العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

التأسيس للديمقراطية التونسية امام التحديات

٩٠٪ اقتراع — استفتاء على الثورة. «النهضة» فازت والخيار يُحترم، لكن الاختبار الحقيقي: العمل والخبز لا الشريعة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

التأسيس للديمقراطية التونسية امام التحديات

فواز طرابلسي

لا حاجة لتدوير الكلام.

تشكل الانتخابات للمجلس الوطني التأسيسي في تونس انتصارا كبيرا للشعب التونسي ولثورته وللديمقراطية العربية عموما. وهي تسجل سابقة سوف تقاس عليها سائر الانتخابات والمراحل التأسيسية والانتقالية للديمقراطيات العربية الوليدة.

واول الانجاز ان الانتخابات حصلت من ضمن مرحلة انتقالية تضع حدا فاصلا بين مرحلة ما قبل الثورة ومرحلة الثورة التي تؤسس للجمهورية التونسية الثانية. هذا هو معنى انتخاب مجلس وطني تأسيسي يصوغ الدستور والقوانين الانتخابية ثم يطرحها على استفتاء شعبي على دستور الجديد وما يمليه من قوانين وفي مقدمها قانون انتخاب جديد.

اجمع المراقبون على ان الانتخابات جرت في جو من الحرية والامن والشفافية، اشرفت عليها هيئة عليا مستقلة وشهد عليها المراقبون الدوليون المعتمدون. وعلى ان الاهم هو الإقبال المدهش للمقترعين الذين فاقت نسبتهم ٩٠ بالمئة من المجموع وهو رقم قياسي للاقتراع في انتخابات حرة تجري في اي مكان من العالم. كأن نسبة المقترعين هي بذاتها استفتاء على تجديد شرعية الثورة وعلى تزكية مؤسستها الام: الجمهورية البرلمانية. بل قل اكثر من ذلك: ان ٩٠٪ من المقترعين اشبه بإجماع شعب يصرّ على بناء نظام جديد وممارسة حقوقه وقد انتزعها بالنضال والتضحيات.

يبدو من التقديرات الاولية ان الناخبين التونسيين منحوا النسبة الاكبر من اصواتهم الى «حزب حركة النهضة» الاسلامي. وهذا خيار يجب ان يحترمه كل ديمقراطي بما هو تعبير عن الارادة الشعبية التي يذكّرنا شاعر تونس الكبير ابو القاسم الشابي بأنها فوق كل إرادة. لقد اختار الشعب وهو يتحمل تبعات خياره، كائنا ما كانت.

من المبكر الحكم على العملية الانتخابية قبل اكتمال الاعلان الرسمي عن الارقام النهائية وتحليل نتائجها. ومن المثير للاهتمام ان يأتي التحليل على بيان اتجاهات التصويت لدى الشباب خصوصا، ومعاينة السلوك الانتخابي بين الارياف الداخلية والمدن الساحلية، وبين الفئات الاجتماعية، والكيفية التي بها توزعت اصوات انصار الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، الخ.

من النتائح الاولية تتبيّن ثلاثة اتجاهات في التصويت.

الاتجاه الاول هو ان الناخبين التونسيين خارج البلاد منحوا معظم اصواتهم لحزب «النهضة» في تصويت قد يبدو مفاجئا لكنه يحمل من ردود الفعل ضد «الاسلاموفوبيا» الفرنسية والاوروبية اكثر مما يحمل خيارا ايجابيا لصالح حزب راشد الغنوشي واخوانه.

والاتجاه الثاني هو ان الحزب الذي ينتسب الى تيار «الاخوان المسلمين» نال اكثرية الاصوات النسائية على ما يبدو.

واما الاتجاه الثالث فهو ان اداء الاحزاب والكتل الليبرالية واليسارية والعلمانية، وحصيلة الاصوات التي نالتها، جاءا ادنى من المتوقع.

والآن، إذ تتطلع تونس الى الانتقال لعهد جديد، فانها تدخله على شيء من الغموض يلفّ صلاحيات المجلس الوطني التأسيسي ومدة ولايته. ثمة توافق ضمني على ان لا تتعدى مهلة صياغة الدستور السنة الواحدة. لكن ليس من الواضح ما اذا كانت المهلة المحددة هي ايضا لانتهاء ولاية المجلس التأسيسي ذاته والحكومة المنبثقة عنه. اما عن الصلاحيات فتدور الاسئلة حول حدود صلاحيات المجلس التأسيسي والحكومة خلال المرحلة التأسيسية.

مهما يكن من امر، فأول ما سوف يشهده المجلس التأسيسي نزاع لا بد منه حول الدستور ذاته وموقع الشريعة الاسلامية فيه. والمعروف ان الدستور التونسي ينص في مادته الاولى على «ان تونس دولة مستقلة، دينها الاسلام ولغتها العربية». وهو الدستور الذي يجعل الدولة التونسية اقرب الدول العربية الى العلمانية، ويتميّز دستورها عن الغالبية العظمى من الدساتير العربية في انه ليس يشير الى دور ما للشريعة الاسلامية كمصدر للتشريع. وسوف يترتّب على ذلك النزاع الكثير الكثير مما يتعلق بمصير كل ايجابيات التركة البورقيبية يأتي في مقدمها قانون الاحوال الشخصية («مجلة الاحوال الشخصية» الصادرة عام ١٩٥٦ والمعدلة عام ١٩٥٨) الذي يجعل سن الزواج للمرأة السابعة عشرة ويمنع تعدد الزوجات ويمنح الزوجين حق المطالبة بالطلاق، الخ. هذا بالاضافة الى ما تتمتع به المرأة التونسية قانونا وعرفا وممارسة في مجالات المساواة مع الرجل وحق العمل والتمثيل السياسي والحضور في الحياة العامة.

لقد عوّد «حزب النهضة» مستمعيه وقارئيه التعهد بالعمل في ظل الدولة المدنية الديمقراطية والمحافظة على قانون الاحوال الشخصية وحقوق المرأة. علما ان خصوم الحزب الذي تأسس اصلا بهدف «بعث الشخصية الاسلامية لتونس » يأخذون عليه ازدواجية اللغة والاستعداد الدائم لدى رئيسه السيد رشيد غنوشي التذرّع بـ«تطرف القواعد الحزبية » لتبرير الارتداد عن هذه الوعود والتعهدات. مهما يكن من حديث «حزب النهضة» عن الاخذ بالنموذج التركي، فقد آن اوان الجد وها هي تعهدات ووعود وتطمينات حزب «النهضة» ورئيسه موضوعة على المحك.

والشيء بالشيء يذكر. والمقارنة تفيد بين نهج الانتقال الديمقراطي التونسي القائم على مرحلة تأسيسية انتقالية قائمة على الانتخابات الحرة، وبين ما شهدناه في احتفال «تحرير» ليبيا، حيث استبق رئيس المجلس الانتقالي، الذي عيّن نفسه بنفسه، حتى لا نقول انه معّين من قبل الحلف الاطلسي، اي انتخاب او استفتاء او دستور او قانون ليعلن، بمفرده دون سائر اعضاء المجلس، الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع. ثم مضى مصطفي عبد الجليل ليفتي بالغاء القليل مما يستحق الحفاظ عليه من تركة القذافي وهو الزواج الاحادي. والعذر الافدح من الذنب في هذه الشطحة القذافية لوزير العدل السابق لدى «العقيد» تراجعه في اليوم التالي بعدما جاء مَن قرص له أذنه من الاطلسيين، فتراجع قائلا ان اعلان الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع لا يعني تعديل القوانين!

يبقى الاساس. الشعب التونسي الذي رفعت ثورته شعارات «عمل، حرية، خبز» سوف يضع كافة الاطياف السياسية امام الاختبار الكبير، وهو التنافس على تقديم البرامج والسياسات التي تؤمن حق العمل، الذي من اجله استشهد محمد بو عزيزي، فتوفر فرص العمل للشباب خصوصا، وتحقق مشاريع التنمية الجهوية لردم الهوة بين مدينة وريف وتعمل على تقليص الفوارق الاجتماعية.

على هذه سوف يتوقف مصير الثورة التونسية واستحقاقها لمعنى انها ثورة وانها ديمقراطية.

المواضيع
سياسة
البلدان
تونس
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الثورة الديمقراطية الربيع العربي تونس

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.