العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الُمرابي والمديون

المصارف تربح المليار والدولة تقترض من الخارج لتدفع لها — والسلعة الوحيدة المدعومة هي الطوائف. هذه دولة تستحق الهدم.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

الُمرابي والمديون

فوّاز طرابلسي

لعل تشبيه علاقة الدولة بالمصارف بعلاقة المرابي بالمديون قد لا يحمل اي جديد. لكن التعرّف الى خصوصيات تلك العلاقة قد يحمل بعض المفاجآت ويلقي اضواء جديدة على زوايا معتمة في النظام اللبناني.

الدولة مديونة وديونها تفوق المعدلات المسموح بها دوليا. والمعروف ان معظم ديونها هي ديون للمصارف المحلية. في العلاقات بين الدول المانحة والدول المديونة، عادة ما تذهب دول العالم الثالث الفقيرة الى الدول الغنية تطالبها بشطب البعض من ديونها، على اعتبار ان الدائن قد استوفى بالفوائد اضعاف الدين الاصلي. وعادة ما تستجيب الدول الدائنة لهذا الطلب فتعمد الى شطب بعض الديون على اعتبار ان ايصال المديون الى حالة الافلاس ليس من مصلحة من يريد تحصيل ديونه.

هذا العادة المتبعة في سائر انحاء العالم ليست من عوائدنا. هنا لا تطالب الدولة المصارف بشطب ديون لها. نقطة على السطر.

تقترض الدولة من الغريب لدفع فوائد الدائن المحلي، من اهل البلد. هكذا تقتضي الكرامة الوطنية. تستعين الدولة بالدول الشقيقة والصديقة من عربية واجنبية لمنحها قروضا ميسّرة او هبات من اجل ايفاء ديونها لمن؟ للمصارف اللبنانية (وهي ليست مصارف «لبنانية» تماما وبكامل معنى الكلمة). وهذا تقليد جديد في علاقات المديونية الدولية حيث القاعدة هي العكس. ولكن ليس هذا هو المهم. المهم ان الدول الشقيقة والصديقة ومعها المؤسسات الدولية، لكي تحجم عن إلزام الدولة بإشهار افلاسها، تطالب في مقابل قروضها الميسّرة والهبات بـ«الاصلاحات». وتكاد تتلخّص هذه بالخصخصة ووقف الهدر والتخلي عن دعم السلع المدعومة وتقليص الانفاق الحكومي والحد من الفساد. ولهذه المهمات مصطلح لا بد ان نعتاد عليه هو «الحوكمة». الخصخصة قيد البحث وقد نزل الى حلبة النقاش حولها مصطلح جديد هو «التشركة». اما باقي بنود «الحوكمة» فلا يبدو ان الدولة قد انجزت ما يسمح بتبريد قلب الدائنين من اهل واغراب.

طبعا توجد وسيلة بسيطة ومعروفة لخفض الدين هي خفض معدلات صرف العملة اللبنانية قياسا الى الدولار. إمتنعت الدولة حتى عن اللجوء الى هذا الاسلوب لتخفيف عبء الدين المتنامي عليها. قررت عدم المسّ بتثبيت صرف العملة. إذاً لا حظ في خفض الدين بهذه الوسيلة. علما ان الخطوة وردت ضمن توصيات باريس ٢. ما يعني ان الطرف الذي وقف حائلا دونها ينتمي الى الدائنين من فصيلة «الاهل» لا «الاغراب».

المشكلة هذه السنة ليس ان الدولة قد عجزت في خفض العجز في الميزانية فقط. المشكلة ان الميزانية تشكو عجزا اضافيا. كيف لا، ولدينا رئيس وزراء جديدا لا بد ان يتبحبح. ومعه وزارة توافقية. والتوافق قد يزيد «النموذج اللبناني» تألقاً وإشعاعاً، لكنه يزيد من الاعباء على المالية العامة. خلاصة الامر ان الدولة قررت ان تطالب المصارف بأن تقرضها ملياري او ثلاثة مليار دولار من دون فائدة كما حصل بعد مؤتمر باريس -٢ عندما أقرضتها المصارف مبلغ ٣،٧ مليارات دولار لمدة سنتين بفائدة صفر.

والخبر انه يتوقع ان ترفض المصارف طلب الدولة. علل عليمون بعالم المال اسباب الرفض بإنخفاض عائد الفوائد على اعتبار ان الفوائد بعد باريس -٣ متوسطها ٧ في المئة في حين كانت ١٦ في المئة بعد باريس -٢ حين وافقت المصارف على القرض بفائدة صفر.

في الامر اكثر من ذلك. الحقيقة ان المصارف في ازمة وهي ليست ازمة سهلة. وإن تكن ازمة سيولة. فقد تدفق عليها من الاموال السنة الفائتة ما يفيض عن المتوقع وهي ليست تدري كيف تتديّر بها. ازداد حجم الودائع بنسبة العشرين في المئة. وبلغت موجودات القطاع المصرفي (٥١ مصرفا) ١٣٠ مليار دولار، منها ٧٠ مليار في المصارف الاربعة الرئيسية. وفوق ذلك كله، ارتفعت الارباح بطريقة مزعجة لتصل الى مليار و٦٨٠ مليون دولار، تبلغ ارباح المصارف الاربعة الاولى منها ما يقارب المليار.

ما العمل؟ يجب على الدولة ان تساعد القطاع المصرفي. وهو المنطق عينه. وإلا ما نفع الدولة؟ كيف تساعد الدولة المصارف؟ تنطّح احد الاقتصاديين لإعطاء الجواب: لا حلّ لازمة فائض السيولة وفائض الارباح وفائض الموجودات وفائض الودائع إلا في ان تستثمر المصارف اموالها الفائضة في … الخارج. ويقع على الدولة ان تتدخل لمساعدتها في سعيها هذا.

ونحن نعيش طبعا في نظام الاقتصاد الحر، لا تتدخل فيه الدولة في الاقتصاد. نعني تتدخل لرسملة المصارف بفوائد طاولت الاربعين في المئة. وكرمى لعين المصارف، تتدخل الدولة لتقترض من الدول الشقيقة والصديقة من اجل إيفاء المصارف المحلية ديونها. ولماذا؟ لكي تظل المصارف تعلن ميزانيات تتعالى فيها نسب الموجودات والودائع والارباح. وليتباهى حاكم مصرف لبنان بأن لبنان اضاف الى معجزاته معجزة جديدة هي إنفراده دون سائر المعمورة في أنه لم يتأثر بالازمة المالية العالمية قط. أما عن تأثر اللبنانيين بأزمة السيولة وفائض الارباح في قطاعهم المصرفي فعلى الله!

وتتدخل الدولة، بل يجب ان تتدخل، لا من اجل تشجيع المصارف على توظيفاتها في الداخل، وهي الثلث من إجمال توظيفاتها اصلاً، ولا في زيادة حصة الزراعة والصناعة التي لا تتجاوز الـ١٥ في المئة من هذا الثلث. لا. يجب ان تتدخل الدولة، في نظام الاقتصاد الحر، من اجل ايجاد اسواق خارجية لاستمثار الفائض من السيولة المصرفية.

وهو طبعا نظام اقتصاد حر، لا تتدخل فيه الدولة في الاقتصاد. لا تتدخل يعني تتدخل لخفض الدعم على السلع وعلى المحروقات المدعومة. وتتدخل لرفع نسبة الضرائب على القمية المضافة ولزيادة الرسوم والضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات. ولا تتدخل الدولة، من اجل زيادة مواردها، لرفع الضرائب على المداخيل او على الارباح او على التحسين العقاري، ناهيك الرسوم والضرائب علي الارث. ولا تتدخل لاستعادة حقوقها في الاملاك البحرية.

ويقولون لك ان رفع الضرائب على المداخيل والارباح سوف يؤثر على تدفق الاستمثارات الخارجية. والذين يتحججون بهذه الحجة، هم انفسهم الذين يشتكون بأن لدينا من الاستثمارات الخارجية ما يفيض عن حاجات المصارف.

والدولة التي تتخلّى تدريجيا عن كل دعم يعنى الحياة اليومية للمواطن وخبزه، لا تزيد دعمها للسلعة الوحيدة المدعومة. الطوائف. بإسم «حرية العبادة»، تتدخل الدولة لإلزام المواطن والمواطنة بالخضوع لقانون الاحوال الشخصية كل حسب تحدّره الطائفي من صلب الاب. والطوائف مدعومة، تدعمها الدولة بتمويل المحاكم الشرعية المذهبية لجميع الطوائف واحدة واحدة الى ان نصل الى السابعة عشرة منها. والطوائف مدعومة، تعفيها الدولة من الرسوم والضرائب على نشاطاتها الاقتصادية. ولا تكتفي الدولة بهذا المستوى من الدعم للطوائف المدعومة. تدعمها ماليا في التعليم والاستشفاء والخدمة الاجتماعية وغيرها من النشاطات… المدعومة. بل ان الدولة قد درجت، وبلدياتها، على عادة منح الاوقاف الدينية املاكا للدولة على سبيل الهِبة. «كرمٌ على درب» هذه الدولة. هكذا تكون الدول وإلا فلا. والانكى انه يقال ان الطوائف انما تضطر الى تجشم عناء كل هذه الادوار لسد الثغرات في … تدخل الدولة! وهل من يجروء على رفع الصوت مطالباً بألغاء الدعم على الطوائف؟

ومع ذلك ثمة من يريدنا ان نصدّق ان لا دولة في لبنان. وانها بحاجة الى بناء.

حريّ القول: هذه دولة تستحق الهدم!

المواضيع
إقتصاد سياسي
البلدان
لبنان مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الاقتصاد السياسي الرأسمالية الفساد النيوليبرالية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.