وطالب في الفقرة التاسعة السلطات السورية بالكشف عن مصير المفقودين اللبنانيين. وختم بضرورة مراجعة الاتفاقات المعقودة بين البلدين «إختتاماً لمرحلة منقضية وإفتتاحاً لأخرى تقوم على التكافؤ والتعاون والمصالح المشتركة».
+++
بعد ان أصدر القضاء الرسمي حكمه، حريّ ان َيمثُل ميشال وزملاءه من كاتبي وموقعي «الاعلان» أمام محكمة الرأي العام في البلدين للحكم عليهم في هذه «القضية». وليس المهم فقط ان يصدر حكمه ما اذا كان ميشيل كيلو ورفاقه يستحقون السجن، ومهل السجن، على هذا الكلام وبالتهم التي إتهموا بها. الأهم ان يتقرر مدى صلاحية هذا «الاعلان» نقطة إنطلاق في نقاش، إزدادت ضرورته وبات الآن أرحب إمكانية من اي وقت مضى، من اجل صياغة وتطبيق رؤية مستقبلية للعلاقات بين البلدين تتعلّم من أخطاء الماضي ودروسه لكي تتجاوزها.
