بيروت ٢٨/نون والقلم
بيروت ١٩٨٢
إتيل عدنان
آهٍ لوحشة القلب الرقيقة
يوم ماتت بيروت
تحت وابلٍ من الازهار الحمراء.
قبل ذلك، غادرتنا أم كلثوم
كانت تغني للملائكة والاحصنة
ثم لحق فلسطينيون
صامتون
بالموكب
كما في جداريات
أسلافهم.
الوحوش الضارية ليست في حدائق الحيوان.
«ب» يعني «بيغن»
الذي انضم الى ميثولوجيا الشرّ
بثلاثة مليارات من الدولارات
لقتل طفل
لقتل غابة من الرجال.
آن الاوان
لمنع الكلمات المُستعارة
من ان تغادر
حضيض
حُزننا.
وجوهنا متجّعدة
قدر أخاديد
«وادي الروم»
والعظام البشرية
الملقاة في شوارع بيروت
تختلط ببراز الحيوان.
سَمّوا اطفالكم
دير ياسين
قلقيلية
صبرا وشاتيلا
حتي لا ننسى.
لم أعتقد مرة
بأن الثأر
سيكون شجرةً
تنمو في حديقتي.
الأشجار تنمو في كل اتجاه
ومثلها الفلسطينيون:
مقتلعين
وبلا اجنحة،
على عكس الفراشات،
مقيّدون بالأرض،
ومثقلون بحب
حدودِهم وبؤسِهم.
لا يمكن لشعب ان يعيش
الى الابد
خلف القضبان
او تحت المطر.
زملاؤهم شعراء
روسيا وأميركا
وهنود غواتيمالا.
ايتها البراكين المطفأة
اين جدرانك إن لم تكن محترقة؟
اين النار
التي تلتهم الجبال
بشراهة أكبر من شراهة
الطوفان؟
لن نبكي ابداً بدموعٍ:
بالدم سوف نبكي.
عندما خَلقنا
ملاكَ الصحراء السورية
ظهرَ مرتدياً
الريح، هناك
حيث لم تبقى أوراق
على أجمات
الجزيرة العربية المتيبّسة
فنادَينا
عازف الناي في القبيلة
وسألناه
عن سِحر أمواج المتوسط
فأجابنا بلحن جنائزي.
ما أكثر الجنازات التي مشيناها
وما أكثر عدد السنين.
وحده الثلج
يستطيع
ان يمحو آثار اقدامنا.
ولا ثلج في اريحا.
احمد ومحمد
يدقان على البوابة
النووية:
«لننقذ العالم»، قالا
«كمهمة عاجلة،
ولنكن مخبّلين».
لا مكان
لمن لا يملك أوراقا ثبوتية
في سيارات التاكسي ببيروت.
واحمد لا اسم له
احمد هو الأزرق مثل شجرة موز من
صيدا.
وهو الاصفر مثل برتقالة
رعاها جدّه في يافا.
لكن محمد مرتبك
يهذي
كل ليلة
امام الراديو
ويتقيأ الاخبار.
لنشيّعه في جنازة طويلة من
الازهار.
هل تعلم؟ هل سمعت؟
هل ابلغوك
ان الناس تركض
في الشارع باحثة
لا عن احذيتها
ولكن عن اقدامها؟
ولا تبحث في الكوابيس
بل أمام التلفزيون تبحث؟
قيظٌ شمسِ
قوي في لبنان لدرجة
ان الكاميرات اختفت.
هل علمت؟ هل ابلغوك
انه نبتت جلود فِيَلة
على عيوننا
ونبت شعرٌ اسود خلف آذاننا؟
آه ما أجمل الهواء بين
غَيمتين
على جبل صنين
في تشرين!
لكن المجزرة وقعت في
الظلمة.
استغرقت ثلاثة أيام وثلاث ليالي
بعدد الايام التي قضاها المسيح في القبر.
بلى، إن الرومان واليهود
ينتظرون خلف
حائط المبكى
الذي يسوّر مدن الصفيح الفلسطينية.
يا أيها اللاجئون،
ملجأكم
لا يصلح حتى
مدفناً لكم.
انه مكبّ قمامة المدينة الخالدة
ومجارير بيروت!
لنتمهّل
في اعلان
قيام الساعة
ولنتوقف ونتأمل البحر.
إني أتكلم من عالم
الموتى
وانا أتطلع الى جمال
السماء الصافية
أمّنا.
لقد خبِرنا مبلغ عطش القمم
ومدى جفاف القلب.
لا توجد لغة تحوي كلمات لوصف
الوحش البشري.
اننا لا نطالب، اننا
لا
نأمل
وبعد سماع الاخبار، استحممنا
وصافحنا الطقس.
صعدتُ خطوات جبل «تملباييس»
على عكازَين
لأشاهد غروب الشمس
لكني سقطت في مجارير
صبرا وشاتيلا المفتوحة.
مسبحةُ مجازرٍ لرهبان لبنان
المسيحيين
وللمجرمين الذي سوف يولدون.
يوجد بشر
أكثر من الحشرات
هذه الايام
ومبيدات الحشرات الى تناقص
لذا
سوف نمضي من إبادة شعب الى إبادة آخر
على شواطيء الأرض المجنونة.
أحذركِ، ايتها الغيوم
سوف يطلقون عليك النار
انت أيضا
لأنك أحسن
منا.
تقف شجرة صنوبر على بابي
مثل ملاك الموت
لكني قلت له
انه يحرس شبحي.
شجرات الموز في صيدا
زرقاء ومجرّحة.
لقد تدرّب العدو على
قتال الدبابات
في البساتين
لمنع الحصاد والسلام.
يجب ان لا ننسى لون
البحر.
أيها الشعراء
غيّروا العالم
او لازموا بيوتكم
+++
مباركون أولئك الذي يقاتلون
الطائرات
بقبضات الايدي.
مباركة أعراسهم
مباركة مقابرهم!
صدّقوني
سوف نبعث احياء.
السماء ربداء مثل الفولاذ
ربداء مثل البوارج الحربية
والأشجار المسكينة خضراء.
ونحن تحيط بنا
مساحات من الماء.
والإرادة الإلهية لم تعد تتكلم مع
النار والكلمات.
لقد هجرتنا منذ زمن طويل.
لكن بيروت المحاصرة حَمَت
نساءها وهن يرقصن
نعم
رقصن رقصة البطن
بطن الام
بطن المرأة.
حافظت بيروت على
شرفها حيّا.ً
رقصت بيروت تحت
وابل من القنابل الفوسفورية.
ومفخرة المدينة
اغنية عربية.
كثبان ارض الرمال الالفية
تستأنف
مسيرتها
وأمنا الأرض كفنٌ.
تركتم لنا الأناشيد الجنائزية
لكنها أجمل
من رجالِكم.
وتركتمونا تحت المطر
وفي البطن طعنات خنجر
لكن صبيا ميتا في عين الحلوة
يستحق القتال من اجله
الى ان تبصق نساؤكم
الدم
في نهر الأردن.
لن نزرع الحبوب
على المدافن
او في راحة يدي/الايدي
اننا غاضبون مثل عاصفة.
