Back to Publications
Publications Memoirs

George al-Batal, the Last of the Bolsheviks: Memoirs of a Communist Leader from Lebanon

At age five he insisted on what he knew despite his father's slap, and solved a murder — the tannery taught him that a generous employer curses communists when a worker carries a clock.

جورج البطل، آخر البلاشفة مذكرات قائد شيوعي من لبنان

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

تبدأ «بدايات» من هذا العدد بنشر فصول من مذكّرات الرفيق جورج البطل (١٩٣٠ – ٢٠١٦)، المناضل والقائد في الحزب الشيوعي اللبناني. والمذكّرات تسجيل لسلسلة من الحوارات أجراها فواز طرابلسي مع الراحل خلال السنوات الأخيرة من حياته سوف تُنشر كاملة في كتاب يصدر قريباً.

ولدتُ في بلدة مشغرة خلال منتصف ليلة ١٥ – ١٦ نيسان / أبريل عام ١٩٣٠، لكنّي اعتمدتُ تاريخ ١٥ نيسان. لا أريد أن أقول كما قال أحمد فارس شدياق، لكنّها فعلاً كانت ليلة نحْس لأنّي ولدتُ في ليلة نحس على أهل مشغرة، وهي ليلة آخر غزوة جراد على لبنان. وعندما أرادوا إيقاظ أخي عزيز، الأكبر مني بحوالي ١٥ عاماً، ليلاً ليخبروه بأنّه أصبح لديه أخٌ، لم يتمكّن من الاستيقاظ بسبب عمله طول النهار بجمع بذور الجراد. كان حينها يُجمَع البذر ويُحرَق.

الدبّاغة وقانون العمل

ولدتُ في عائلةٍ ميسورة. امتلك والدي دبّاغة جعلت أوضاعه المادّية جيّدة. أذكر أنّ وضعنا كان مريحاً لكن معقّد، بمعنى أنّنا سكنّا في أعالي البلدة داخل حيّ آل طرابلسي. في الحي مرابون من آل طرابلسي. طفلاً صغيراً، رأيتُ التناقض بين الحياة الّتي عشتها وبين حياة الفقراء. بقي هذا في ذاكرتي وبقي معي وساهم في تكويني الفكري. انتشر البؤس الحقيقيّ وانتشر الموت. كنت أرى جنازات الأولاد الذين يموتون من أمراضٍ كالتّيفوئيد والجدري المنتشرة في تلك الفترة. أعتقد أنّ هذه المشاهد والشّعور بالفرق بقيتْ في ذاكرتي وساهمت في تكويني المستقبلي.

نحن كنّا أربابَ عمل، لذلك بقي والدي على الدّوام مرتدياً ربطة عنق، بينما بقي العاملون المعتَرون منغمسين بالدبّاغات. عايشتُ عدّة عناصر طريفة، منها التّمايز الطّبقي الّذي لم أعايشه من موقع المضطهَد بل من موقع المضطهِد. ويضاف إلى العوامل المساهِمة في تطوّري ما حصل بعد فترة زمنيّة عندما عشت معركة صراع طبقيّ في الدّباغة عندنا.

عندما صدر قانون العمل عام ١٩٤٤ طالب الشّباب العاملون في الدّباغة بثماني ساعات عملٍ فقط، لكنّ والدي رفض. صحيحٌ أنّ أخي عزيز هو كلّ شيءٍ في الدباغة، لكنّ والدي هو ربَّ العمل. عندما أضرب العمّال استنفر المرحوم والدي، فمشهد أيّ عامل يحمل ساعة منبّهة [قبل عهد الساعات اليدويّة] وهو ذاهبٌ الى الدّباغة كان كبرى الكبائر بالنّسبة إليه، لأنّ معناه أنّه سوف يتوقّف عن العمل عندما تنتهي الساعات الثّماني. لم يكن هذا أمراً يمكن تخيّله. والإضرابُ في الدّباغة مؤذٍ. استنفر والدي كلّ الأقارب والأصدقاء وقام بإنزالهم إلى الدبّاغة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجِلد، لأنّ الجلد كان يتواجد مع الموادّ الكيميائية.

على الرّغم من غضب الوالد من العمّال، بقي كما عهدتُه كريماً وفاعلَ خير. كان في شخصيّته تناقضٌ شديدٌ عندما يصل الأمر إلى علاقته مع العمّال. يكمن التناقض في أن يقوم هذا الإنسان الكريم ذو اليدين السّمحتين الممدودتين بردّة فعلٍ فظيعة. بدأ بشتم الشّيوعيّين ومَن معهم. شتم شفيق الدّبس وشتم شفيق طرابلسي. حتّى أنّه شتم الحزبيّة المحلّيّة التي كان هو نفسه جزءاً منها، لأنّه اعتبر ما حصل من كبرى الكبائر.

عشتُ هذه الواقعة وأنا في الخامسة عشرة من العمر. لعب هذا التّناقض دوراً كبيراً في حياتي، بيّن لي أنّي أعيش بيسر، أحصل على كلّ ما أريد، أتناول مأكولاتٍ بعضُها غير متوفّرٍ في مشغرة يُحضره والدي عندما يرجع من بيروت ومعه «جومبون ومرتديلا» وخبز إفرنجي. حملتْ حياتنا تناقضاً كبيراً، خصوصاً أنّ والدي من الدّباغين الناجحين.

أذكر أوّل عيدٍ للعمّال في العام ١٩٣٥. عمّت الضّجّة المنزل، هنا أيضاً تناقضٌ جليّ، صحيحٌ أنّ العاملَ عاملٌ لكن في يوم العيد نظّمنا جميعاً، نحن وإيّاه، نزهة وغنّينا معاً. الوضع في مشغرة كان طريفاً لأنّ علاقة قرابةٍ جمعت النّاس مع بعضهم البعض. في دباغتنا على سبيل المثال، إضافةً إلى العاملين الذين كانوا من الشّيعة والمسيحيّين، عمل ابن عمّتي وصهر عمّتي وابن عمّي كذلك، كان هناك في الدّباغة خليطٌ من «شيءٍ» عائليّ وآخر غيرِ عائليّ.

النّجاة من «وحش مشغرة»

بسبب العيد والسّيران، عمّت الضّجّة المنزل، طعامٌ يتمّ تحضيره وبيضٌ يتمّ سلقه. وأنا طفلٌ صغيرٌ يغمرني الفرح لأنّنا ذاهبون إلى الكروم وإلى الفوّار، وهو كرْم لآل سلمون (إحدى أسَر البلدة الدبّاغين) تخرج من أرضه المياه.

عندما وصلت السيّارة احتجنا إلى شخصٍ يقوم بخدمتنا فنَدَهنا على ولدٍ يُدعى علّوش، لن أذكر اسم عائلته. علّوش هذا كان يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً. وضَعَ الأغراض داخل السّيارة وتبعنا إلى الكروم لأنّه لم يكن هناك متّسعٌ في السّيارة، والكرم ليس بعيداً جدّاً، حوالي نصف ساعةٍ من السّير على الأقدام.

في السّيران إلى جانبنا جلس صديق والدي ويُدعى رشيد ناصيف ابن سمعان ناصيف. هذه العائلة أيضاً من الدبّاغين الكبار لكنّهم أفلسوا باكراً. جلسنا معاً. كنت أبلغ حينها من العمر خمس سنوات، وكان لرشيد ناصيف طفلٌ في عمري تقريباً، أضيع في اسمه بين فيكتور وسيمون.

لعبنا معاً، حمل كلٌّ منّا بيده فرنكاً مقلوباً، فرنكاً فرنسيّاً، في حال أردنا شراء غزل البنات أو شيء آخر. اقترب منّا علّوش وبدأ بخدمتنا، وبدأنا في الوقت نفسه نتحادث ونحن ننظر إلى الشّجر. قال لنا علّوش: أستطيع أن أحضر لكم عشّ العصافير لكن عليكم إعطائي الفرنك. كنّا صغاراً فما كان منّي إلا أن هربت، كانت تلك ردّة فعلي. لمَاذا هربت؟ من أجل الفرنك أم خوفاً من علّوش؟ لا أعرف. في ذاكرتي، لا يوجد كلّ شيءٍ بهذه الدّقة. لكن أعلم أنّي هربتُ منه لأنّ الفكرة لم تعجبني، وربّما خفتُ على الفرنك. تركت ابن رشيد ناصيف واقفاً مع علّوش بحسب ما أذكر والتهيتُ بأمور أخرى.

كان لرشيد ناصيف نحو سبعة أو ثمانية أولاد من جيل بعضهم البعض كالصّيصان. أذكر أهل القرية جميعاً في الكروم. التهينا بالنّهار وتعب الأولاد منّا، أمّا الأهل فثابروا على عبارات: «تعى يا صبي» و«عم توسّخ حالك»، «تاكلها كفّ»، كما يحصل تماماً مع الأطفال الّذين يبلغون من العمر حوالي خمس سنوات. عندما شارفنا على الرّحيل، عاد علّوش ليوضّب أغراضنا وعدنا إلى مشغرة. وصلنا إلى هناك منهكين، استحممنا ونمنا.

داخل المنزل جيلان، أخي عزيز يكبرني بخمسة عشر عاماً وأختي آدال تكبرني بعشرة أعوام، أمّا أخي المرحوم إيلي وأنا فمن عمر بعضنا البعض، يفصلنا عامان فقط. علاقتي مع عزيز كانت مثل علاقتي مع الدي، هو رجلٌ كبير ونحن أطفال.

المهمّ ، أمام بيتنا «سطيحة» وحديقة كبيرة. أطلّ منزلنا على كلّ القرية، وكلّ منطقة «العريض» ومنطقة الكروم. وأمام المنزل حديقة كبيرة لبيت خليل طرابلسي، وبالتّالي لا بيوت. أسفل منزلنا كان منزل بيت عبود، منزلٌ «أوطى» بكثير، وبالتّالي لا يوجد شيءٌ يحجب بيتنا. كثيرٌ من الضّجّة، وأهل مشغرة مجتمعون في منزلنا. حوالي عشرين أو خمسةٍ وعشرين شخصاً على «السطيحة» أمام باب المنزل. استيقظتُ من النّوم فوجدت أشخاصاً يحملون «اللوكسات» بأيديهم ويبحثون في العريض كلّه لجهة الكروم. حوالي خمسين أو ستين أو مئة شخص، وسمعتُ أنّ ابن رشيد ناصيف ضائع.

«أنا بعرف»!

في تلك اللّحظة لمع رأسي. هنا ذاكرتي دقيقة للغاية. أذكر أنّي فكّرت حينها في إمكانيّة أن يكون علّوش قد فعل شيئاً لابن رشيد ناصيف. قلت لوالدي «أنا بعرف شي». صفعني على وجهي وأمرني بالتّوجّه إلى السرير، قائلاً «بلا طقّ حنك»! فتوجّهت للنّوم.

استيقظتُ صباحاً على خبر العثور على ابن رشيد ناصيف مقتولاً من قبل قنّاصة الجيش الفرنسي، وأنّه وُجد مرميّاً بين أقدام البغال إلى جانب مَحْوَرَة [غيضة شجر الحور أو موقع صنع الفحم]. صدّق النّاس حينها أنّ الفرنسيّين قتلوا الطّفل. (كان معهم من جنسيّات سنغاليّة ويوغوسلافيّة، أي أشخاصٌ غرباء، وكانوا يطلقون عليهم تسمية «عكسر بو رفش»، لأنّهم اهتمّوا بفتح الطريق).

كنت في مدرسة الرّاهبات خلف الكنيسة مباشرةً. أمام الكنيسة فصيلة للدّرك وسجن لأنّه قبل إنشاء القائمّقاميّة كانت مشغرة مركزاً للمديريّة وكان فيها مركز للأمن العام وفصيلة للدّرك والجمارك، أي أنّ كلّ الدوائر الموجودة في قضاءٍ معيّن من دون أن تكون مشغرة قضاءً بسبب بُعدها عن زحلة. ولأنّ السّجن والمخفر كانا إلى جانب المدرسة، سمعنا ضرباً. كان العساكر المتّهمون بقتل ابن رشيد ناصيف يتعرّضون للضرب. يصرخون قائلين: نحن أبرياء لا دخلَ لنا.

أثّر ذلك فيّ فحادثتُ نفسي: لمَ لا أعود وأصرّ على أنّ هناك رواية متعلّقة بعلّوش وبأنّي هربت عندما أخبرنا عن قصّة عشّ العصافير والفرنك وأنّي لم أرَ ابن رشيد ناصيف منذ ذلك الحين. عندما عدتُ إلى المنزل أخبرتُ والدي عن كلامٍ بحوزتي يجب أن يُقال، وبقيتُ مصرّاً على الرّغم من أنّ والدي غضب منّي، فهو لم يكن يريد التّورّط. قال لي أخيراً: حسناً. حملني أبي وذهب إلى الضّابط الفرنسيّ المسؤول عن التّحقيق، ومعه ضابطٌ لبنانيّ يترجم الكلام. لاحقاً علمت أنّ هذا الضّابط اللبناني هو أنور كرم الذي أصبح في ما بعد زعيماً في الجيش، هذا الذي دمّر طرابلس في العام ١٩٥٨.

ارتبك الضّابط الفرنسيّ. لم يعتبر أنّه يخاطب طفلاً. أخذ القصّة على محمل الجدّ لأنّ العسكر التّابعين لإمرته متّهمون بالموضوع. أخذ يخاطبني ويرشيني بالشوكولا كي أتكلّم مثلما يتصرّفون مع الدّب في السّيرك. أصررتُ على روايتي وتحدّثتُ عن عيون علّوش الّتي لم تعجبني فهربتُ منه. وبالفعل، أحضر العسكرُ علّوش. بعد أوّل كفّين اعترف، لم يأخذ منهم وقتاً كثيراً لذلك. أخبرهم كيف قتل ابن رشيد ناصيف بالحجر وكيف كسر رأسه.

بعدها أُطلق سراح العسكر المساكين وتمّ الاعتذار منهم. كان علّوش يبلغ حينها من العمر أربعة عشر أو خمسة عشر عاماً، أي أنّه من الأحداث. عندما تمّت المحاكمة في زحلة، كنتُ أنا الشاهد الأوّل على اعتبار أنّي كنت الخيط للوصول إلى علّوش. أخذني والدي المرحوم إلى زحلة. قال المباشر على باب المحكمة لوالدي: «يا أستاذ، ممنوع دخول الأولاد إلى المحكمة»، فأخبره الوالد أنّني أنا الشاهد. وبالفعل، دخلنا أنا ووالدي إلى المحكمة. رمقني علّوش نظرةً أرعبتني، لأنّه عرف أنّني أنا من لفت النّظر للقصّة، ملعون، مجرم.

حكيتُ ما أعرف للمحكمة. هذه الصيغة للحادثة بقيت في ذاكرتي. في المحكمة تمّ الاستناد إلى أقوالي وإلى اعتراف علّوش، لكنّ علوش بدأ يصرخ ويقول: «غير صحيح»، متذرّعاً بتعرّضه للضّرب. سُجن علوش بضعةَ أشهرٍ فقط على اعتباره من الأحداث. بعد ذلك، وبينما أنا جالسٌ أمام حديقة البيت، قام علّوش برمي حجرٍ عليّ. لسوء حظّه وحسن حظّي لم يصبْني الحجر ووقع بجانبي. كان علّوش حاقداً عليّ لكن لم يطل الأمر حتّى ألقوا القبض عليه مرّةً أخرى.

لم يعد الأمر يحتاج إلى نباهة، كلّما قُتل طفلٌ كان ييتى بعلّوش الذي أصبح لديه أسلوبٌ معروف في القتل، يكسر رأس الولد بالحجر. قتل طفلاً في كفرحونة، ومجدل بلهيص، وفي البقاع بالقرب من كفريا قتل أربعة أو خمسة أولاد بينهم فتاة. وكلّ أعمار ضحاياه تراوحت بين الأربع والخمس سنوات. وفي كلّ مرّة كان علّوش يغيب في السّجن ثمّ يخرج لأنّه حدث. في الصّحف، أطلقوا عليه تسمية «وحش مشغرة». بعد ذلك، أعلن أهل علوش التّخلّي عنه بالكامل وتبرّأوا منه. أهله معّازة، ما حدا بعضهم إلى القول إنّ علّوش عندما كان صغيراً كان يُحضر تيس المعزة والجدي ويكسر رأسها، هكذا أصبح لديه حبّ الدم وتكسير الرؤوس. المهمّ، استمرّ بقتل النّاس، يدخل إلى السّجن ويخرج، والصّحف مشغولة به: «خرج وحش مشغرة من السّجن»، «دخل وحش مشغرة إلى السّجن».

بسبب سوء عمل المحاكم في لبنان بقيت الأمور على المنوال نفسه من العام ١٩٣٥ وحتّى العام ١٩٤٩، تاريخ صدور الحكم على علّوش بالإعدام. كنت حينها في سنتي الثّانوية الأخيرة في مدرسة الفرير بييروت. عندما عرفتُ أنّ علّوش سيُعدَم، استيقظتُ قبل انبلاج الضّوء. أشارت الساعة إلى الخامسة. قلتُ لنفسي: أريد أن أحضر إعدام ابن الكلب هذا. ركبتُ الترامواي من مكان سكننا بجانب مستشفى الروم إلى السرايا مكان الإعدام. أعدموه في البرج أمام العدليّة. كان كلباً، هذا انطباعي عنه، يصرخ ويجعّر. حمّلوه وعلّقوه على المشنقة.

مات والدي ولمّا أبلغ بعد خمسةً وعشرين عاماً، أي فشلتْ محاولة الرّشوة كي أبتعد عن المجموعة، لكنّه أصرّ على بقائي معه. شعر أبي بأنّه لا يريد التضحية بالشّيء الّذي بناه، وبالفعل تدهور الوضع الاقتصادي للعائلة بعد وفاته وأنا أتحمّل مسؤوليّةً كبيرة في هذا الأمر.

خبّرني عن المعركة بين الشيوعيّين والقوميّين في أوّل أيّار/مايو؟

معركة بين الشّيوعيّين والقوميّين

في الحقيقة لم تحصل هذه المعركة في أوّل أيّار. تقول الرّواية إنّ شخصاً من مشغرة توفّي في فنزويلا، وكان علي عواضة قد تزوّج أخته زواجاً أوّل، أي إنها والدة المهندس فؤاد والطبيب عدنان وأخواتهما البنات.

اعتبر القوميّون السوريّيون أنّ المتوفّى قوميّ سوريٌّ وكانوا في حينها يفتّشون عن مناسبات، فأحضروا أشخاصاً من الخارج من بينهم كريم عزقول الذي أصبح فيما بعد سفيراً في الأمم المتّحدة. داخل الجامع، الذي تُطلق عليه الآن تسمية «جامع الحسين»، والذي أعيد بناؤه [هدم مطلع القرن، انظر طرابلسي، يا قمر مشغرة]، تجادلوا وهاجموا الشيوعيّة. استنفر الشباب وأنا موجودُ في مشغرة. وتمّ قطع الطريق عليهم. من جملة قاطعي الطريق حينها ابن عمّتك فؤاد عبّود، طويلُ القامة، قبل أن يصبح شرطيّاً، وربّما كان رشدي عبودي معهم. لكنّ الأكيد أنّ فؤاد كان موجوداً لأنّه هو الذي ضرب كريم عزقول عندما عاد هو وجماعته. فؤاد شهم، كسّر عزقول تكسيراً.

تطوّرت المعركة وحصل تبادلٌ لإطلاق النّار بين الشيوعيّين والقوميّين، رصاصة طائشة أصابت سالم غزال. كان في الأربعين من عمره، متزوّجاً ولديه أولاد. حصل ذلك حوالي العام ١٩٤٤. ولما كنت ميّالاً للشّيوعيّين، وبدأت العمل مع سلام الراسي، انتشيتُ لقيام الشيوعيّين بضرب القوميّين، خاصّةً أنّي بتّ أعرف الشيوعيّين وأعتزّ بهم.

توفّي سالم الغزال وثارت ضجّة كبيرة في مشغرة. جرت اعتقالات وكان من بين المعتقلين زوج عمّتي بطرس بركة الذي اعتبروه من المحرّضين. تداخلت حينها حزبيّة الشيوعيّين بحزبيّة القرية. لكنّ آل بركة لم يكونوا شيوعيّين، كانوا من حزبيّة آل طرابلسي. أرادوا استفزاز شفيق طرابلسي لأنّه زعيم العائلة. في ذلك الحين تداخلت أمورٌ كثيرة بين شفيق وبطرس بركة. صعُب التّقارب من شفيق طرابلسي، اعتقله الفرنسيّون في فترة الحرب العالميّة الأولى، واعتبروه عميلاً للإنكليز.

يقول سليم غزال إنّ أخاه سالم قتل عن طريق الخطأ. وبالمناسبة، لم يحقد سليم. كنت وإيّاه من أعزّ الأصحاب، ومن بعدها التقينا في دير المخلّص. كان شخصيةً طريفة جدّاً. ترافقنا كان في القسم الداخليّ بدير المخلّص ولم يخطّط قطّ كي يصبح راهباً. كره رجال الدّين لدرجة أنّه هرب من الّدير مع أنطوان غطّاس، ابن الياس غطّاس من مشغرة (أنطوان غطّاس انتقل إلى البرازيل. قتل أمام باب مصرف وهو يحمل أموالاً).

حينها قمنا أنا وسليم وأنطوان بأمرٍ طريف. في الصفّ الثالث أنشأنا مجلّةً مكتوبة اسمها «دفتر» شتمنا فيها رجال الدّين. وكان هناك شخصٌ خطّه ظريف اسمه فرج بو طانيوس من الفرزل أو أبلح تولّى كتابتها. عندما سألت سليم عن الأعداد أخبرني عن ضياع سبع أو ثماني نسخ. لم يضَع سليم في الحسبان أنّه قد يصبح خوريّاً، قرّر الهرب فذهب ماشياً إلى مشغرة بسبب رذالة الخوارنة وظلْمهم، ومن ضمنهم ناظرٌ سيئٌ جدّاً قاسي القلب خبيث من آل بسّول أصبح مطراناً على زحلة فيما بعد لكنّه لم يبقَ طويلاً على قيد الحياة. ذهب سليم الغزال على قدمَيه من مشغرة ولم يعد إلى دير المخلّص. وأنشأ بعدها مدرسة الصّنائع في مشغرة.

بعد ذلك، عندما سافرتُ وأصبحت كثير التنقّل بعد التزامي الحزبي فوجئت بأنّ سليم الغزال صار خوريّاً ينذر الفقر والطاعة والعفّة [وقد سيم مطراناً فيما بعد]. اعتبرت أنّ حادثاً استثنائيّاً حصل معه ودفعه للانتقال من كرهٍ ونقمةٍ على الخوارنة إلى أن يصبح واحداً منهم. تعود آخر صورة أملكها لسليم الغزال إلى العام ١٩٤٨. يظهر فيها معي ومع أنطوان غطّاس، أنطوان وأنا نرتدي السراويل بينما سليم يرتدي الشورت، أصبح شابّاً واستمرّ بلبس الشّورت. فاجأني عندما أصبح شخصاً آخر، إنساناً مؤمناً لكن على طريقته الخاصّة لأنّه شخصٌ واعٍ جدّاً، امتلك وعياً مدنيّاً وعلمانيّاً، كان شخصاً مميّزاً.

Themes
History Politics
Countries
Lebanon
Published In
Bidayat
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Communist Party Lebanese Communist Party Autobiography & Memoir Political Biography Class Struggle Working Class Lebanese Left Labor Rights Left Politics Lebanon

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.