اجور واسعار وانتظار
فواّز طرابلسي
عندما يخضع كل شيء لمنطق السوق، لا تكتفي آليات السوق بتوزيع «خيراتها» بطريقة متفاوتة مناطقيا وطبقيا بين المواطنين. تتكفّل آليات التسليع والاستهلاك ايضا بتعميق تلك الفوارق.
في مطلع هذا الموسم الاجتماعي، تنشط المفاوضات بين الاتحاد العمالي العام وارباب العمل والدولة وتكاثر المداولات في الوزارات واللجان النيابية عشية التهديد بالاضراب العام. عناوين الحوار: تصحيح الاجور والزيادات على المنح المدرسية وبدلات النقل. اما التقديمات المالية العينية المباشرة قيد التفاوض، فقررت ان لا تتطرق لكعالجة للعوامل المؤدية الى ارتفاع اكلاف المعيشة باوجهها المختلفة، اكان لجهة التقييد القانوني للاحتكار، وتفعيل اجهزة الرقابة والمحاسبة، او تفعيل الضمانات الصحية، او تعزيز دور الدولة في توفير الخدمات العامة وتحقيق نسب ارقى واعدل من التوزيع الاجتماعي بين المواطنين. إذاً، لا بحث في تقديمات غير مباشرة وحلول مستدامة للمشكلات التي تدعى لجان المجلس النيابي والحكومة معالجتها.
وليس ادلّ على طابع التعويض المالي الجزئي في جدل الاسعار والارباح من ان المفاوضات تجري تحت عنوان «تصحيح الاجور» لا زيادتها، على اعتبار ان الكل يعترف بأن رفع الحد الادنى للاجور وزيادة بدل مقطوع من ٢٥٠ الف ليرة على الاجور، لا ينتميان الى مجال تحسين شروط المعيشة بل الى مجال التقليص النسبي جدا في معدلات تدهورها المتسارعة. حتى ان رئيس الاتحاد العمالي العام مضطر الى رفض بدل غلاء المعيشة المقطوع الذي تقترحه الحكومة على اعتباره «مكرمة» وليس تصحيحا للاجور.
ومن جهة اخرى، يتضح الطابع المؤقت والمشروط للقرارات التي تتداولها اللجان النيابية ويعد لها الوزراء المعنيون تقاريرهم والاقتراحات والسبب هو حرص بعض الوزراء على اعلان – الاعلان فقط – عن طموحهم الخروج من حلقة الاسعار والاجور المفرغة. لذا تجدهم يغلفّون الحلول القديمة المستهلكة بالاستدراكات والجمل الشرطية. فإذا الكل موضوع في دائرة المؤقت والمؤجل.
تقرر دفع منح مدرسية نقدية مباشرة «بانتظار تحسين المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية.» والانتظار الى متى؟ اليست المنح المدرسية الوسيلة المثالية لتنمية دكاكين التعليم المسمّاة «مدارس مجانية» على حساب التعليم الرسمي؟ وهل اوقفت الحكومة الترخيص للجامعات الخاصة المذهبية والطائفية لنننعم نانتظار «تحسين الجامعة اللبنانية »؟
وبديلا عن البحث في الوسائل الآيلة الى خفض سعر المحروقات، مثلا، وهي كثيرة، تقرر دفع زيادة على بدلات النقل «بانتظار تنمية النقل العام وتحسينه». ومن الذي يمنع الحكومة من الاضطلاع بهده المهمة «التنموية» الجليلة؟
وإذ يدور النقاش حول مصادر تمويل الانفاق الحكومي على الزيادات، تجده لا يتخطى منطق السوق وآليات الانتظار. المصدر الاثير المقترح هو رفع ضريبة القيمة المضافة، اي الاقتطاع من قيمة الزيادات الممنوحة اصلا عن طريق زيادة الضرائب على السلع التي يشتريها. بالتأكيد يجري تداول اقتراحات اخرى كرفع الضريبة المقطوعة على الودائع وفرض ضريبة على الربح العقاري وعلى التحسين العقاري، وغيرها. ولكن ما يصل الينا هو «المؤقت» ـ اي زيادة على ضريبة القيمة المضافة – «بانتظار الاصلاح الضريبي. » وهذه «الانتظارات» المتراكمة تحتاج الى سنوات كما يسارع وزراء ورؤساء لجان نيابية واقتصاديون ومعلّقون صحفيون الى طمأنتنا.
وفي الانتظار، الطرف الوحيد الذي لا ينتظر هم التجار. هو تقليد يتكرر منذ عقود من الزمن: عشية البحث في معالجات غلاء المعيشة، فجأة تنسحب سلع من الاسواق او ترتفع الاسعار. والحجة ذاتها تتكرر عن ارتفاع الاسعار العالمية، علما ان ان المؤسسات البحثية العاملة على مؤشر الاسعار ومعها جمعية حماية المستهلك، تؤكد ان الفارق كبير بين نسب ارتفاع الاسعار العالمية المتواضع (٣٪ ) ونسب ارتفاع الاسعار المحلي (١١٪ ). والكل ينتظر ان يحصد التجار اكبر نسبة من الفائض المالي النازل الى السوق. وموسم الحصاد، كما هو معلوم ايضا وايضا، ليس يتعدي الاسابيع القليلة قبل ان تتكدس «الغلالى في خزائن التجار وخصوصا كبار المستوردين ومحتكري المواد الغذائية.
انها القاعدة الجهنمية لجدل الاجور والاسعار تفعل فعلها مرة اخرى: الدولة والصناعيون يدفعون تعويضات غلاء المعيسة والتجار – وهم من مسببي غلاء المعيشة ذاك – يحصدونها في السوق.
لا بد من التنويه بأن وزيرين في الحكومة(العمل والزراعة) تحدثا عن غائب مزمن في السياسة الاقتصادية – توفير فرص عمل. حتى ان وزير الزراعة جازف فوعد بتوفير ١٥ الف فرصة عمل جديدة في الزراعة. وهو رقم خطير اذا علمنا ان ٤٠ الف شاب يدخلون سوق العمل الاجمالي سنويا، ولا يوفر لهم «اقتصاد السوق الحر» اكثر من ثلث او حتى ربع هذا العدد من فرص العمل. مهما يكن، يطمئننا الوزراء المعنيون ان توفير فرص العمل يتطلب مهل «انتظار» اطول بكثير من «الانتظارات» السابقة الذكر. إذ تتطلب المعالجة هنا تعديلات هيكلية في بنية النظام الاقتصادي ذاته قوامها «تفعيل الاقتصاد الحقيقي في اطار القطاعات الانتاجية المولدة لفرص العمل».
وفي مجال تفعيل الاقتصاد الحقيقي وتنمية القطاعات الانتاجية، يلفت خبران. الخبر الاول هو الحجة المقدمة لتفسير ارتفاع اسعار الحليب ومنتجاته التي تعزوه لا الى ارتفاع اسعاره اقليميا او دوليا، بل الى تعثّر وصول الحليب (المهرّب في معظمه) من سوريا نظرا للازمة الدموية في البلد الشقيق. وهذا يعني، لمن ليس يعرف بعد، ان استيراد المواد الاولية من الخارج ليس سمة رئيسة من سمات الصناعة «الصناعية» بل يشمل فرعا رئيسيا من الصناعة الزراعية كذلك. فاي حجة على ان بلدنا لم يعد تلك البقرة الحلوب، كما في زمان مضى، من ان بقراتنا الوطنية لم تعد تدرّ ما يكفي حاجاتنا من عصير الضروع؟
الخبر الثاني: يصدف ان لوزير الزراعة لفتة في موضوع البقرة الحلوب وهو زيادة عدد الابقار الحلوبة. على ان مخيلة الوزير لم تبتكر في مجال «تنمية القطاعات الانتاجية» غير توسيع مساحة الاراضي المزروعة علفاً للماشية يردّ به على دعاة «الزراعات النوعية». وبين تنمية زراعة الاعلاف و «الزراعات النوعية» فوارق لا يستهان بها ليس من حيث منزلة المحصول، وانما من حيث جدواه ومردوده على المزارع والاقتصاد.
في بلد لا يصنّع حتى ركوة القهوة، ويستورد كل شيء ويصدّر زهرة شبابه (وما تبقى له من زهرة الحشيشة ) حيث تتحول حقوق السكان والانسان بقدرة قادر الى عطاءات طوائفية واحسانات مذهبية وخدمات مناطقية وعائلية وصدقات حكومية، وحيث الفروقات الصغيرة الصادرة عن هذه تغطي الفوارق الكبيرة المناطقية والطبقية الفاغرة، يعدنا وزير آخر بأنه سوف يقدّم لنا «شيئا تاريخيا».
إن إقحام التاريخ في الانتظار امر خطير، يهدد بأن يتخذ الانتظار مداه التاريخي.
الا يخشون ان تؤدي «تاريخية» الانتظار الى الانفجار؟
