العودة إلى المنشورات
منشورات مذكرات

جولة في تلك السنوات

جيلٌ حوّل الحدث العامّ إلى حدثٍ خاصّ، والتجربة إلى مختبر معرفة. ودُفع الثمن غالياً.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

[…] واجتماعية وفنية شملت العالم كله؛ فكانت الثورة الفلسطينية، والكفاح المسلح، وفييتنام، وغيفارا، وتروتسكي، والحركة الطلابية، وبيكيت، وأو كلكتا، والبيتن وغيرها من الحركات والأحداث التي خضّت العالم بمستويات مختلفة.

كان جيل الستينات في هذه البوتقة، ولكنه لم يتعامل معها كما تعامل الخمسينيون مع حركات التحرر في وقتها؛ فقد نقل الستينيون أوفياء لتجاربهم التي أخرجتهم من مجانية الاستجابة السريعة لما يدور حولهم. فتلك الذاتية ينبوعهم الأفنى، وهي ذاتية غير مجانية، ولا تشبه ما كان رائجاً عن مفهوم الذاتية بكونها انكفاءً على الذات، والتغنّي بمآثرها، بعيداً عن هموم الكون.

كان مفهوم الذاتية استقبال التجربة وإيداعها مختبر المعرفة والثقافة الخاصة، وإخراجها بدون افتعال إلى الورق، ملونة بخلاصة المفاهيم المتشابكة، والمواقف المتناقضة، ومفصولة بالرؤية الذاتية الصافية التي تضيء عالم التجربة، وتنقّي من غبار الواقف الخارجية. كان الحدث العام يدخل الذاكرة حدثاً عاماً، ويخرج منها حدثاً خاصاً. هكذا فُهمت الذاتية؛ وكان على بعضنا أن يدفع ثمناً باهظاً بسبب هذا الفهم الجديد للالتزام.

مسألة أخرى تنقل في البال: هي أن التجريب كان مستمراً في المبنى والمعنى وطرق الأداء وغيرها؛ كان همّاً فنيّاً، ليس للبحث عن الذات، وإنما للبحث عن العوالم الداخلية للإبداع الأدبي، والذهاب إلى المناطق غير المأهولة والأعماق القصوى في العملية الإبداعية. وكان للبعض من حظّ إعلان تجاربه في وقتها، في حين بقي البعض الآخر ـ وأنا منهم ـ متردداً في تقدير قيمة التجربة، ولم يكن في ظنّنا أن للتجارب مهما قلّت أهمية ما، فلم تُنشر، ولم يتعرف عليها الناس، ولم نتوفّاها نحن بالعناية. ربما لانشغالنا بغيرها، أو لظنّنا بضآلة الجدوى، أو لفوات الوقت. فالبحث والتجريب والتنوع والذاتية، بالمفهوم الذي ذكرناه، هي أبرز ملامح جيل الستينات. وقد قادت هذه الملامح إلى تجاوز عدد من الإشكالات التي كانت قائمة، مثل إشكالية (الغموض) التي لم تعد مشكلة عند الستينيين، باعتبار كون العملية الإبداعية لا تخلو منه، ومسألة الشكل والمضمون التي لم تعد ذات أهمية، وحتى الرموز الغربية كميدوزا وسيزيف وبينيلوب وغيرها التي خفّت واستُعيض عنها برموز أكثر قرباً من حياة الناس. وقد أدى هذا التجاوز إلى التخلّص من المباشرة في التعبير، واعتبار الإلتزام موقفاً لا أسلوباً.

ولا أدري، بعد، أهي تجربة الجيل الستيني، أم تجربتي الشخصية.

حزيران ١٩٩٢


جولة في تلك السنوات

اللقاء بمدينة للمرة الأولى لا يُنسى عادة. عندما زرت بغداد للمرة الأولى عام ١٩٦٣، كان رشدي العامل دليلي وأنيسي. كان كل رأسماله كتاب هو السطور الأولى لكتاب جمع بين دفتيه قارات باسم «نزهة في العالم»، ولكنه كان مدخلاً كافياً إلى عالم مثقفي العراق المشرقين بكل جديد. حداثيي لزيارة بدأت أكبر من الصداقات تجمّعت من أيام الدراسة في بيروت والقاهرة. أضف إلى مهمة التنسيق بين تنظيمية ناشئة تلك من تنظيمات اليسار الجديد، لبنان الاشتراكي، والمنظمة العمالية الثورية. حتى تلك الحين كانت صلتنا بالرفاق العراقيين تتلخّص بالرفيق محيي الدين، يتردد إلى بيروت بحكم وظيفته الحكومية، ولا يعرف منها غير مقهى «الأنكل سام»، يستقلّ التاكسي من المطار إلى المقهى رأساً، يهتف لأحدنا ويلبث في مقعده إلى أن يأتي من يأخذه. كان قليل التفصيل، كثير المبالغة. خلاصة تحليله، على مرّ الشهور والسنوات هو هذا: أن الأزمة بلغت أشدّها والثورة على الأبواب. كان شاطراً فقط في المطالبة بالتبرعات، يقول: إذا جمعتم تبرعات بالألوف الليرات ننظّم انقلاباً، أما إذا كانت التبرعات بعشرات الألوف، فنستطيع القيام بثورة.

كانت تلك زيارتي الفعلية الوحيدة إلى العاصمة العراقية. بعدها سوف أزورها في وفود لا تسمح لك بأي تواصل لا مع المدينة ولا مع الناس. والمدينة وروائع وأذواق وبشر وصور. حضرت عاشوراء في «الكاظم»، وزرت كامل الجادرجي في منزله. قصدّثني طويلاً عن إعجابه بكمال جنبلاط. باقي وقتي قضيته في المقاهي والمشارب في مواعيد ونقاشات لا تنتهي. لم يكن التحديث البعثي قد مرّ على شارع أبو نواس كانت ترصفه المقاهي الشعبية. تستلقي فيها على المقاعد الخشبية وتحتسي أكواب الشاي المتلاحقة فيما مياه دجلة تتدافع تحت قصيد وصوت أم كلثوم ينهال من مكبرات الصوت المثبتة في الأعمدة. تلك الأيام، كانت فسحة من الديمقراطية تتنفّس فيها العراق بعريه أيام حكومة البزّاز. في بيت قيس السامرّائي، ذقت للمرة الأولى لشهي ما يمكن أن يفطر عليه أمرؤ: «الكيمر» مع العسل. وفي الشارع، كان يطيب لي أن أتناول اللبن العيران المنعش، وارد كردستان، قرب الفندق المتواضع حيث سكنت، كان مطعم شعبي يقدّم وجبة «تشريب» على الدجاج. دُهشت لنظر الباصات الحمراء ذوات الطبقتين، على طراز باصات الإنكليز، وجدتها نابية في مدينة مثل بغداد. تعرّفت إلى كافة أنواع العرق العراقي: المستكي من والزحلاوي ولم أُعفَ من شرّ «الدابو كليجة»، بمثل ما تعرّفت إلى ممثلي كل التيارات الفكرية والأدبية وكل حساسيات الجيل الجديد من الكتّاب والأدباء، والفنانين.

زرت متحف «غولبنكيان» للفنّ الحديث. وفي معرض أحد الفنانين، شاهدت عاملاً يشتري لوحة فنية ويتعهّد بدفع ثمنها بالتقسيط.

وبغداد وجوه لا تُنسى: هناء الشيباني موظفة في وزارة الإصلاح الزراعي. بعد زيارتي صارت تأتينا إلى بيروت حاملة الرسائل الحزبية، باحثة عن الأطباء لمداواة أمراضها الكثيرة. تحمل معها الهدايا من الأقمشة النجفية خيطت عليها فصول من مأساة الحسين:

مولانا السبط الذي من غير جرم قتلوني.

بعد فترة، تركت هناء وزارة الإصلاح الزراعي لتتزوج من الذي أحبّه قلبها وانتقلت معه إلى قواعد الفدائيين الفلسطينيين في الأردن. لم يمضِ وقت طويل حتى جاءنا نعيها على ملصق. وقتها، كانت الناس تموت في الأردن من حوادث السيارات وحوادث الأسلحة أكثر مما تموت في العمليات الفدائية ضد إسرائيل. تعثّرت هناء خطأ بالكلاشنكوف فانطلقت رصاصاته لتصيبها…

«ليتكم في يوم عاشوراء، جميعاً تنظروني».

وجاءنا مكي من الموصل. كبر كرشه، وتصالح مع أبيه. لم يعد أبوه يريد أن يقتله لأن يشتغل في السياسة. ما عاد مكي يشتغل بالسياسة. صار يشتغل بالمقاولات… ولا عاد يهتم بآخر أخبار عمال القصدير في التشيلي وأدقّ تفاصيل خلافي في الحركة الثورية العالمية… قضينا سهرة في أحد الملاهي حيث أميركية ترقص الرقص العربي. لم يعد مكي يغني:

لو تطلعين ع السطح وِرجلك محنّايا
دا ينخسف السطح وينراد له بنّاية
أوي أوي دلال…

وفي كلّ هذا كان رشدي يلازمني ليل نهار وليلاً قبل نهار…ي.

بعد انقلاب البعث، اعتُقل رشدي بتهمة أنه مراسل مجلة «الحرية» البيروتية. وتعرّض لتعذيب شديد. كنا في «الحرية» نشرنا شهادة عن التعذيب في سجون العراق، فاتّهم رشدي بأنه هو من «سرّب» الشهادة. لم يكن رشدي هو الذي أرسلها. حصلنا عليها من قيادي ناصري خرج من السجن وجاء إلى بيروت. ومع ذلك كان على رشدي أن يلقى عقوبة فعل لم يرتكبه.

لم ألتقِ رشدي بعدها إلا مرة واحدة خلال زيارة لبغداد في عداد وفد يمثّل الحركة الوطنية اللبنانية. جاءني إلى فندق «بغداد» مع عصام، وكانا يعملان في صحيفة «الشعب» وقد باتت صحيفة علنية. اقترح رشدي مقابلة عن عشرة أيام هزّت العالم، لمناسبة ذكرى ما تتعلق بثورة أكتوبر الروسية. كنا منهمكين بأيام أخرى تهزّنا، في أيام الحرب الأهلية اللبنانية. كان لقاؤنا خاطفاً. وجدت قد ازداد جسمه تحولاً وسألته إذا كان المبعثون عذّبوه كثيراً. ومازحته: كيف أنت باقٍ على قيد الحياة بمثل هذا الجسم النحيل والقدرة على تجرّع تلك الكميات غير البشرية من العرق؟ وهو حدّثني بفخر وجدّية عن «حسّينا» ومن ابنه علي. وتبلبلت الكلمات في حلقه ثم دمعت عيناه وصمت.

وتعانقنا مودّعين.

ماذا حلّ بأصحابي في بغداد؟ من يدري. من مات مات، ومن جنّ جنّ. بعضهم في السجن وبعضهم في الحكم (مؤقتاً على الأقل). كثير منهم في المنفى، والاقتصادي منهم اقتصادي. والمهندس مهندس والبعض صار باشا مهندز. ومن تخيّل تخيّل. منهم من ظلّ فقيراً، ومنهم من أصاب الغنى الفاحش. ومن تزوّج ومن طلّق. ومن صار موظفاً كبيراً. ومن وصل ومن لم يصل. بعضهم صعد وثقل صناعداً. بعضهم صعد ثم سقط.

وخالد أحمد زكي. من يذكر خالد أحمد زكي؟ يرد ذكره أحياناً في البيانات وفي بعض الروايات… وخالد صورة الآن. فكيف لك أن تنسى صورته ممدداً على الأرض عند حافة الهور بالبزّة الخاكي وعيناه شاخصتاه في البعيد.

أراد أن يموت مثل غيفارا. فمات مثل غيفارا. وصوّروه شهيداً مثلما صوّروا غيفارا. لماذا الشهيد دائماً صورة؟ منذ عاشوراء حتى غيفارا، هي الصورة تشهد أنه قد شهد. أنها الشهادة على شهادته. تؤكد للأعداء أنه مات وللأصدقاء أنه لا يزال حياً.

عندما خرج الشيوعيون من العراق عام ١٩٧٩، سألت أول ما سألت لماذا لم يُخرجوا رشدي العامل معهم؟ على كامل رشدي تقع مسؤولية انهاض الحزب. لم يحاروا جواباً.

أبلغني أحد المسؤولين أن رشدي رفض المغادرة. في آخر رسالة منه، بتاريخ ١٩٨٥/١١/٢٨، ردّ على سؤالي عن أحواله: «تسأل عنّي؟ الحدائق مزهّرة يا صاحبي. التشريح والبنفسج يبعّد الجوري والأشراني وحتى الليلك… لكنها مسوّرة. ليكفي هذا، يا فواز.» كان يسمّي الحديقة على اسم ابنه علي. وأصدر ديوان شعر بالعنوان ذاته.

وتذكّرت قصيدة قديمة له يقول فيها: «أنك إذن الشجرة الوحيدة المتبقّية من غابة محروقة.»

كنت والصديق محمد سعيد الصكار نرتّب زيارة لرشدي إلى باريس. انتهت مهلة الشهر الممنوحة للسفر قبل أن يستطيع رشدي الحصول على تأشيرة دخول إلى فرنسا…

بعد أسابيع بلغنا نبأ وفاته.

هبط سور الحديقة على بنفسجها…


رسالة غير منشورة من رشدي العامل إلى محمد سعيد الصكار

ماذا تريد أن أخبرك عني؟

ظهيرة اليوم، قلّبتُ، محض صدفة، أوراقي بحثاً عن مقالة ما… فإذا باسمك الجميل «يُصنكر» أمام عيوني، عليك اللعنة! كنت تتحدث عن «المرقّ» ذلك «الكائن» الأسطوري الذي عاشته جوانحنا المتعبة ورؤانا المستحيلة.

بودي أن نظلّ معاً، عبر الحروف إذا لم يكن عبر العيون.

الطفلة

ما يزال الشعر رفيقي الدائم ـ المطمئن ـ وما تزال في العروق ينابيع منه.

رسالة عاجلة بلا شك. سيحدّثك عنها الأخ عيسى. أنا في شبه عزلة اختيارية. فقد رسمت مراكبي أخيراً… لا أنتظر شيئاً، ولا أتطلّع إلى شيء… مراكبي. البعيدة المطفأت أنوارها… وانصرف الملّاحون إلى عيدهم. انتظر رسالة منك…

أباركك والعنك وبالعكس

١٩٨٥/١١/٢٩

المواضيع
أدب وفن تاريخ سياسة
نُشر في
فراديس
المؤلف
فواز طرابلسي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.