الففر والنيوليبرالية والإحسان
فوّاز طرابلسي
«الفقراء ليهم الَجنّة. طيّب. والفقراء دول ما َلُهمش نصيب في الدنيا؟ نصيبهم كله في الآخرة؟ هم عايزين نصيب صغيّر في الدنيا ويِدُّوكم قُصَاده نَصيب في الجنّة؟» (جمال عبد الناصر)
كان نصيب فقراء العالم من الاسبوع الماضي قمتين دوليتين، إنعقدت كلتاهما في مدينة واحدة، هي نيويورك، عاصمة العالم المالية.
القمة الاولى هي قمة «اهداف الالفية التنموية»، المسماة «قمة الفقر»، التي حضرها ١٤٠ من قادة دول العالم. استبقت المستشارة الالمانية انجيلا مركل فشل القمة المتوقع بسبب هزالة الانجازات، بإعلانها ان اهداف الالفية التي جرى تحديدها منذ عقد من الزمن لن تتحقق بحلول العام ٢٠١٥ الذي حدد لنهاية تنفيذ مشاريع الالفية. والمقصود خصوصا البند القاضي بتخفيض عدد الفقراء في العالم الى النصف. ذلك ان التوقعات الاشد تفاؤلا تشير ليس فقط الى العجز عن تحقيق اي تقدم في وقف زحف الفقر، بل الى ان عدد الفقراء في العالم مرشح للزيادة بنسبة ٦٠ مليون نسمة للعام الحالي قياسا الي ٥٤ مليون للعام السابق. للتذكير فقط، اعلنت الامم المتحدة عام ١٩٩٧ عاما لـ«القضاء علي الفقر»!
وعلى افتراض ان الالفية حققت اهدافها، يبقى ان عدد الاطفال تحت سن الخامسة الذين سوف يموتون سنويا يناهز الـ ١،٢ مليون، ويبقى ١٠٠ مليون انسان محرومين من مياه الشفة، فيما يظل الجوع من نصيب ٤٠٠ مليون انسان في هذه الحياة الدنيا.
لتدارك تلك االوضاع الانسانية المتردية، خصصت القمة قسما كبيرا من الاموال للعناية بصحة الام والطفل ومكافحة الاوبئة ومرض فقدان المناعة. ولهذا الغرض، قررت المجموعة الاوروبية زيادة مساهمتها بمليار يورو اضافي. ولكن لا حاجة لأن تغرّنا الارقام. بعد عقد من الزمن، ما من واحدة من الدول الغنية تصل نسبة التزاماتها المالية في مشروع الالفية الى نسبة .،٧٪ من دخلها الاهلي، وهي النسبة المتفق عليها اصلا. بل ان حصة الولايات المتحدة لا تزيد عن .،٢٧٪ من دخلها الاهلي. اما حجة الازمة العالمية وسياسات التقشف فلا تقنع كثيرا اذا علمنا ان ارباح اغنى اغنياء الولايات المتحدة البالغ عددهم ٤٠٠ مليون، تصل الي الترليون ونصف وهي قد زادت بنسبة ٨٪ لهذا العام «المتأزم».
حقيقة الامر ان القمة تعلن اخفاق المعادلة النيولويبرالية التي توهم بالمقدرة على تصحيح اختلالات السوق بواسطة الإحسان الذي هو الاسم الفعلي للمساعدات الدولية على الطريقة الاميركية. وقد حددت لها اهدافا تبدو كلها انسانية في مضمار الحد من وفيات الامهات والاطفال ومكافحة الفقر والاوبئة ومرض فقدان المناعة. لم تكن الرأسمالية بحاجة الى الاحسان تبريرا وسلاحا واستخداما مثلما هي الآن. وقد وجّهتها على الدوام ضد سياسات التنمية والعدالة الضريبية بالدرجة الاولى.
في المقابل، فإن خدمة المديونية وحدها تكفي لالتهام المساعدات المالية الشحيحة التي تقدمها بلدان الشمال الى بلدان الجنوب. وتصدير العمالة الرخيصة يبدو انه السبيل الوحيد للجواب على ازمات البطالة، على الرغم من انتقال اجزاء كبيرة من الصناعات الاوروبية والاميركية الى بلدان آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية. في المقابل، تنتقل الثروات المحلية تهرّبها النخب السياسية والمالية والعسكرية للايداع او التوظيف في الدول الغنية. اما الفقراء، فلهم الهجرة ونصيب العديد منهم من هذه الدنيا الموت غرقا عند شواطيء اوروبا او على الاسلاك المكهربة على الحدود المكسيكية الاميركية او معاناة التمييز العنصري اذا ما تسنى لهم دخول بلدان الجنات الموعودة. هذا عندما لا يتم التخلص منهم محليا بواسطة القمع والحروب والاحتلالات، ناهيك عن الحروب الاهلية.
وليس ادل على تهافت هذا النهج النيوليبرالي من اضطرار الرئيس اوباما الاعلان، في خطابه امام القمة، عن نية ادارته وضع استراتيجية جديدة لمكافحة الفقر تتم عن طريق دعم التنمية. وهو اعلان مفاجيء وينطوي على قدر لا بأس به من الوقاحة. فبعد عقود على سياسات التعديلات الهيكلية والشروط القاهرة التي يضعها البنك الدولي لفرض خصخصة كل شيء في بلدان الجنوب، بما فيه المياه، وفرض اواليات السوق، وتحريم دعم المواد الغذائية والمحروقات والتعليم والصحة، وادانة كل المناهج التنموية، ها هو رئيس الولايات المتحدة، البلد الذي يسيّر تلك المؤسسات وييتحكم بالاقتصاديات الدولية، يدعو للانقلاب عليها والعودة الى التوظيف في… التنميةا. هل يجب اخذ اعلان الرئيس الاميركي على محمل الجد؟ ام علينا ان نرجح ان خطابه امام «قمة الفقر» سوف يلقى المصير اياه الذي لقيه خطابه الشهير في القاهرة: الوعود التي تغايرها المصالح والبلاغة التي تنقضها الافعال.
جاءت القمة الثانية كأنما مكملة للاولى لتزيد من غرائب الاجوبة التي يعطيها الاغنياء على طلبات الفقراء.
في اليوم الذي تلا اختتام «قمة الفقر» استقبلت نيويووك افتتاح مؤتمر «اصدقاء اليمن»، احد افقر البلدان في العالم العربي والعالم. تقدمت الحكومة اليمنية من المؤتمر، فيما تقدمت به من مطالب، بمناشدة العربية السعودية ودول الخليج فتح ابوابها لاستقبال اربعة ملايين عامل يمني، تخفيفا للبطالة المستشرية في البلد الذي كان يسمى سعيدا. جاء الجواب اغرب من الطلب. اكدت احدى توصيات المؤتمر على ان يتم تخصيص مساعدات لتدريب العمالة اليمنية ورفع كفاءاتها. يقيس هذا الجواب الفارق بين «اسياد الجوع والفقر» المتسلطنين في المؤسسات الدولية، وفي مقدمها البنك الدولي، وبين واقع بلدان الجنوب. لا حديث هنا عن تنمية بل عن عمالة. كأن وجود ملايين العاطلين عن العمل في اليمن ناتج عن كونهم ايدي عاملة غير ماهرة فيما الاقتصاد اليمني – الذي خربت زراعته ولم يقم لصناعته قائمة تذكر، ويعيش على عائدات المغتربين والمساعدات الخارجية ومقاولات الحروب، اي دم ابنائه – كأن هذا الاقتصاد بات من التطور التكنولوجي بحيث اخذ يقذف عماله غير المهرة خارج قطاعات العمل والانتاج ويستدعي ملاين العمال والكوادر المهرة!
وطالما الإحسان هو سيّد الموقف، تبارى عدد من اغنى اغنياء العالم، عشية انعقاد «قمة الفقر» واثنائها، على اعلان تخصيص القسم الاكبر من ثرواته للبر والاحسان. تميز منهم من قرر منح كل ثروته للاعمال الخيرية. هذا جورج شورس (٨٠ سنة) يخصها بكامل ثروته البالغة ١٤ المليار دولار. إفتتحها بمنح «هيومان رايتس واتش»، المنظمة غير الحكومية الدولية المتخصصة بحقوق الانسان والحريات، مئة مليون دولار. من جهته، يميل بيل غيتس الى منح معظم ثروته الى مجال الصحة. الا ان مؤسس «ميكروسوفت» تميز عن زميله الاقل ثراء باعلانه انه لن يترك لاولاده من المال ما يغنيهم عن العمل. في اقل تقدير، هذا صاحب مليارات واحد ضد التوريث، يؤمن، بما يسمّى تكافوء الفرص، على الاقل في السباق بين الاغنياء.
وما دمنا في سيرة التوريث، لا يجوز ان يغيب عن البال ان كل هذا السخاء ليس معزولا عن الرغبة في التهرّب من الضرائب الباهظة على الارث والتي تصل الى ما يزيد عن ٩٠٪ في بعض الدول الغربية. وهكذا، بديلا من البحث في الفوارق في المداخيل وفرص العمل وانماط الحياة بل فرص الحياة ذاتها، يجرى التركيز على الفقر بما هو آفة من الآفات. ويحل محل دفع الضرائب للدولة – اي للمجال الذي يتولى اعادة توزيع الاجتماعي والخدماتي – التصدّق بالاموال على جماعات او مؤسسات او مجالات اجتماعية بعينها. وفيما الضرائب التي تستوفيها الدولة مغفلة وتعني جميع المواطنين، فإن اموال الاحسان معلنة، بل مدعاة دعاية وتفاخر، تنتقل ممن هم «فوق» الى من هم «تحت» ولكن دون ان تحدث تغيّرات تذكر في اوضاع هؤلاء الاخيرين، على الرغم من ضخامة المليارات المصروفة.
في الذكرى الاربعين لوفاة الرجل الكبير، يمكننا ان نبلغه ان نصيب الفقراء من الدنيا (وخصوصا في مصر واليمن!) لا يزال هو… الفقر النامي. اما عن نصيبه الفقراء من الجنة، فالعلم عنه في … الآخرة.
