العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الحراك الجنوبي اليمني: الوحدة في الديمقراطية

الوحدة اليمنية في أزمة عميقة بعد حرب 1994 التي فرضت هيمنة الشمال على الجنوب، مما دفع "الحراك الجنوبي" للمطالبة بالفيدرالية الديمقراطية كسبيل وحيد لإنقاذ الوحدة من الانفصال والفوضى.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

“الحراك الجنوبي” اليمني: الوحدة في الديمقراطية

فواّز طرابلسي

بعد ما يقارب العقدين على إعلانها، وخمس عشرة سنة على حسمها بالقوة العسكرية، تبدو الوحدة اليمنية في أزمة. تعيش المحافظات الجنوبية من الجمهورية العربية اليمنية منذ لا اقل من سنتين في حالة متواصلة من التحركات الشعبية، عرفت بإسم »الحراك الجنوبي«، بلغت أخيرا مستوى من الصدامات العنيفة سقط فيها عشرات الضحايا برصاص الشرطة والجيش. والاخطر ان »الحراك« خرج مؤخرا عن طوره الاحتجاجي السلمي الى الصدامات المسلحة مع قوى الامن.

تعود جذور النزاع الى الطريقة التي تمت بها الوحدة بين شطري اليمن في ۲۲ ايار

۱۹۹۰ والاهم الى مضاعفات الاقتتال الاهلي حول الوحدة والانفصال في ايار-تموز

٤۱۹۹. إرتجلت وحدة اندماجية ارتجالا بين شطري اليمن، هرعت اليها قيادة الحزب الاشتراكي الحاكم والدولة، في جنوب البلاد، هربا من احباطاتها الداخلية ومن انهيار المنظومة السوفياتية. لم تفلح العربية السعودية في منع الاندماج عن طريق اغراء اليمن الديمقراطي بالمساعدات المالية. في المقابل، محض عراق صدام حسين الدولة الموحدة التأييد الحاسم. ولم تتردد الادارة الاميركية زمن جورج بوش الاب في دعم المشروع الوحدوي ومباركته، وقد رأت فيه غنيمة دسمة من تجميع لحقول النفط (وواحد منها عابر للحدود بين الشطرين) وإسقاط سلمي لنظام شيوعي وتخلّص من النفوذ السوفييتي في آخر موقع له في المنطقة العربية.

بعد ثلاث سنوات من المساكنة العسيرة بين الحزبين الحاكمين المتشاركين، حزب المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني، ومحاولات التسوية الفاشلة بينهما، اندلع الاقتتال الاهلي بين شطري اليمن وجيشيهما في الرابع من ايار ٤۱۹۹ اعقبه بعد اسبوعين اعلان القيادة الجنوبية الانفصال بقيادة علي سالم البيض.

قضى انتصار نظام صنعاء، فيما سمّي حرب الالف يوم، على الشراكة التي قامت عليها الوحدة وادى الى الحاق لجمهورية اليمن البديمقراطية الشعبية سابقاً بالجمهورية العربية اليمنية. وبدلا من ان تكون الحرب الاهلية درسا في ضرورة توسيع المشاركة السياسية، زادت الحكم الفردي تفرّدا والنظام في صنعاء استئثارا وتمييزا في حق المحافظات الجنوبية. تم صرف عشرات الالوف من الموظفين والعسكريين بواسطة التقاعد القسري او الصرف من الخدمة. واستحوذت السلطات على اراض شاسعة ومئات بل الوف الشقق المؤممة ووزعتها على المحاسيب، استملاكا او بيعاً ومعظمهم من اهل الشمال.

اقتصاديا، تحوّل قسم كبير من اقتصاد البلاد جهة مرفأ الحديدة على حساب مرفأ عدن، مع ان عدن اعلنت عاصمة اقتصادية لليمن الموحد. واحتكر رجال اعمال شماليون مقرّبون من السلطة بامتيازات في وكالات الشركات الاجنبية، وخصوصا في حقلي النفط والغاز، على حساب الجنوبيين. وشهدت المحافظات الجنوبية عملية تصفية واسعة لاجراءات السلطة السابقة على صعيد الاصلاح الزراعي والخدمات والضمانات الاجتماعية وحقوق المرأة (الغي »قانون الاسرة« لعام ٤۱۹۷ الذي حدد السن الادنى لزواج الفتاة بـ٦۱ سنة والفتى بـ۱۸ ومنح الزوجة الحق المتساوي في الطلاق ومنع تعدّد الزيجات ووضع سقفا ماليا للمهر). وفي الوقت ذاته جرى اعتماد القبيلة بما هي وحدة تمثيل سياسي وشعب وإحياء كافة الزعامات القبائلية والجهوية والمناطقية السابقة على الاستقلال. ولم يخل الامر من حملات اعتقالات واسعة ومن الاغتيالات في حق قادة وكوادر ومناضلي الحزب الاشتراكي اليمني قضى فيها لا اقل من ۰٦۱ منهم، بينهم احد ابرز قادة الحزب، جار اﷲ عمر، الامين العام المساعد للحزب.

تم كل هذا في وضع طغى فيه تهاون القوى الاوروبية والاميركية مع السلطة القائمة بحجة التعددية الحزبية (والصحافية) التي يعرف القاصي والداني انها غطاء لنظام حكم الحزب الاوحد، يتربّع على رأسه حاكم فرد يستأثر بالحكم منذ ما يزيد عن ثلاثين عاما ويسعى مثله مثل سواه من الحكام الجمهوريين الى التوريث. هكذا جرى غض الطرف، بإسم الحرب ضد الارهاب مثلا، عن الفساد وتوقف التنمية والعجز المتمادي عن الاهتمام بقضايا الناس، ما اطلق اكثر من انتفاضة خبز، ناهيك عن حرب دائرة منذ سنوات ضد »الحوثيين« في منطقة صعدة الشمالية.

المقلق حقا في »الحراك الجنوبي« هو اتساع رقعة المطالبين بالاستفتاء على الوحدة واعتماد الفيدرالية ناهيك عن دعاة الانفصال في دولة جنوبية مستقلة. وفي الآونة الاخيرة، طاول »الحراك« قواعد الحزب الاشتراكي وعددا لا يستهان به من كوادره وقياداته المحلية، وقد خرجت من طور المطالبة بتصحيح مسار الوحدة. وانضمت اليه مجموعات من الجهاديين، ممن جنّدهم نظام صنعاء لقتال الاشتراكيين في حرب ٤۱۹۹، وضمهم الى صفوفه، فمرقوا، ولا شماتة، وصاروا الاشد تصلبا في المجابهات العنيفة والمطالبة بالانفصال.

اقل ما يقال في ردود فعل نظام صنعاء هو انها جاءت متأخرة، ومراوغة وتبريرية وقمعية وآخرها هذه الاخيرة تعطيل الصحف. وكل ذلك لتغطية الاخطاء الفادحة والمزمنة في التعامل مع المحافظات الجنوبية بحيث باتت الوحدة عند كثيرين منهم يرئ اليها على انها عقبة امام أبسط المصالح والحقوق وامتهانا للكرامة وتمييزا فاضحا بين ابناء الشعب الواحد حتى لا نقول انها باتت ضربا من الاستتباع.

يرافق ردود الفعل هذه الكثير من التخبط السياسي. وعد الرئيس علي عبداﷲ صالح في الايام الماضية الاخيرة بإجراء انتخابات نيابية مبكرة (وهي مؤجلة لسنتين) دون تعيين موعد لها. وإذ دعا المعارضة الى الانضمام الى حكومة ائتلافية، وضع لها شروطاً اقل ما يقال فيها انها غاية في الغرابة والتعجيز. طالب رئيس الدولة اليمنية احزاب المعارضة »التخلي عن المعارضة« والقبول بـ»الغاء التعددية«!

ما من شك في ان قوى الشعب اليمني هي الادرى والاقدر على تعيين مصالحها والتطلّعات وتبينّ طرائق معالجة مشكلاتها. لكن الاكيد ان دروس الماضي والحاضر المؤلمة في امور الوحدة والانفصال تعلمّنا ان المركزية القائمة على التمييز والانحياز وغياب المؤسسات هي اسرع الطرق الى التشتيت وتشجيع النزعات الانفصالية. وان ازمات كالتي تعيشها المحافظات الجنوبية من اليمن الموحد إما ان تذهب مذهب الانفصال وإما ان تذهب مذهب الديمقراطية.

من هنا فالخطوة الاولى للمعالجة هي الاعتراف بوجود مشكلة فعلية في المحافظات الجنوبية هي مشكلة تهميش وتمييز بين مواطني دولة الوحدة ادى اغفالها وتراكم الخطاء فوقها الى التردي الحالي. فالمطلوب إذاً حلول داخلية وسريعة. المباشر منها تلبية مطالب »الحراك« ذاته: اعادة جميع المفصولين والمتقاعدين قسرا الى اعمالهم وايفائهم جميع حقوقهم المادية. والبت السريع بالنزاعات على الاراضي والعقارات بمقتضى توصيات اللجان الرسمية. وازالة اشكال التمييز الاخرى ذات الطابع المناطقي او الجهوي. وتوسيع صلاحيات السلطات المحلية في اليمن كله واعتماد المبدأ الانتخابي في تشكيلها.

على ان الاهم هو ما تطالب به المعارضة اليمنية ذاتها: ضرورة حل الازمة الجنوبية في الاطار الوطني العام. يتطلّب الارتقاء الى هذا المستوى من الوطنية والمسؤولية والحرص على الوحدة بالتشكيل الفوري لحكومة وحدة وطنية، بلا شروط مسبقة، حكومة لا تكتفي بتمثيل قوى المعارضة القومية والاسلامية واليسارية وتوسيع المشاركة في القرار السياسي وحسب وانما تطمئن ايضا أهالي المحافظات الجنوبية على سعة تمثيلهم فيها، وعلى حضور مطالبهم في رأس جدول اعمالها التنفيذي. ويكون من مهمات الحكومة الائتلافية الاشراف على انتخابات حرة وباشراف دولي تضع البلاد على سكة الاصلاح وتداول السلطة.

هذا اذا أريد لسيف الديمقراطية والعدالة ان يسبق عذل الفوضى والانفصال.

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
اليمن
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الدولة القومية الديمقراطية الطائفية اليمن

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.