العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الدم اليمني في ذكرى الوحدة والانفصال

تُحيي اليمن ذكرى وحدتها بالدم والانفصال، بعد تجربة وحدوية لم تعمّر طويلاً بسبب التمييز، ما يستدعي اليوم استفتاءً شعبياً على شكل الحكم، خصوصاً في الجنوب.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

الدم اليمني في ذكرى الوحدة والانفصال

فواز طرابلسي

بالدم تعمدت الذكري الثانية والعشرين لاعلان الوحدة اليمنية في ٢٢ ايار ١٩٩٠. لا اقل من مئة ضحية بين قتتيل وجريح حصدها التفجير الانتحاري المنسوب الى تنظيم القاعدة وسط وحدات عسكرية تتدرّب في صنعاء على العرض العسكري المزمع تنظيمه بالمناسبة. اما في الطرف الثاني من البلاد، فإحتفال بمناسبة نقيضة هي اعلان «فك الارتباط » بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية الذي أعلنته القيادة الجنوبية خلال ما سمّي «حرب الوحدة والانفصال» بين شطري اليمن يوم ٢٢ ايار ١٩٩٤. احياء لهذه المناسبة، تظاهرات صاخبة لقوى «الحراك الجنوبي» من حضرموت الى عدن ولحج تعرّضت للقمع بالرصاص من قبل القوى الامنية والعسكرية ومسلحي «التجمع اليمني للاصلاح».

لعل اكبر مفارقة بين شطري اليمن منذ نيل الجنوب استقلاله، وتوحيده اواخر العام ١٩٦٧ هو التناوب على مدى عقدين من الزمن بين الشطرين على حروب حدودية ومحاولات نظام اسقاط النظام الآخر لا تلبث ان تنتهي بإتفاقيات وحدة. لا اقل من خمس اتفاقيات للوحدة بين التوأمين اللدودين قضت اولاها الموقعة في تعز اواخر ١٩٧٠ باقامة اتحاد فيدرالي. ونشب اول اقتتال حدودي عام ١٩٧٤ انتهى بتوقيع اتفاقيتين للوحدة في القاهرة وطرابلس تلتهما ثالثة في الجزائر في اواخر العام. وجاءت المحاولة الجادة لتحقيق الوحدة بين البلدين مع استيلاء اللواء ابراهيم الحمدي على الحكم في صنعاء العام ١٩٧٤. قضى على التقارب الشديد بين البلدين اغتيال الحمدي يوم ١١ اكتوبر ١٩٧٧عشية زيارة له الى عدن لتوقيع اتفاقية وحدة مع الجنوب. توتوت العلاقة بين الشطرن جراء اغتيال الحليف الشمالي. ردّ الجنوب بالضلوع في اغتيال الرئيس اجمد الغشمي، الذي خلف الحمدي والمتهم باغتياله، بمعاونة علي عبدالله صالح. خسرت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية رئيسين لاسباب تتعلّق بالشمال والوحدة. الرئيس سالم ربيع علي، الذي جرى تحميله المسؤولية عن اغتيال الغشمي وتنفيذ الاعدام به. والرئيس عبد الفتاح اسماعيل الذي جرى تحميله المسؤولية عن محاولة اسقاط النظام الشمالي بواسطة حملة عسكرية داخل الاراضي الشمالية في العام ١٩٧٩. عارض الحلفاء السوفيات الحرب وقطعوا إمداد السلاح عن حلفائهم الجنوبيين، وانتهى الامر باتفاق الكويت بين الرئيسين عبد الفتاح اسماعيل وعلي عبدالله صالح، والعودة الى المشاريع التوحيدية. وسوف يزاح عبدالفتاح اسماعيل عن رئاسة الحزب والدولة بعد اشهر من الحدث.

تضافرت ثلاثة عوامل على الدفع اخيرا باتجاه الوحدة: حرب التصفية بين أجنجة الحزب الاشتراكي اليمني في ١٣ يناير ١٩٨٦؛ انهيار الاتحاد السوفياتي؛ واكتشاف حقل نفط كبير على الحدود بين البلدين وضعهما معا امام امتحان الوحدة او الاقتتال مجددا. مع ذلك، تم الاتفاق على الوحدة بإرتجال شديد كاد ان يتلخص في اتفاق شفوي بين الامين العام للحزب الاشتراكي علي سالم البيض والرئيس علي عبدالله صالح على وحدة اندماجية فورية. عارضت العربية السعودية المشروع الوحدوي وعرضت تغطية ديون اليمن بديلا من السوفيات. لكن التصويت في المكتب السياسي أصرّ على الخيار الوحدوي. في المقابل، كان للوحدة راعيان صدام حسين عربيا والولايات المتحدة المتحدة دوليا، وقد رأت الاخيرة في الوحدة تصفية للنظام الماركسي العربي الوحيد الحليف للاتحاد السوفييتي.

لم تعمّر التجربة الوحدوية اكثر من اربع سنوات. تصورها الجنوبيون مناصفة للسلطة والقرار بين حزبين حاكمين، المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني، كان مطلعها قيام مجلس رئاسي تمثّل فيه الطرفان وتسليم الرئيس السابق للجنوب رئاسة الوزراء، وحضور وازن ومتوازن للجنوبيين في الوزارات والادارة والقيادة العسكرية. فيما رأي علي عبدالله صالح في الوحدة لا اكثر من عودة الجنوب – «البريطاني» تارة و«الشيوعي » تارة اخرى – الى بيت الطاعة. وجاءت الانتخابات النيابية في نيسان ١٩٩٣ لتحوّل الحزب الاشتراكي اليمني الى طرف ثانوي في السلطة الجديدة اذ نال ٩٦ من اصل ٣٠١ من مقاعد المجلس النيابي.

شكك القادة الجنوبين في النتائج وقرروا العودة الى عدن رافضين المشاركة في الحكومة. ولعل أبرز حدث دفع علي عبد الله صالح الى الحسم العسكري هو توقيع القوى السياسية الرئيسية في الشطرين على «وثيقة العهد والاتفاق » برعاية الملك حسين في عمان، التي استقوى بها معارضو علي عبدالله صالح الشماليون للنص على تقليص صلاحيات رئيس الدولة شبه المطلقة، وتعزيز المؤسسات المنتخبة ودولة القانون وتوسيع الحريات وحمايتها وبناء دولة حديثة. رفض علي عبدالله صالح تنفيد الوثيقة وستارع الى اعلان الحرب على الجنوب في نيسان ١٩٩٤ بعد ان استجلب الالاف من الافغانيين العرب ليشكلوا وقودها، برعاية امير السلفيين الوهابيين في اليمن الشيخ عبد المجيد الزنداني، وقيادة اللواء علي محسن الاحمر، اليد العسكرية اليمنى لعلي عبدالله صالح. وفي ٢٠ ايار اعلن نائب رئيس اليمن الموحد علي سالم البيض فك الارتباط بين البلدين. دعمت العربية السعودية الانفصال الجنوبي وأوحت بامكانية استصدار قرار من الجامعة العربية بإرسال قوة ردع عربية لوقف الاقتتال تسهم في تثبيت الحدود بين الشطرين لصالح استعادة اليمن الديمقراطية الشعبية حدودها والسيادة. او هكذا فهم الجنوبيون واملوا فخاب ظنّهم. انتصر جيش الشمال ودخل عدن في ٧ تموز ١٩٩٤.

ان قصة «الحراك الجنوبي » هي قصة الكيفية التي بها تعاطي نظام صنعاء مع الجنوب بعد النصر العسكري بمنطق المنتصر والمهزوم. ساد التمييز بين شمالي وجنوبي. جرى تسريح عشرات الالوف من العسكريين والموظفين الامنيين والاداريين الجنوبيين. وطغت الادارة المركزية على المحافظات الجنوبية. وساد الفساد والمحسوبية في توزيع الاراضي والعقارات والشقق والمؤسسات والمصانع المؤممة وخدمات الشركات النفطية على الاسرة الحاكمة وحاشيتها القريبة. واهمِل مرفأ عدن، المفترض انها العاصمة الاقتصادية للبلد الموحد.

بدأ الحراك الجنوبي عام ٢٠٠٧ بمطالب متواضعة هي اعادة عشرات الالوف من الموظفين والعسكريين المطرودين الى العمل الو التعويض عليهم وتطبيق اللامركزية الادارية التي طالما تشدقت بها صنعاء. وكما هي العادة في كل هذه الحالات تدحرجت كرة ثلج امام تعنّت النظام في صنعاء وقمعه المتصاعد، لترتفع اصوات تطبلب بالانفصال بعد عامين من بدء الحراك. خبا المطلب بعض الشيء مع انطلاق الثورة عام ٢٠١١ فيما انضوى قسم من الشباب الجنوبي في الحراك الثوري، على عكس زعماء الحراك الذين توزعوا بين من إعتبر ان مصير علي عبدالله صالح «مسألة شمالية» لا تخصّ الجنوب، وبين من كان يعتقد بأن بقاء علي عبدالله صالح هو اصلح حال بالنسبة للقضية الجنوبية.

عاد الحراك بقوة اكبر مع تطبيق المبادرة الخليجية التي اعفت علي عبدالله صالح من اي محاسبة شرط التنحي لنائبه، وغلّبت تشكيل الحكومة والاستفتاء على الرئيس الاوحد، على البحث في عوامل الازمة الملتهبة: الحراك الجنوبي، الحركة الحوثية، الثورة في تعزّ، كبرى المحافظات ومركز الصناعة اليمنية، واخيرا ليس آخرا شباب الثورة في كل مكان الطامحين الى بناء يمن جديد في نظام سياسي واجتماعي حديث وديمقراطي. تم ذلك كالعادة بإسم اولوية الهمّ الامني بعد ان أفاد تنظيم «القاعدة» من الفراغ الحاصل لابتناء قواعد له في المحافظات الجنوبية والتصعيد الدموي لعملياته الارهابية.

لقد سقطت «المركزية التقسيمية» وقاعدتها صنعاء مع خلع علي عبدالله صالح. والمشهد اليمني هو الآن مشهد من النوازع الجهوية النافرة من المركز يحتاج الى اعادة تركيب على اسس جديدة.

تتحمل الحكومة في صنعاء، والولايات المتحدة والسعودية وجماعة المبادرة الخليجية من وراءها، المسؤولية الابرز على تعميق حالة التفكك وعلى العمل على وأد القوى الحية للشعب اليمني متمثلة بشبابه الثائر. والاهم انها تتحمل المسؤولية التاريخية عن عدم مدّ اليد لاشراك كافة قوى الاعتراض والاحتجاج في القرار السياسي منذ اللحظات الاولى لتنحي الرئيس السابق. ولكن يجب القول في الآن ذاته ان هذا الاستبعاد ليس يبرّر بأي حال لجوء الحركة الحوثية وبعض قادة الحراك الجنوبي الى ايران على امل الاستقواء بها لتحصيل الحقوق والمطالب على الارض اليمنية. تدلّ الدروس الاليمة لقوى سبقت اليمنيين الى الاستقواء بالخارج على الاشقاء في الداخل مدى الفشل والخسران، حتى لا نقول الكوارث، التي تنطوي عليها تلك المغامرات المكتوب لها الفشل الذريع.

في مواجهة انهيار المركزية التقسيمية، لا مجال الا الاعتراف بضرورة اعادة صياغة كيانية تستدعي لا انتهاء التمييز بين اليمنيين، وتعميم المساواة بينهم في المواطنة، والقبول بالتعددية، وتوسيع قاعدة الحياة السياسية والحريات العامة، ولكن الاهم والاعجل هو استفتاء مكونات الشعب اليمني على الشكل الانسب للحكم الذي يرتأيه لنفسه. ويمكن ان يتخد هذا الاستفتاء طابعا وطنيا عاما او محليا، حسب الظروف والحاجات.

والمؤكد ان ترجمة ذلك المبدأ في حالة المحافظات الجنوبية هو الاقرار بحق الاهالي في إستفتاء شعبي برعاية عربية ودولية يقررون فيه نمط ارتباطهم بسائر أجزاء اليمن. ان ربط مصير المسألة الجنوبية بالنزاع السعودي-الايراني في المنطقة، وعلى المنطقة، قد يعني تأجيل البتّ فيها الى ما لا نهاية، او هو قد يؤدي الى ان تذهب قضية الجنوب «فرق عملة» عندما يتفق الطرفان. فالصدام والتنافس ليس بالضرورة المآل الحتمي للعلاقة بينهما.

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
الجزائر اليمن
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الإرهاب الحرب الدولة القومية الطائفية اليمن

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.