العودة إلى المنشورات
منشورات مراجعات كتب

تيم ميتشيل عن الريع

الاستغلال ليس في علاقات الإنتاج فقط بل في السوق أيضاً — والجواب على الريع ليس «الإنتاج» بل الضرائب التصاعدية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

تعريف تيم ميتشيل للريع: يؤثر استخدام مقولة رسملة بدل رأسمالية، ضد تعريف الريع بما هو سيطرة على المكان. الرسملة مقابل الريع والترييع. الريع تحويل مداخيل مستقبلية الى مداخيل راهنة. في حين ان الرسمية تفترض اشكال سيطرة سياسية او احتكارات. ثمة تطور متواز بين النفط والمضاربة.

الاستغلال موجود في علاقات الإنتاج وفي السوق

بدايةً، أودّ التذكير بتاريخ مصطلح “الريعية” الذي بدأ بـ”الدولة الريعية”. نحن أمام مفهوم زَحل من موقع نظري إلى موقع نظري آخر. لقد طُرحت الدولة الريعية باكرًا خلال الستينيات، خاصةً في الإجابة على سؤال استشراقي ما زال يلازمنا وهو “لماذا تغيب الديموقراطية عن العالم العربي”؟ اعتمد مفهوم الدولة الريعية في الدول النفطية وتعميم على المنطقة العربية عموما لتفسير غياب الديمقراطية فيها، اعتبار أن الشعب في تلك البلدان لا يموّل دولته بل هي الدولة نفطية التي تكسب ولاء قطاعات واسعة من الشعب بواسطة التقديمات المالية من موازنة عائدات النفط في انمظة من غياب الضرائب والرعاية الاجتماعية. وهنا النموذج استشراقي مبسّط: لا دفع ضرائب بدون تمثيل. وجرى تطبيقه على المنطقة. بدون برزت نظريات حازم الببلاوي وجياكومو لوتشياني التي فَرضت تعميم الوضع الخليجي على المنطقة. ولا يزال هذا الأمر سائدًا ولا يزال يُعتمد نموذجًا، والسبب غير مفهوم، فكل هذه المنطقة بسكانها الـ370 مليونًا، تُعرَّف اقتصاديًّا في العادة انطلاقًا من هذا العدد القليل من الدول النفطية، والتي هي بالطبع الأكثر حظوةً في الرأسمالية العالمية.

وتجدر الإشارة ثاينا إلى أن نقض الريعية وإعلاء شأن الاقتصاد الإنتاجي لم يكن موجودًا عندما كانت قسمة العمل الامبريالية قائمة بين حول بلدان تستورد المواد الطبيعية وتصدّر مواد مصنّعة وبلدان تصدّر المواد الطبيعية وتستورد السلع المصنّعة. ولكن عندما بدأت الدول الرأسمالية المتقدمة تفريع الصناعة، صار لزامًا التصنيع في الأطراف وأن تتحول بلدانه إلى بلدان منتِجة، علمًا أن لبنان كان يُعتبر ذا اقتصاد عجائبي بسبب غلبة قطاعَي المال والتجارة.

يمكن تعريف الاقتصاد الريعي على أنه الاقتصاد حيث معظم الدخل يتأتّى من السيطرة على الأرض، وهو التعريف الذي يشمل الريع الزراعي وأشكالاً مختلفة من الريوع الناتجة عن السيطرة على المكان، فالخوات التي تفرضها الميليشيات مثلاً يمكن اعتبارها ريوعًا مفروضة ممّن يسيطرون على مساحة معينة من الأرض والبشر بواسطة القوة او السلاح. فإلى أي مدى يمكن تسمية الاقتصاديات العربية ريعية؟ الاقتصاد اللبناني مثلاً يُسمّى ريعيًّا انطلاقًا من أنّ ميزان المدفوعات يتوازن بناءً على تدفق حوالي 7 مليارات دولار متأتّية من تحويلات العاملين في الخارج ومن الاستثمارات الخارجية المباشرة التي تتراوح نسبتها بين ٢٠ و٢٥٪ من الناتج الإجمالي المحلي. هذا هو التفسير الرئيس للاقتصاد الريعي. كان يقال إنّ رؤوس الأموال هذه مُسيطَرٌ عليها سياسيًّا، وهي بدعة غريبة، علمًا أن معظمها يودَع في المصارف، وان قسمًا كبيرًا منها يُنفق على التعليم والاستهلاك، أو في استثمارات شتّى. ثم إن تحويلات العاملين في الخارج تبدو ريعية بالنسبة لمن يتلقاها وينفقها لكنها – بالمناسبة – ليست ريعية تمامًا، طالما أنها نتاج عمل لبنانيين في بلاد الاغتراب يرسلونها إلى ذويهم في الوطن.

قطاع الخدمات قطاع اقتصادي منتج

للأسف، تتسرّب إلى اللغة السياسية المعارِضة الثنائية الآتية: إما اقتصاد ريعي يقوم على تحميل الريعية كل تفسير للأزمات، وإما بديله، الاقتصاد الإنتاجي. ويقدَّم هذا الأخير بما هو الجواب على الأزمة وعلى أنه الحل. أن (إنّ؟ أنْ) [إن ] لا أقل من ثلاثة أرباع الناتج الإجمالي المحلي في لبنان يُنتجه قطاع الخدمات الذي يتضمّن الخدمات المالية والتجارية والسياحية. وقطاع الخدمات قطاع اقتصادي منتِج، بمعنى أنه قائم على عمالة ينتِج عمُلها قيمةً مضافة يحوّلها مستخدِمو هذه العمالة إلى ربح. تتولى العمالة في قطاع التجارة تحقيق القيمة المضافة التي تحتويها السلع المعروضة للبيع، ولبنان بلد يستورد عشرة أضعاف ما يصدّر. وهكذا، فالغائب عن أحادية الجانب في تقديم وتعريف الاقتصاد الريعي أمران: أولاً؛ أننا في اقتصاد سوق، والسوق هي الطرف المهيمن في الاقتصاد، وأن اقتصاد السوق اقتصادٌ رأسمالي، بمعنى أن الاقتصاد قائم ليس فقط على إنتاج السلع، وإنما على استيرادها ورواجها وتداولها واستهلاكها، إلخ. وهو يُغفل أيضًا أن القطاعَ الثاني، أي قطاع الإنتاج، هو أيضًا ميدان استغلال لليد العاملة فيما هو يقدّمه كبديل عن الريعية ليس إلا.

للبنان باع طويل في موضوع الاقتصاد الإنتاجي. مع انتهاء الحرب الأهلية، قام مشروع إعادة الإعمار على استثمارات ضخمة في البناء التحتي على اعتبار أنه بذاته يجذب تدفّق الاستثمارات الخارجية المباشرة. بالفعل، وردتنا عشراتُ المليارات من رؤوس الأموال. لكنها توجّهت نحو قطاعَي العقارات وسندات الخزينة. أي أنها أدّت النتيجة العكسية المتوخاة التي كانت تريد تجنّب قيام نظام غير إنتاجي. فتولّد عكسه، أي توسُّع كبير في إنتاج الريوع في المضاربة على العقارات وعلى الدين العام. والآن نحن أمام خطر تكرار المحاولة ذاتها. ذلك أنّ مشروع “سيدر” يفترض أنه سيقدّم للبنان بـ١١ مليار (سيقدَّم بـ11؟ سيقدِّم 11؟) ١١ مليار دولار لإعادة بناء بناه التحتية على وعد تدفّق رساميل خارجية مباشرة تصحّح الاختلال الريعي وتتّجه نحو قطاعات الإنتاج. وهذا في بلد ألغى كل الرسوم والحمايات الجمركية متغافلاً عن أن رأس المال يتجه بالسليقة إلى حيث أعلى معدلات الربح.

في تاريخ الرأسمالية في لبنان، إن رأس المال التجاري استحوذ على السوق – من خلال سيطرة الأوليغارشية المالية- التجارية على السلطة السياسية وطرد رأسَ المال الصناعي إلى خارج البلاد. أي أننا حققنا أهداف النيوليبرالية في زمن الليبرالية: تحويل الإنتاج الزراعي والصناعي نحو التصدير وتحمّل أعباء المنافسة في الأسواق الخارجية. والآن، وقد انتقلنا من اللييرالية إلى النيوليبرالية، تقدّم الدولة محفّزات لتصدير المنتجات الصناعية. يبقى أنّ السوق اللبنانية واقعة تحت سيطرة أربعة أو خمسة قطاعات تسيطر عليها الاحتكارات التجارية – في الغذاء، والدواء، والمحروقات، والمواد الغذائية والأدوات الزراعية، إلخ.

مهما يكن من أمر نمو قطاعات الإنتاج، فإنها تسهم في تخفيف العجز في ميزان المدفوعات أكثر ممّا تسهم في خلق فرص عمل وخفض أكلاف المعيشة على الأكثرية الشعبية.

إلى هذا، يجب التشديد على أن سيطرة الشبكة المالية التجارية تعني أنّ الاستغلال ليس يتم فقط في علاقات الإنتاج، إنما أيضًا وخصوصًا في السوق، ومن خلال آليات السوق. والحقيقة أنّ القسم الأكبر من اللبنانيين في الطبقات المتوسطة- وهي تشمل لا أقل من نصف السكان- لا يتعرضون للاستغلال في علاقات الإنتاج بل يُستغلّون في السوق.

فواز طرابلسي

كل عمل ينتج قيمة مضافة

في مسألة الريع تدقيقات سأعالجها بطريقة مختلفة. إنّ قيمة هذا البحث لا تنحصر في بُعده الأكاديمي والنظري، بل في كيف يؤدي إلى مقاومة الرأسمالية. أود التدقيق في أننا ما زلنا نضع “فائض القيمة مقابل الريع”. والنقطة التي ندور حولها هي استمرار المقارنة بين إنتاجٍ يُنتِج فائض قيمة وريعًا. ما زلنا واقعين في الشّرك نفسه.

سأبدأ من لبنان. إن أكثرية سكان لبنان لا يعملون في القطاعات الإنتاجية، في الصناعة والزراعة، وبالتالي يصبح السؤال “هل هم يمارسون عملاً أم لا يمارسون”؟

إنّ قسمًا من النشاط الاقتصادي اللبناني هو تحقيق قيمة مُضافة منتجة في الخارج أو مقدَّمة للخارج ويقتطعون منها حصة محلية في التجارة الخارجية خصوصًا. في المقابل، يجب التشديد على أن كل أشكال العمل تنتِج بالضرورة قيمة مضافة. مجددًا، إنّ أكثرية اللبنانيين لا يعملون في الصناعة أو الزراعية ولا ينتجون سلعًا صناعية أو زراعية، لكنّ أجراء ومستخدمي القطاع التجاري يساعدون، في عملهم، في تحقيق القيمة المضافة التي تحتويها السلع المستوردة أو المنتجة محليًّا، إذ لا يستحصل المنتج على القيمة المضافة التي تحتويها سلعته إلا عندما تباع في السوق، أي تتحول من سلعة إلى مال. لكنّ الأجراء والمستخدمين في القطاعات غير الإنتاجية ينطبق على عملهم قياسُ ماركس لإنتاج القيمة المضافة: الوقت الضروري اجتماعيًّا لإنتاج الخدمة التي ينتجونها. وكما في أي عمل مأجور، لا بدّ أن تكون قيمة الوقت الضروري اجتماعيًّا لإنتاج الخدمة المعينة أدنى من مقابل الأجر الذي يتقاضاه الأجير على إنتاجه. وهذا الفارق هو القيمة المضافة التي أنتجها عمله والتي تتحول إلى ربح وتُسهم بالتالي في التراكم الرأسمالي.

هذه أفكار أولية واحتمالية. لكني أجازف بعرضها. في عودة إلى ثنائية ريع/ عمل منتج، أي عمل صناعي وزراعي: إذا كان لا مجال للنقاش في أهمية تنمية القطاعات الإنتاجية من الاقتصاد، فنموّ هذه على حساب الريوع لا يعني نهاية هذه الأخيرة خصوصًا عندما نوسّع تعريفنا للريوع بحيث يشمل أرباح المصارف، وأرباح الاحتكارات، والفوائد، والريع السياسي، وغيرها، أي النشاطات التي لا تصدر مباشرةً عن عمل يمارسه من يجني ثمار تلك النشاطات.

إن المؤدّى العملي لهذا التصنيف يقودنا إلى الآتي: يجب تغريم كل دخل لا يَنتج عن العمل. ليس المهم ما إذا كانت عائدات الاحتكار أرباحًا أو ريوعًا ؛ما يهمّ هو أنّ الجواب على الاحتكار ليس الإنتاج (خصوصًا أن الاحتكار موجود في القطاعات الإنتاجية هي أيضًا)، إنما الجواب عليه هو سَنّ قوانين ضدّ الاحتكار، أو نقل ملكية المرفق الاحتكاري المعني إلى الملكية العامة. وفق المنطق ذاته، الجواب على العائدات الريعية ليس الإنتاج بل هو التغريم بواسطة الضرائب التصاعدية على الثروة. والجواب على توليد المال بواسطة المال، أي الفوائد، هو أيضًا فرض الضرائب التصاعدية على الفوائد. والجواب على ريوع المضارية العقارية هو فرض الضرائب على التحسين العقاري وعلى الخلوّ التجاري، إلخ.

نحت ياسين مصطلح «الشخبوطية» نسبة الى الشيخ شخبوط امير أبو ظبي الأسبق للتكنية على التأخر الاجتماعي والايديويوجي البدوي، والريفي على حافة البداوة، مع ثروات مالية (ريعية) لا صلة لها بإنتاج المجتمع تنمّي نزعة استهلاكية للمواد الغربية في الوقت الذي تحجز فيه منتجات الحضارة الغربية من قومية وعقلانية وعلم. وقد لاحظ منذ ذلك الحين تأثر تلك النزعة على البلدان العربية المجاورة.

المواضيع
إقتصاد سياسي
البلدان
الشرق الاوسط
نُشر في
بدايات
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الاقتصاد الريعي الرأسمالية النفط لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.