هذه هي الديمقراطية… ايضا
فواّز طرابلسي
ليست الديمقراطية مجرد إنتخابات.
لكن الانتخابات في الديمقراطية هي الممارسة التي تجسّد المبدأ الاساس: ممارسة الشعب لحقه في إختيار حكامه ومحاسبتهم وتغييرهم. يأتي بعد ذلك الباقي والمكمّل: المساواة السياسية والقانونية بين افراد الشعب، الحريات والحقوق الاساسية المضمونة في القانون والمؤسسات، فصل السلطات، انبثاق السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية، تداول السلطة بين حكم ومعارضة، الخ.
لم تحقق الثورات العربية قسما كبيرا من هذه الاهداف ولا انشأت ما تحتاجه من المؤسسات بعد، مع انها تقف امام تحدياتها في مراحل انتقالية تأسيسية، لا يفترض بها ان تتجاوز العام او العامين، تجري خلالها صياغة الدساتير وتشريع الأنظمة الانتخابية الاساسية وانشاء المؤسسات المواكبة.
لكن ما حققته الثورات العربية انها فرضت المبدأ الانتخابي. مصر مثالا.
من اطرف تعريفات الديمقراطية انها تقوم على مبدأ «حق الاكثرية في الخطأ». لنقل ببساطة: خير ان تخطيء الاكثرية وان تكون لها آليات ومؤسسات ومهل دستورية لتصحيح اخطائها، من عصمة الفرد الحاكم الى الابد، ام السلالة، جمهورية او ملكية، او عصمة العقيدة، دينية اكانت ام مدنية. فكيف نسائل او نحاسب او نعاقب او نغّير هؤلاء المعصومين؟ ان مشاهد واحداث وتطورات، ودماء ودمار ومجازر، العام والنصف المنصرم هي الجواب.
ما اكثر مثالب الديمقراطية ونظامها الانتخابي.
ولكن لنقيس الخطوات التي تخطوها الديمقراطية الوليدة في مصر، فنقارن بين الانتخابات الرئاسية المصرية (او النيابية من قبلها) والانتخابات النيابية السورية. من سمع او قرأ او شاهد تحليلا لنتائج الانتخابات النيابية السورية؟ نعرف ان ٤٠٪ صوتوا في تلك الانتخابات، وهي النسبة ذاتها التي صوتت في الرئاسية بمصر. من يعرّف المزيدة؟ ليس المهم ان خصوم النظام لم يكترثوا بالانتخابات النيابية. الاهم ان انصاره اهملوها هم ايضا، مع انها تتويج المشروع الاصلاحي الشامل للنظام.
الفارق بين المعركتين الانتخابيتين كامن تحديدا في عنصر المفاجأة. المفاجأة في الانتخابات النيابية السورية هو فوز حزب البعث وحلفائه. والحقيقة ان المفاجأة لم تكن مفاجأة كاملة لأن وسيلة إعلامية لبنانية فوّتت علينا فرحة المفاجأة عندما سرّبت خبرا يقول ان حزب البعث وحلفاءه سوف يفوزون بالانتخابات!
حصلت تجاوزات عدة خلال الرئاسية المصرية إستدعت عددا كبيرا من الطعون. ردّت اليهئات المختصة معظم تلك الطعون. اما تكريس النتائج النهائية للدورة الاولى فينتظر قرار المحكمة الدستورية حول العزل السياسي المتوقع في ١١ حزيران. ولا يمكن استبعاد التجاوزات الناجمة عن الضغوط السلطوية والامنية والعسكرية ولا عن دور المال وهو الخطر الرئيسي على العملية الانتخابية وعلى الديمقراطية عموما. في المقابل، هل حصلت تجاوزات في الانتخابات السورية؟ لسنا ندري. كل ما سمعنا وقرأنا ان زعيم حزب مرخص حديثا عقد مؤتمرا صحفيا إنتقد فيه التجاوزات في العملية الانتخابية، والدليل، على ما يبدو، هو قلة عدد المقاعد التي حازت عليها لائحته. وهل لجأ زعيم اللائحة المذكور اصلا الى اية مرجعية للطعن في الانتخابات؟ وما هي؟.
المفاجأة في الانتخابات الرئاسية المصرية … مفاجآت.
المفاجأة الاولى هي ان التوقعات رجّحت ان تكون المبارزة بين عمرو موسى وعبد المنعم ابو الفتوح، فإذا ترتيب هذان أتى في المرتبتين الرابعة والخامسة. ويجب القول ان في الامر اكثر من مجرّد ضعف في استطلاعات الرأي العام.
المفاجأة الثانية هي في حجم الاصوات التي نالها المرشح أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء حسني مبارك، الذي إرتكبت في عهد حكومته معظم اعمال الاعتقال والقتل ضد المتظاهرين السلميين. والاهم ان شفيق، كما تبيّن اخيرا، كان مرشح الجيش لرئاسة الجمهورية في وجه محاولة حسني مبارك فرض توريث ابنه جمال. تكثر الاجتهادات في تفسير هذه المفاجأة. يمكن ان نستبقي منها اجتهادان. الاول ان حزب الدولة – وليس فقط «الفلول» طالما ان الرجل يجمع بين العسكر وبقايا النظام القديم – لا يزال حزبا قويا في مصر، يبدأ من شبكات العمدة في القرى ويمرّ عبر البرجوازية المتحكمة بالاقتصاد ويتغذى من النفوذ الذي يمارسه الملايين من أفراد البيرقراطية الادارية وأجهزة الامن والقوات المسلحة. والتفسير الثاني هو ان خواف الامن والاستقرار، لعب الى حد كبير لصالح شفيق. وهو خواف يحرّك قطاعات واسعة من الطبقات الوسطى والوسطى الدنا، مثلما يحرّك قطاعات من الرأي العام تؤثر اللجوء الى الدولة والحكم القوي خشية من حكم التحالف الاسلامي.
المفاجأة الثالثة هي تقلّص نسبة أصوات الاخوان المسلمين الى النصف قياساً لنسبة أصواتهم في الانتخابات النيابية. مهما حاول قادة حزب الحرية والعدالة التقليل من أهمية هذا الانخفاض فهو يدلّ على الفارق الكبير بين الانتخابات النيابية (حيث تغلب الاعتبارات المحلية) وبين الانتخابات الرئاسية، حيث تغلب الخيارات السياسية والوطنية العامة. والانخفاض، من جهة ثانية، مؤشر، قد يكون مؤقتا او لا يكون، على نفور جمهور لا يستهان به من اداء حزب الحرية والعدالة ذي الاكثرية البرلمانية. ومن ابرز عوامل هذا النفور الشعور بأن حزب الحرية والعدالة يحوّل التفويض الانتخابي المعطى له لقيادة المرحلة الانتقالية الى إجازة للاستئثار بالسلطة.
المفاجأة الرابعة، ولعلها الاهم، هي نيل قوى الثورة اكثر من ٤٠٪ من الاصوات اذا ما إحتسبنا الاصوات التي نالها المرشّح الناصري حمدين الصباحي، معطوفة على اصوات عبد المنعم ابو الفتوح. كشفت اصوات التي نالها حمدين الصباحي وجود تيار ناصري جوفي، ظهر بزخم الى العلن، ما ان رفع غطاء القمع عنه، وأضيفت له أصوات جمهور واسع اراد من التصويت للمرشح الناصري تسجيل تصويت سياسي ايجابي ضد الاسلاميين والفلول في آن معا. والملفت ايضا في اداء حمدين صباحي تفوقه من حيث عدد الاصوات على منافسيه في المدن الرئيسية وخصوصاً القاهرة والاسكندرية والسويس. وهذه ظاهرة اجتماعية-سياسية تؤكد الخزان المديني لقوى الثورة، وهي بذلك عنصر قوتها وضعفها، في آن معا.
ليس في نية هذه السطور التكهن عن نتائج المبارزة بين شفيق ومرسي في الدورة الثانية، خصوصا اننا سمعنا للتو الاعلان الرسمي على نتائج الدورة الاولى.
كل الخيارات مفتوحة. سوف يتنافس مرشحا الدورة الثانية على السعي لاكتساب اصوات قوى الثورة بمختلف الوسائل. وسوف يضطرب دون شك المقياس لدى تلك القوى في الاختيار بين السيء والاسوأ، على افتراض ان التمييز بين سيء واسوأ ممكن في هذه الحالة. هنا تقع نظرية التوازن بين سلطة تشريعية بيد التحالف الاسلامي وبين سلطة تنفيذية بيد العسكر التي يجري الترويج لها بالاشارة الى النظام السياسي الاميركي. تنطوي الصيغة على مقدار كبير من السذاحة لأن البرلمان المصري ضعيف الى حد بعيد قياسا الى وزن الجهاز السلطوي برمّته. ولا يجوز استبعاد محاولات الطرفين لاستيعاب قوى الثورة عن طريق صيغة نائبين لرئيس الجمهورية وهو اسوأ مطبّ يمكن ان تقع فيه تلك القوى.
منذ سقوط حسني مبارك والواضح ان مصر الثورة تعيش منافسة حادة بين شرعيات ثلاث: شرعية الوضع القائم، شرعية الحركات الاسلامية وقد تكرّست بالفوز الانتخابي، والشرعية الثورية. المعركة مستمرة بين القوى الثلاث. لكن الجديد ان قوى الثورة لم تعد مضطرة لأن تحصر نفسها بالضغط في الشارع والميدان. لقد أحصت قواها ولعلها فوجئت قبل غيرها بمدى تلك القوة. فبات في استطاعتها، بل واجبها، التدخل المباشر لتعديل توازن القوى السياسي لصالحها. لصالح الثورة، اي التعديل الجذري للنظام المصري.
ان العودة الى الميادين لا بد منها. لا يتحقق شيء دون الضغط الشعبي القاعدي. ولكن المؤكد ان ما يوازيه اهمية الآن هو تجميع عناصر هذه القوة الثالثة التي اكدت الانتخابات الرئاسية ضخامة حجمها في كتلة متآلفة.
لا دروس تعطى هنا. اكدت الانتخابات مرة ثانية ان مصدر قوة حزب الحرية والعدالة انه… حزب. ولا يفلّ الاحزاب الا الاحزاب.
