العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الفقر إنْ جاع...

طفل يموت كل خمس ثوانٍ من الجوع — و«فاو» تقرّر «القضاء عليه» دون مبالغ ولا مواعيد. «الفقر إنْ جاع بياكل الملك» — فكيف إذا كان الفقير هو الجائع؟

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

الفقر إنْ جاع…

فواز طرابلسي

لمرة جديدة، تقرر قمة منظمة التغذية والزراعة (فاو) حول الامن الغذائي في العالم، في ختام دورتها الاخيرة في روما، «القضاء على الجوع». ولكنها إمتنعت هذه المرة عن التعهد بتخصيص مبالغ معينة لدعم الانتاج الزراعي في الدول الفقيرة وعن تعيين موعد للقضاء على الجوع، على جاري العادة في مثل هذه الحالات. اكتفى المجتمعون بالتأكيد على ضرورة تخفيض عدد الجياع وفقا لقرار كانوا إتخذوه اصلا العام ٢٠٠٠.

ثمة مليار ومائة مليون انسان من ضحايا النقص الغذائي، إن شئنا استخدام الاسم الملطّف للجوع. ويموت كل سنة ستة ملايين طفل من الجوع، بمعدّل ١٧ الف في اليوم وطفل واحد كل خمس ثوان، على ما ذكّرنا بان كي مون، الامين العام للامم المتحدة.

هل الجوع والفقر واحد في عُرف الامم المتحدة؟ السؤال وارد لأن المليار المذكور للجوع هو نفسه الرقم المعلن لعدد الفقراء. قد يختلف الامر بناء على المقاييس المعتمدة لهذا وذاك: السعرات الحرارية للنقص الغذائي والدخل اليومي للفقر. لكن الحال واحد.

ومهما يكن من امر، لم تكن الاحصائيات مرة بريئة. في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، زمن اقتحام البلدان المستقلة للامم المتحدة، عندما كانت كتلة البلدان الاشتراكية لا تزال على قيد الحياة، كانت وكالات الامم المتحدة تقيس توزيع الدخل على النطاقين العالمي والمحلي. فتتبيّن من تلك الاحصائيات نِسب التفاوت الاجتماعي بين الطبقات الغنية والوسطى والفقيرة، وكان ذلك يسمح بالتأشير الى نمو او تقهقر مستوى العدالة والرفاه والمساواة في البلد المعني او على النطاق العالمي، ناهيك الى اقتراح الحلول والمعالجات التنموية منها والتوزيعية. من وحي هذه المنهجية، مثلا، درس الاب لوبريه وفريقه في بعثة «ايرفد» التركيب الاجتماعي اللبناني في الستينات من القرن الماضي وأدهش اللبنانيين بمدى التفاوت المناطقي بين المركز البيروتي الجبلي والاطراف ومبلغ تركّز الثروة في فئة الـ«٤ بالمئة»، كما عرف المتحكمون بالاقتصاد والثروة آنذاك.

الآن، زمن العولمة النيوليبرالية، يكاد ان يكون الاحصاء مقتصرا على اثنين: المليار الاكثر غنى والمليار الاشد فقرا. لا نعرف الكثير عن الاولين. وبديلا من قياس توزيع الدخل المناطقي والاجتماعي، يجرى قياس الفقر وملحقه: النقص الغذائي. اكتسب الفقراء لقب المهمشين. ما يوحي بأن المليارات الاربعة او الخمسة من البشر الواقعة بين المليار الاغنى والمليار الافقر يعانون الوفرة. او انهم منطقة حرام تمنع اقامة ايه صلة سبية بين غنى الاغنياء وفقر الفقراء، او بين امراض التخمة التي تصيب اعدادا متزايدة من سكان «الشمال» وامراض الجوع في العالم المستعمر سابقا. ولم يكن مستغربا، وقد جري انتزاع الفقر من البنية الاجتماعية المتكاملة، ان تجده يتحول الى ما يشبه الآفة او الوباء اللذين يستدعيان «الاستئصال»، حسب المصطلح الذي تعتمده وكالات الامم المتحدة ذاتها.

ولقد أكثرت الامم المتحدة من التعهدات والمواعيد لاستئصال الفقر بقدر ما أكثرت من التعهدات والمواعيد للقضاء علي الجوع. ومع ذلك، لم يتحقق تقدّم يذكر في المجالين المترابطين. قليلون جدا هم المسؤولون الذين يستطيعون الحديث عن دور ما لهم في تخفيف عدد الفقراء وتقليص عدد الجياع في بلاده. يلمع بينهم واحد هو الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الذي حضر القمة وتحدث عن انجازاته في انتشال عشرين مليون من البرازيليين من عالم الجوع.

المطلوب تأمين ٤٤ مليار دولار لكي تحقق الدول الفقيرة الاكتفاء الذاتي من الغذاء، حسب النداء الذي وجهه امين عام «الفاو» جاك ضيوف. فشلت «الفاو» في انتزاع مثل هذا التعهّد من الدول الثماني الكبرى التي لم يحضر رؤساءها القمة إلا رئيس الوزراء الايطالي المضيف. وبين هذه الدول الثماني الكبرى واحدة هي الولايات المتحدة خصصت خزينتها ٧٤٧ مليار دولار لانقاذ قبضة من كبار الرأسماليين من الافلاس وللابقاء على مستوى ربحية كبار المصرفيين وأصحاب الشركات المالية.

فأي تعليق أبلغ من مجرد المجاورة بين الرقمين!

لسنا نعيش في عالم من الندرة. منذ مطلع الثورة الصناعية تحررت الانسانية لاول مرة في التاريخ من الندرة الاقتصادية، اي انها من تعد محكومة بالتناقض بين تزايد عدد السكان وبين توافر الغذاء لاعالتهم. باتت الاقتصاديات العالمية تنتج من السلع والغذاء والثروات عموما ما يسمح بسد الحاجات الاولية لمجموع سكان المعمورة.

ما الذي يمنع «استئصال» الفقر و«القضاء» على الجوع، هذين الهدفين الغاليين على الموسسة الدولية؟ لا شيء يمنع في دائرة الانتاج. كل شيء يمنع في دائرة التوزيع المتفاوت للموارد والثروات والامكانات بين قلة من البلدان والكثرة منها. كل شيء يمنع في عالم اطبقت عليه رأسمالية اخضعت كل شيء للتسليع ولمنطق الربح: الارض، الماء، الغذاء والدواء. قل لا يمنع شيء الا سوء توزيع المداخيل في العالم وداخل الاقطار ذاتها. تقول احصائيات الامم المتحدة نفسها ان ١٠٪ فقط من ثروات المئات القليلة من اصحاب المليارات في العالم كافية لسدّ حاجات المليار فقير من الغذاء وماء الشفة والدواء!

لا شيء يمنع الا المضاربة على المواد الغذائية واحتكار اسواقها من قبل حفنة من كبريات الشركات المتعدية الجنسيات. لنتذكر ان ٥١٪ من اكبر الاقتصاديات في العالم – من حيث الناتج المحلي- ليست دولاً بل هي هذه الشركات المتعدية الجنسيات. واحدة منها فقط هي شركة «كارغيل» الاميركية، التي تصل مبيعاتها الى ٧١ مليار دولار، تسيطر على ٤٥٪ من تجارة الحبوب العالمية.

نقيض الامن في تعريف المؤسسات الدولية ومصطلحاتها هو الارهاب. اليس تخريب الامن الغذائي وقتل البشر بالفقر والجوع والمرض، عن سابق تصوّر وتصميم، هو الارهاب عينه؟ اليس وفاة الاطفال من الجوع في عالم الوفرة والتخمة هذا «ضربا من القتل»؟

لفتة واحدة للتذكير باوضاعنا. عندما كان الخبراء في مستقبليات المنطقة يبحثون في الامن الغذائي العربي، كان تسودهم هناءة استثنائية. كانوا يقولون: هاكم السودان، إهراء العالم العربي ومرعاه، يستطيع وحده ان يؤمن حاجات المنطقة كلها من الحبوب واللحوم.

والآن، تعالوا وشاهدوا السودان…

تعالوا وشاهدوا في اي حال هو السودان…

يبقى ان العام ٢٠٠٨ كان عام انتفاضات الجوع في عدد من مناطق العالم. ماذا عن الاعوام القادمة؟ يتوقع عدد لا بأس به من الخبراء المزيد منها.

في «هالة والملك» أطلقت بطلة المسرحية الرحبانية هذا الانذار:«الفقر إن جاع، بياكل الملِك».

فكيف اذا كان الفقير هو الجائع اصلا؟

المواضيع
إقتصاد سياسي
البلدان
دولي
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الاقتصاد السياسي النقد الاجتماعي النيوليبرالية

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.