العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

اللبنانيون راضون

كارلوس غصن ينصح لبنان: «لا تقوموا إلا بما هو سهل». والجارة على الشرفة تقول «الله يلعن هذا البلد» — لعلها تذكّرنا بأن البلد هو نحن.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

اللبنانيون راضون

فواّز طرابلسي

المئات القليلة من اللبنانيين الذين لبّوا نداء الحزب الشيوعي اللبناني، لأيام خلت، فعقدوا تحركات أثاروا خلالها قضايا الناس المعاشية لا بدّ انهم قوم من المضلَّلين او من الذين لا زالوا يحسبون ان السياسة تساس بالاديولوجيا.

فاتورة كهرباء، غلاء المعيشة، سعر الرغيف، البطالة، هجرة الشباب، مصير الجامعة اللبنانية والتعليم عموما، الفساد، التفاوت الاجتماعي والمناطقي،

بوار الزراعة، الآثار غير الحجَريّة لعدوان اسرائيل الصيف الماضي، ازمة صندوق الضمان الاجتماعي، الخ.

أنظر اليهم ما اصغر عقولهم. يثيرون مثل هذه القضايا التفصيلية في وقت يقف فيه البلد امام مفترق مصيري بين استحقاق الرئاسة ومخاطر الحروب الاقليمية! بل تصوّر ان هؤلاء الشباب والبنات المعتصمين امام مبنى الضمان الاجتماعي لا زالوا يعتقدون بأن في لبنان «طبقات» و«طبقية». وهو طبعا من مبتكرات افكارهم المستوردة.

اما آن الاوان لنعترف بأن لبنان فريد. وفرادته انه مكوّن من طوائف. طوائف متكاملة متكافلة موحدة. بفقرائها ومتوسطي الحال والاغنياء، بمغتربيها ومقيميها، برجال دينها والنساء ورجال دنياها والنساء، راضية مرضية كل واحدة منها تحت راية زعيمها الاوحد، او زعيميها. ولها شركاتها ومتاجرها ومدارسها وافكارها وعقائدها وجمعياتها الخيرية والعائلية والعشائرية وجامعاتها واحزابها وسلاحها وصناديقها المناطقية واذاعاتها ومحطات التلفزيون. وماذا تريد اكثر من ذلك؟ أبية، عنفوانية، لا تنام على ضيم اذا تجاوز «الآخر» على حماها المقدّس (ولو بشراء قطعة ارض في خراجه) او بزّها بتوظيف حاجب وزارة او سلبها حقها في مقعد وزاري اضافي.

حتى «المستضعفون في الارض» و«المحرومون» لم يعودوا يحتاجون الى التظاهر من اجل قضاياهم المعاشية، ما يسمح لهم بالتفرّغ للإعتصام من اجل القضايا «الوطنية الكبرى». بل يمكنهم التنعّم بـ«السياحة المؤمنة»، على اعتبار ان ما احد احسن من احد، وان ما تحققه طائفة في زمن سوف تحققه اخرى كانت ادنى منهم كعباً بعد بعقد من الزمن. وحصرمة في عين جماعة «إنا نحب الحياة»!. وقد يقال لعلنا يجب ان نشكر حزب المستضعفين على تأمينه الحد الادنى من «الامن الاجتماعي» في َالضاحية الجنوبية. وقد يكون ذلك من عيون الكلام. ولكن، من يتولى تحقيق الامن الاجتماعي على مستوى الوطن كله؟ وهل هذا يساهم في ذاك ام يعطلّه؟ ناهيك عن «الأمن الامني»؟

ولماذا الاهتمام بتفاصيل من مثل الدَين العام؟ ما هو الدين العام؟ اننا نستدين من المصارف المحلية، أي يستدين المجتمع اللبناني من بضعة عشرات من اللبنانيين يسيطرون على القطاع المصرفي او هم من كبار مالكي محفظات سندات الخزينة. نعجز عن التسديد؟ ولا يهمّك! نقول لرئيس فرنسي ان يعقد لنا مؤتمرا، ثم نروح نشكو امرنا الى الآخرين، عربا واجانب، يجودون علينا بديون مخفضة الفوائد، لتسكت الدولة بها دائنيها اللبنانيين! اليس هذا غيض من فيض مما ينسب الى اللبناني الشاطر بأنه يبيع الهواء. ولكنه في هذه الحالة قد يكون أقرب الى أكله.

والكل طبعاً ضد الفساد. ولا تساهل في هذا الامر. والكل يهدّد الكل بفتح الملفات. وبئس المصير. ونصدِّق، مثل الصادقين نصدّق! وكل منهم ينوء بكلكل فاسدين جالسين عن يمينه واليسار. ولا من يسائل فاسدين او مفسِدين. ولو مجرّد مساءلة. بل ان بيروت تستطيع ان تتباهى بأنها لا تزال مختبر العالم العربي. فها هي «المنظمة العربية لمكافحة الفساد» تعلن عن نفسها فيها، ولدى القيّمين عليها من حسن النوايا والبرامج التعليمية والتطلّب الاخلاقي ما يثير الاعجاب. يتعهدون لنا في مؤتمرهم الصحفي بأنهم لن يتعففوا عن الحديث عن المفسِدين وليس فقط عن الفاسدين. ولكنهم، مع الاسف، لن يسهموا في نزع السِتار عن حالة فساد واحدة، من المحيط الى الخليج، ولو كانت «يمامة» الامير بندر.

ورجاء! رجاء! كفانا مزايدات في موضوع البطالة والهجرة! هذه اوروبا تزيد نسبة البطالة فيها اضعاف اضعاف ما هي عليه في لبنان ولا من يجد لها حلا. وقد تسألون: ولكن اي بلد في العالم تبلغ نسبة سكانه العاملين خارجه ما يوازي النصف؟ فيأتيكم الجواب على لسان رئيس الوزراء يمتدح «الإنسان اللبناني الذي لم يقف صغيرا امام حجم لبنان الـ١٠٤٢٥كلم الذي نحفظ ترابه برموش أعيننا،». ولكن طموحنا نحن اللبنانيين، يكمل الرئيس السنيورة، «يتعدى الـ ١٠٤٢٥ الى القيم التي قام عليها لبنان، قيم الحرية والانفتاح والتميّز…». وهي قيم معروف انها تسمِن وتغني عن جوع!

وإن كنتم لا تصدّقون، أتيناكم بمغترب اجترح المعجزات إذ اخرج كبريات شركات السيارات اليابانية من محنتها على امل ان يسهم في انقاذ لبنان من محنته. وهاك ما لديه: الحلم، الذي يجب ان لا تقتصر ممارسته على «القطاع الخاص والفنانين» بل يجب ان تمارسه ادارات الدولة ذاتها؛ ارضاء المستمثرين الكبار وخصوصا الشركات عالمية، توافر استراتيجية تضاف الى الحلم تقوم على التمثّل بسرّ النجاحات الآسيوية في السنوات الاخيرة، وهو «عدم القيام الا بما هو سهل».

الحلم؟ لنحلم. بماذا؟

ارضاء المستثمرين: هل ان لبنان سوق تغري المستثمرين من الشركات العالمية؟ وما هو حجم ما قد توظّف حتى الآن فيه منذ انتهاء الحرب من طرف الشركات العالمية؟

اما عن الحلول السهلة، هذا هو اختصاصنا يا سيّد كارلوس غصن. ها نحن نقوم بما هو سهل في أزمة الكهرباء (١٢ مليار خسارة الى الآن!). فعلى الرغم من حدّة المعركة السياسية المصيرية وفي هذا الوضع الاقليمي والدولي المتفجّر، توافق «الستة الكبار»، ولم يمنعهم عن ذلك ارتفاع منسوب الشتائم التي تبادلوها، نعم توافقوا على حل ازمة الكهرباء بخصخصة الانتاج! فإذا الانقطاعات تزيد وتيرتها والتحذير يتصاعد من ان «البلد» لا يملك اكثر من احتياطي كهرباء لاربعة ايام. كان ذلك من اكثر من اربعة ايام طبعا. وسوف يقولون لك للتطمين انه تكتيك تلجأ اليه شركة كهرباء لبنان لوضع الدولة امام الامر الواقع وطلب قرض اضافي على ميزانيتها. ولكن ماذا عن كارتيل المحروقات، والقسم الاكبر من المشتركين الذين لا يدفعون الفواتير، والهدر بالمليارات، واحتكار التجهيز، الخ.

في كل الاحوال، اللبنانيون راضون من هذه الناحية، ناحية النوافل الصغيرة المتعلّقة بمعاشهم.

القلق هو على مصير انتخابات رئاسة الجمهورية. والانقسام على اشدّه بين «استقلاليين» و«وطنيين». يبحثون في جنس الملائكة، وهو الاسم المستعار لموعدها ونصابها ومن سوف يفوز. وجميعهم يعرف جيداً ان هذه كلها سوف تفرض عليهم فرضا ولن يعرف احدهم الفائز، الا بعد الاعلان عن إسمه على طريق دمشق، كما في السابق، او على طريق عوكر-دمشق كما هو متوقع او مؤمّل. وإلا لا رئيس.

اللبنانيون راضون. وعند كل انقطاع في التيار الكهربائي، الجارة على شرفتها تدخن النارجيلة تشتم لا الحكومة ولا الحكم ولا اي زعيم من الزعماء «الستة الكبار». تصوّروا انها حتى لا تشتم الدولة على ما هو دارج القول: «ما في دولة». لا، انها تقول «الله يلعن هذا البلد».

أحار فيما تعنيه الجارة. هل تُلقي اللوم على الآخرين، على جاري عاداتنا، ام هي تذكّرنا، ربما من حيث لا تدري، بأن «البلد» هو نحن؟

المواضيع
إقتصاد سياسي سياسة
البلدان
لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الاقتصاد السياسي الحزب الشيوعي السياسة اللبنانية النقد الاجتماعي لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.