اليمن على المفترق
فواّز طرابلسي
اعلن الرئيس علي عبدالله صالح انتهاء الحرب في صعدة. سلّمت الحركة الحوثية كل مراكز اليمن التي كانت تحتلّها وسمحت للجيش اليمني بالانتشار على الحدود مع العربية السعودية وخطا الطرفان خطوات كبيرة في مجال فتح الطرقات واطلاق سراح الأسرى والمعتقلين. في المقابل تعهدت صنعاء بعدم ملاحقة المقاتلين الحوثيين.
هي إذاً حرب عسكرية تنتهي بإجراءات عسكرية. ولكن هل هي ان نهاية الحرب هذه تعني السلام؟ سؤال لا بد من طرحه بعد خمس حروب في تلك المناطق تنتهي بحلول عسكرية فقط. ولا شيء عن الاعمار والتعويض وترميم العلاقات بين صعدة وصنعاء وحقوق الحوثيين في التعبير والعبادة والانماء وما الى ذلك.
ترافقت التهدئة العسكرية في الشمال الغربي مع تصعيد اعمال العنف في المحافظات الجنوبية التي تعيش عسكرة متزايدة. يتصدرها قرار بإطلاق النار على التحركات السلمية الدوّارة. هذا في وقت تتسع فيه تلك الاضرابات والتظاهرات والاعتصامات لتشمل كل المناطق الجنوبية يشارك فيها عشرات الاف من اليمنيين. ومن جهة اخرى، يتزايد القمع ويرتفع عدد القتلى والجرحى. اضف اليها الاعتقالات بالمئات بما فيها اعتقال الصحفيين واغلاق الصحف. ناهيك عن مصادرة معدات التصوير لقناتي «الجزيرة» و«العربية»؟
لم ينجح الرئيس علي عبد الله صالح في اقناع احد بأن المحافظات الجنوبية هي بؤرة «الارهاب» لتنظيم «القاعدة». كل ما نجح فيه هو دفع اعداد متزايدة من اليمنيين الى الاقتناع باستحالة التعايش مع نظامه مقدّماً برهانا اضافيا عن الكيفية التي تدفع بها السلطات «الوحدوية» الجماعات والافراد من مواطنيها للتحوّل الى «انفصاليين».
عام ١٩٩٠ نشأ كيان يمني جديد عندما توحّد اليمن لاول مرة منذ عقود بل قرون من التجزئة بين جنوب مجزأ الى ٢٤ سلطنة وامارة ومشيخة خاضعة للاستعمار البريطاني وشمال إمامي، ثم بين جمهورية يمينية في الشمال وجمهورية يسارية في الجنوب، تبادلتا الحروب ومحاولات الانقلاب واحدتها ضد الاخرى. ولكن، بدلا من اعتبار الوحدة عملية بناء للوحدة الشعبية في ظل دولة تتسع لجميع ابنائها، إعتبر «التشطير» منتهيا بقيام الوحدة. وبدلا من بناء الدولة والنظام الجديدين بجمع افضل ما انتجته التجربة التاريخية لـ«الشطرين»، جرى استظهار الاسوأ من كليهما. وعندما تفاقمت مشكلات الشراكة بين النظامين والحزبين الحاكمين سابقا في الشمال والجنوب، حلّ النزاع بالإحتكام الي السلاح وقوة الجيوش وتحكّم المنتصر بالمهزوم.
ومن يرد تفسيرا لشعبية «الحراك الجنوبي» الحالية فليأخذ في الاعتبار أن جيلا جديدا من اليمنيين نشأ في المحافظات الجنوبية لم يختبر أخطاء ولا سلبيات النظام «الاشتراكي»، ولا عرف فرحة الفترة الاولى من الوحدة، بل عاش في ظل اشكال مختلفة من التمييز والقمع والحرمان في ظل نظام «الوحدة».
ولا بد من التشديد هنا على المرض الوحدوي العضال وهو المماهاة بين الوحدة وبين المركزية. وههذه باتت اقرب الطرق الى تنمية النزعات الطرْفية بل الانفضالية. فكيف اذا كان يتربّع على رآس السلطة المركزية حكم فردي تقلّصت قدراته التوزيعية وطاقاته على الضبط القمعي وهو يواجه استحقاقات اقتصادية وسياسية لا متناهية ليس اقلّها الاضطراب داخل السلطة ذاتها حول موضوع التوريث.
الآن وقد وصلت الاوضاع على مفترق طرق، في ازمات اليمن ما الذي يمكن توقعه بالنسبة لمصير المسألة الجنوبية؟
استنجدت صنعاء بمؤتمر لندن الشهر الماضي بإسم «الحرب على الارهاب». فنجحت في تحييد الوضع الاقليمي والدولي عن قضيتي الحركة الحوثية و«الحراك الجنوبي». لكنها لم تنجح في اقناع الدول المانحة بالاغداق في المساعدات كما كانت تفعل من قبل. ربطت الدول المانحة مساعداتها بما أسمته «الاصلاح السياسي والاقتصادي» مع تشديد خاص على مكافحة الفساد. ولما لم يخطر في بال الحاكم ان يحاور او ان يفاوض احزاب المعارضة الست، من اشتراكيين وقوميين واسلاميين، المنضوية في «اللقاء المشترك» طوال تلك الفترة من الازمات والحروب، ها هي الولايات المتحدة تأخذ المبادرة فتدعو الى طاولة حوار بين نظام صنعاء واحزاب المعارضة. واين؟ في عاصمة بلد طاولات الحوار: بيروت!
لم يجد نظام صنعاء بعد طرفا خارجيا يلقي عليه تبعات «الحراك الجنوبي» لتهبّ الى نجدته جوقات من المحيط الى الخليج التي ترى القشّة في عين المؤامرة الخارجية ولا تعاين الجسر في عيونها. ولا يرفّ لها جفن عندما ينجح عرب، يفترض انهم يكافحون المؤامرات الخارجية التقسيمية، في تنفيذ تماما اهداف تريده المؤامرات الخارجية حرفيا.
اقل ما يمكن قوله عن حرب صعدة، ان لم الاسلوب العسكري لم يحقق اي انجاز غير الخراب. فما الذي يضمن نجاح العنف في المحافظات الجنوبية؟ هل من احد يتعلّم من تجاربه المأسوية فيفتح الحوار اقلا مع قادة المعارضة الخارجية وممثلين عن «الحراك الجنوبي»؟
المؤكد انه لم يعد من سبيل غير الاعتراف بوجود مسألة جنوبية. ولا بد من استفتاء شعبي، بإشراف عربي، للتعرّف عن رغبات اهالي المحافظات الجنوبية. ولا يزال في الامكان قطع الطريق على الانفصال وانقاذ وحدة اليمن بواسطة الفيدرالية. هذا اذا كنا نعني وحدة الشعبي اليمني.
هل يملك النظام اليمني الجرأة على مثل هذا الخيار؟ ام تراه يكتفي بالرمزيات المستهتِرة؟ يعبّر عنها هذا الخبر: رُفَع عَلَم ضخم للجمهورية العربية اليمنية، عرضه ثمانية أمتار وطوله ٧٥ مترا، امام القصر الجمهوري، «تدليلا على رسوخ الوحدة اليمنية»، حسبما صرّح احد المسؤولين!
