العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

أسواق وجدران وأبراج

انهار جدار برلين فافتُتحت أكبر ورشة جدران في العالم — والجدار الإسرائيلي «الأكول» يسرق الأرض وهو يعزل، وبرج خليفة بابل العولمة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

أسواق وجدران وأبراج

فوّاز طرابلسي

ما الذي يجمع بين الاسواق والجدران والابراج؟

العولمة.

عندما إنهار جدار برلين، جرى تصوير الحدث على انه يرمز لا الى انهيار المعسكر السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة وحسب وانما هو الايذان بإنهيار كل انواع الحواجز بين اجزاء العالم المختلفة.

هكذا انطلقت الاسطورة المؤسسة للعولمة تعلن نهاية التاريخ لأن العالم قد توحد اخيرا في ظل الرأسمالية المنتصرة. قالوا: بات «العالم قرية كونية». تنعم لا بالسلام وحسب بل وايضا بحرية انتقال السلع والبشر والافكار فيما بينها.

الذين لم يصدّقوا حكاية القرية، تذكروا ان سهولة الاتصال بين أهالي القرية الواحدة لم تكن لتحول مرة دون ان تنهض بينهم الجدران العازلة بين البيوت والحقول او ان تنشب الخلافات والعداوات والنزاعات وصولا الى حد الاقتتال. لم يكن هؤلاء المتشككون يضربون بالرمل. كانوا ينظرون الى الواقع بدل ان ينظّروا عنه.

في عصر الرأسمالية المنتصرة، أعيد الاعتبار للابراج، تلك العمارات ذات الهياكل الحديدية من مثل برج إيفل الفرنسي وناطحات السحاب الاميركية التي شكلت التعبير المعماري عن حقبة الرأسمالية الصناعية. في عصر العولمة المستجدة، إنتصبت الابراج الآسيوية الشاهقة تعلن ولوج البشرية عصر رأسمالية الفقاعات المالية الترليونية الدولارات.

سرى القانون ذاته على الجدران. سرعان ما تبيّن ان انهيار جدار برلين لم يختتم عصر تشييد الجدران، وانما إفتتح أكبر ورشة لبناء الجدران العازلة بين البلدان والبشر. فالعولمة، بقدر ما وحّدت في الاسواق والاتصالات والإعلام بقدر ما قسّمت البشر ونصبت بينهم الحواجز والجدران. سارت عملية «عولمة الجدران» تحت رايات حماية ذوي الامتيازات من الفقراء والمهمشين والعزل بين «الثقافات» و«الحضارات».

في عصرنا الحاضر، تشكل الجدران الواسطة التي بها يحمي العالم الغني في الشمال نفسه من العالم الفقير في الجنوب والشرق. والاسواق جدران عزل وتمييز بين البشر. كان لا بد من ازمة الاوراق المالية الاخيرة ليدرك كثيرون ان الاسواق المالية، أمهات الاسواق حاليا، هي واسطة لنقل المال من الفقراء ومتوسطي الحال الى جيوب قلة متناقصة من كبار الاغنياء. الاسواق جدران. والحدود صارت جدران. والهويات جدران. والغنى والفقر جدران. كلها اشكال مختلفة من التمييز والتقسيم بين البشر.

اعلن انهيار جدار برلين زحف جموع من اوروبا الشرقية الى اوروبا الغربية مدفوعة باحلام راودت الكثيرين فترة الحرب الباردة. انتصبت في وجهها الجدران العازلة مجددا. الا ان زحف الشرق كان أرحم على اوروبا الغربية من غزوة فقراء الجنوب. فمع ان العولمة ادت الى نقل صناعات اوروبية واميركية بحالها الى بلدان العالم الثالث، توخيا القرب من المواد الاولية واستغلال الايدي العاملة الرخيصة وغير المنظمة، لم يخفف ذلك من البطالة والهجرة في تلك البلدان. بل بالعكس. بدأ هجوم الآسيويين والافارقة نحو اوروبا. لصد الهجمات، انتصبت الجدران والحواجز تعلن انتهاء ميزة اخرى كان العولميون يتباهون بها: حرية انتقال البشر بين البلدان والقارات. هذه الحرية يبحث عن الجرائم المرتكبة في حقها الآن في المطارات وعلى الحدود وفي المعازل الاوروبية لعزل المتسللين قبل تسفيرهم الى بلدانهم، ناهيكم عن جثث الافارقة والآسيويين والعرب تلفظها الامواج على شواطيء اسبانيا وفرنسا وايطاليا.

اكتفت اوروبا بتشييد الجدران القانونية والامنية. لصد زحف فقراء الجنوب على جنة «الحلم الاميركي»، شيّدت الولايات المتحدة جدارها الحديدي المكهرب على حدودها مع المكسيك. بوشر العمل فيه قبيل سقوط جدار برلين. الا انه توسع واستكمل بعده. طوله ٣١٤١ كيلومتر. وقد قتل عليه الى الآن خمسة الاف من المكسيكييين وسائر ابناء اميركا الجنوبية.

في كلا الحالين، صارت جدران العولمة شبيهة بالاسوار الشهيرة التي كانت الامبراطوريات القديمة (الصينية او الرومانية) ترفعها لصدّ هجمات «البرابرة» عن مراكز «الحضارة» والازدهار.

نالت المنطقة العربية نصيبها من عولمة الجدران هذه.

اقدم الجدران العربية الحديثة جدار الفصل المغربي في الصحراء الغربية. وقد إستحق لقب «ملك الجدران».

الا ان المنطقة تملك جدار الفصل الوحيد المتحرّك في العالم. يمكن تسمية الجدار الاسرائيلي عند خطوط حرب ١٩٦٧ «الجدار الأكول»، او «الجدار السارق». لا يكتفي بالحجز والتمييز العنصري، يضيف الى هذا وتلك وظيفة الضم، ضم الاراضي والمزروعات. سوف يبلغ طول الجدار الاسرائيلي طوله ٧٠٣ كيلومترا عند انتهاء العمل به في خلال العام الحالي. ويصعب تقدير مساحة الاراضي الاضافية التي سوف يضمها وقد شيّد منه ثلثاه فقط.

ولا ننسى الجدران العازلة بين احياء بغداد والمدن العراقية. انها تذكّر بالجدران العازلة التي إبتنتها الادارة البريطانية للفصل بين أحياء الكاثوليك وأحياء البروتسطانت في مدينة بلفاست بإيرلندا الشمالية. بها تمارس الادارة العراقية اللعبة السحرية للاحتلال الاميركي، تخفي العراق العربي تحت «طاقية» الإثنية الكردية والمذهبيَن الاسلاميين.

اخيرا ليس آخرا، ليس صدفة ان يتم بناء الجدار المصري على الحدود مع غزة بواسطة آلات اميركية وحشية استقدمتها شركة مقاولات لصاحبها احد ابرز «القطط السمان» بشراكة مع شركات فرنسية. الا ان «جدار مبارك»، يستحق تعليقين. الاول، ان في الجدار الجديد، بكل فيه من قوة الحديد والتكنولوجيا لا يزال اضعف بكثير من مقاومة غزة وصمودها. والثاني، ان قبضة المواطنين الذين جاؤا من اصقاع الارض المختلفة لنصرة غزة وخرق الجدار والحصار هم وحدهم انصار العولمة الفعلية. لأنهم وحدهم يفهمون العولمة تضامنا بين الشعوب ضد الظلم والجدران ومن اجل الحرية والعدالة والمساواة.

ما من جدار يستطيع حبس البشر الى ما لا نهاية. في الانتظار، يقوضون اجزاء منه. كما فعل شبّان فلسطينيون في ذكرى الانتفاضة. او يتحدى البشر الجدران بالقفز فوقها، كما في تخييل ايليا سليمان البديع في مشهد القفز العالي في فيلمه الاخير. او هم يسخرون من الجدران ببناء الانفاق تحتها. بالضد من كل انواع التكنولوجيا من المجسّات الكهربائية الى انابيب الإغراق بالمياه. او يتحايل الناس على الجدران بتزيينها. يبددون جلافة الاسمنت بزهو الالوان وشفافية الضوء.

لم تتقاعس المنطقة عن عولمة الابراج.

قد يكون جدار «مبارك» عازلا افقيا وبرج «خليفة»(دبي سابقا) مسلّة افقية تسعى لمناطحة حدود السماء. هي العولمة تجمع بين الجدار والبرج. قيل في برج دبي الكثير. لم يقل بما فيه الكفاية الى اي مدى يشبه «برج بابل». انه «برج بابل العولمة». لأن «بابل» الاسطورة هي هي العولمة: اختلاط الالسن وإنهيار البنيان.

المواضيع
إقتصاد سياسي
البلدان
العالم العربي العراق فلسطين مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الاقتصاد السياسي الحرب الباردة الرأسمالية العولمة النيوليبرالية

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.