يوسف عبدلكي والتفاصيل المشاغِبة
فوّاز طرابلسي
تعرفتُ الى كاريكاتور يوسف عبدلكي قبل ان أشاهد اعماله الفنية الاخرى. وعندما شاهدت تلك الاعمال، راودني سؤال لم اجد له جوابا جاهزا: كيف يصالح يوسف بين الكاريكاتور والتشكيل؟
في واحدة من محفورات مجموعة «ثمانينات»، التي عرضت مؤخرا في مسرح بيروت، يسلـّمنا يوسف عناصر للاجابة على هذا السؤال. يبدو المشهد للوهلة الاولى مشهد مضاجعة جامحة بين زوجين. تستطيع ان تمرّ بالمحفورة مكتفيا بهذا الانطباع. على ان مجموعة تفاصيل صغيرة تنبئك بأنك اخطأت النظر وأسأت الظن. يد المرأة المتشبثة باللحاف، يدها الاخرى المتمكنة من حافة السرير، تكشيرة الرجل ويده المغروسة، مثل مخلب، في لحم المرأة- تفاصيل تعيد تركيب المشهد على نحو مختلف تمام الاختلاف. فاذا انت حيال ما هو اقرب الى عملية اغتصاب او قـُلْ مضاجعة باردة بلا ايروسية ولا حب ولا لذة. وقد تكتفي بهذه المفاجأة. على ان يوسف عبدلكي يحتفظ لك بمفاجأة اخرى. عنوان المحفورة – «المدير العام»- تفصيل جديد يقلب المشهد رأسا على عقب ويشحن توازن القوى الوحشي القائم في السرير بين رئيس ومرؤوسة بشحنة اجتماعية لاذعة.
باختصار، يوسف عبدلكي عمل بك «مقلبا». لا تبحث عنده عن السهل والبديهي. انه يسعى الى الحقيقي. والحقيقي مشج وتركيب. ليس الكاريكاتور بين يديه مجرد تشويه وتضخيم. هو منظور آخر للحياة. ولا دأب الفنان التسلية او اثارة الضحك. انه يرمي الى التنبيه والصدمة. ان الكاريكاتور في تشكيل يوسف عبدلكي مسلسل من «المقالب» تحذّرك: لا تتوقع ان يريك الفنان ما ترى او ما يروق لك رؤيته. يريد الفنان ان يريك ما لا يريك اياه المسيطرون على المشهد البصري، جماعة «الوهلة الاولى».
هذه التفاصيل المشاغِبة هي المدخل الى عالم يوسف عبدلكي الفني.
انها الحركات التي بها تتشكـّل مفردات نصه التشكيلي.
تنتظم مجموعة «ثمانينات» في مناخين متفارقين. يسبح عدد من المحفورات في غنائية شرقية تدرج المشهد اليومي في إطار يستوحي تركيب المنمنمات. لكنها منمنمات نقيضة، اذا جاز التعبير. تكفي مجموعة خطوط سوداء لكي ينفتح اطار النمنمة على الحاضر وتلسعك القيود التي تكبّل انساننا المعاصر. تبلغ هذه التقنية ذروتها وتتجاوز نفسها في محفورة «الروح القدس » المدهشة. ليست مجرد مشهد ذي ايحاء ديني. انها «مقلب» متكامل. ينبني السرد ويتكثف بواسطة المجابهة بين اليومي والاسطوري، والنافل والمقدّس، والروحي والحسّي. الكلب الاليف يغفو على نغم الاسطورة. والحَمَام المقدّس يحاكي الدجاج الاخرق. ومريم تتسربل في زي شهرزاد لتستقبل «البشارة» تظهر على شاكلة ايروسية فرس او جسد ذكوري مقطوع الرأس.
يعلن عدد آخر من المحفورات ان لعبة التفاصيل قد استنفدت اغراضها. كأن يوسف لم يعد يكتفي بالوحشي ورموزه تدهم حميمية اليومي والعادي والاليف. يمسخ الفنان حيواناته المشحونة عافية وايروسية فينيخها تارة او يطلق لها الاعنّة تارة اخرى، لتستحيل، في الحالتين، بهائم ميكانيكية هي نتاج المسافحة بين السلاح والحيوان.
في مجموعته الحالية، «اشخاص»، يحقق يوسف نقلة كبيرة في التشكيل والتعبير تنمّ عن نضج وثقة متزايدة بالنفس وسيطرة اكبر على الموضوع والتقنيات. تنسحب الغنائية لصالح السخرية ويتحول الكاريكاتور الى مَسخ. مَسخ يطاول الشكل البشري هذه المرة.
هذه الايقونات الوحشية والموحِشة تعرض ثلاثة شخوص في صَمْدة مَن هو عارف انك تصوّره وتشاهده. هم ثالوث يواجهك في كل جلال عبثه وعذابه والصمت. لا ليس مجرد صمت. هو جدل محيّر بين حضور وغياب وبين هوية وإمّحاء. وهو توازن مضغوط بين افراد «عائلة مقدسة » يشي بالاختلال المروّع في العلاقات والمواقع والمقامات. هذا وجه إله او ملك آشوري يحمل كل مهابة فشله. وهذه إلهة الخصب عند العرب البائدة. كانوا يسمونها «ام بزاز»، صاروا يسمونها «ام الحَلَمات». ولك، إن شئت، عذراء معاصرة يجاورها حارسا عفافها، كأنهما يكرران على مسمعها، ومسمعك، أمثولة يوسف وهبي الشهيرة: «شََرَف الِبنت زيّ عُود الكبريت». إبحث بنفسك عن الجلاّد والضحية. واحدهما يستظهر الآخر. فقد تلقى الضحية إكتسبت ملامح الجلاد.
ولا يفوتك البحث عمن إختار موقعه بين هذا وتلك. ففقد وجهه والملامح.
ان القداسة الوحيدة في هذه الايقونات هي الاعلان عن حالة تنتهك فيها كل المحرمات وجميع المقدسات.
ثم انك تستطيع ان تستعرض تلك الايقونات على نحو متسارع، واحدة تلو الاخرى، فيتشكـّل المشهد، إذذاك، مسرحا للدمى المتحركة. هؤلاء «الاشخاص» شخوص، وهذه الشخوص دمى تمثّل شخصيات وأدوار. حرّكها على هواك. إجعلها تتخلع بحركاتها المتخشّبة الفجائية الصمّاء. اذا كان يوسف عبدلكي ليس يزوّدك بدليل استخدام، الا ان «صندوق الفرجة » هذا كامل التجهيز. يأتيك ومعه لوازمه والمكمّلات. انها «قطع غيار» المشهد العربي الراهن: أيدٍ واصابع وساعات وأحواض نبات وقبّعات وأزياء وغُربان وقصاصات صحف وعصافير واوسمة وأوشحة… لك منها جميعا ما تحتاج وأزود. شكّل وحرّك في هذا النص التشكيلي ما استطعتَ اليه سبيلا. ان شخوص يوسف عبدلكي ليس ينقصها الا سيناريوهاتك عن الانا المتضخمة والوقت – وسارقي وقتنا – والامر بالمنكر والنهي عن المعروف – وانت ادرى – والاصلاح الزراعي والجنس السياسي والتصنيع الثقيل والحب العذري والحل السلمي، على سبيل المثال لا الحصر. (ولن يخفى على الـُمشاهد اللبيب ان بين اللوازم أصبعا مصمّمة خصيصا لاداء الحركة المعلومة. يرجى استخدامها في حدود اللياقة والحفاظ على الآداب العامة).
على غرار مسوخ غويا ومسوخ بيكاسو- فترة الحرب الاهلية الاسبانية وتتويجها في «غيرنيكا»- انتج يوسف عبدلكي مسوخه كائنات غرائبية تحاول مجاراة فوق-غرائبية وفوق-عبثية «واقعنا» لتعلن فضيحته.
وفي هذه المجابهة حوار خصيب هو هذيان حرّية…
