Back to Publications
Publications Articles

We Love... Advertising!

Advertising bewitches you into desiring mustard instead of the woman — after years of using the woman to sell you mustard. Its growing role tracks the hollowing of politics.

نحن نحبّ … الإعلان!

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

«نحن نحبّ» … الإعلان!

فواّز طرابلسي

«الدعوة الى الناس كي يغادروا أوهامهم هي دعوة اليهم للتخلّص من أوضاع تحتاج الى أوهام» (كارل ماركس)

ثمة دور متزايد للاعلان في الحياة السياسية اللبنانية. لا حاجة لادلة على ان الاحزاب والتيارات تلجأ اكثر فاكثر الى شركات الاعلان والعلاقات العامة لتنظيم حملاتها السياسية ومهرجاناتها وحملاتها الانتخابية ودعايتها عموما. ولن يكون مستغربا ان يتساوق نمو دور الاعلان هذا مع تزايد خواء الحياة السياسية. ونستطيع ان نضيف: وخواء الحياة الثقافية ايضا!

تلعب الثقافة ادوارا متعددة ومتصاعدة الاهمية في «رأسمالية زماننا الحاضر» التي نسمّيها «العولمة». ينطوي الدور الاول على مجموعة الوظائف التي يستدعيها الترويج للسلع في عالم لا يزال محكوما بالقانون الرأسمالي الابرز: التناقض بين الانتاج والاستهلاك. ردما للهوة المتسعة بينهما، نما فن وعلم تشجيع البشر على المزيد والمزيد من الاستهلاك وعدم الاشباع مما يستهلكون وإستدراجهم دوما الى طلب المزيد. ولا عجب فلشركات الاعلان والاتصالات قدرة هائلة للعب على العواطف والغرائز. فإذا كان الاعلان يستطيع ان يخلبك لتشتهي سلعة ما (قد تكون سيارة او عبوة خردل او زجاجة ماء معدنية) بديلا من المرأة الشهية الساعية للفت نظرك، بعدما امضى -الإعلان- سنوات في استخدم المرأة الشهية ذاتها ليغريك بشراء واحدة من تلك السلع، فلا يجوز التهوين من امر…الاعلان.

في دور آخر للثقافة في عالمنا المتعولم، ممارسته للاخفاء والتورية: ديمقراطية الانترنت – وهي واسطة اتصال- تخفي الاحتكارات الجبارة، وانتشار مطاعم «الوجبات السريعة» -والطبخ ثقافة- يتوارى وراءه انتشار الهيمنة العسكرية الاميركية على العالم، و«السوق الحرة» لا تحرسها الا جبروت البنتاغون، وفكرة «القرية الكونية» تنسيك انقسام العالم الى ارخبيل من الرخاء والبذخ وسط بحر محيط من الفقر والعوز والنوافل.

ثم انه وفق هذا الفهم للثقافة، يجري تقسيم البشر الى جماعات «ثقافية» حيث «الثقافة» هنا هي المعادل للغات والعادات والتقاليد والقيم المتوارثة اكثر ما تعادل جهد البشر الدائم لتغيير بيئاتهم وتغيّرهم هم انفسهم في خلال ذلك. واخيرا فإن هذه الاوجه المختلفة لما حل بالثقافة، إن هي الا مكوّن اساسي من مكونات الغلبة الكونية لمابعد الحداثة الاميركية الرافضة للسرديات الشاملة، والتيارات الفكرية الكبرى، والمهجوسة بالدرجة بالجزئيات وبالهويات.

دخلت شركات العلاقات العامة والاعلان وخبراء «تحسين الصورة» على الحالة الاهلية المحلية اللبنانية من الباب العريض، باب الطوائف والمذاهب وفِرق الزجل التابعة لها. فتستطيع ان تتصوّر الخلط الناجم عن هذا الارتطام بين الكوني والمحلي.

في مجال المحسوبية والاستزلام، يبادرك شعار «َلعيُونك» (يلفظ: لع عيونك). بدأ تحية لمشاهدي شركة تلفزيون بعينها ثم أمسى شعاراً كرمى لعينَي صاحب الشركة. وآخر المبتكرات في مضمار الدعاية بما هي «غَزَل سياسي»، شعار «مِنْحِبَّك» الذي اختزل الحملة الدعاوية الواسعة لمبايعة الرئيس بشار الاسد في ولاية جديدة. يكفي ان نلاحظ، في الحالتين، ان العاطفة من الشعب الى الحاكم. والحاكم المحبوب ليس يحتاج حتى الى ان يبادل الشعب بشيء ولا حتى بالعاطفة.

هذا في عالم المبايعة. في المبالغة، تلقى لسعة صوتية او مرئية من نوع «عَن جَدّ: نوّرِتْ» إعلانا لتلفزيون «غير شكل» تأخر في تنوير شاشته في بلد تتناقص فيه ساعات التنوير وترتفع أسعار فواتير الكهرباء. ولعلها الشركة ذاتها وضعت اعلان «عن جدّ، اشتقنا لك» بعد مضي عام على إطلاقها شعار «إشتقنالك».

على ان الشعار الاكثر اثارة للسجال خلال العامين الخاليين هو «نحن نحبّ الحياة» الذي اعتبر خبطة موفقة لجماعة ١٤ آذار ضد المنحى الجهادي والاستشهادي في فكر «حزب الله» وسلوكه. سارع جماعة ٨ آذار الى الرد بما يفيد قبول النزال في ساحة «الحياة» اياها مشترطين «حب الحياة» مقرونة بالعزة والكرامة.

على ان المذهل في امر اللسعات المرئية والمسموعة التي تطلقها شركات الاعلان لصالح الافرقاء السياسيين، انها اودت بالبعض الى ان يحملها على محمل الجدّ، نعني محمل الهمّ النظري والفلسفي يجري الخوض فيه والنزال.

تكشتف عند مثقف من دعاة «ثقافة الحياة»، مثلا، ان كارل ماركس كان مفكر «حب الحياة» لا صاحب الجدلية المادية ولا منتج علم الرأسمالية، ولا هو المفكّر الذي فهم الدين على انه «زفرة المقهور» و«روح عالم بلا روح» و«أفيون الشعب» (والافيون يستخدم ايضا لتهدئة الآلام التي لا علاج لها). على انك تطمئن إذ تلاحظ ان مثقفي «حب الحياة» من الشيوعيين السابقين يحدوهم الاستعلاء الثقافي (والطبقي) اياه تجاه الجماهير بما هي «قوى عمياء»، «مشوّهة الوعي»، «مسلوبة الارادة» لا من قبل البرجوازية هذه المرة وانما من قبل «الفكر الديني».

طبعا، لا يخطر في بال تلامذة الديالكتيك سابقا في المدارس السوفياتية ان تطلّب الخلاص من الحياة قد يكون لجور الحياة ذاتها؟ وان التطلّع الى سعادة ما وراء هذه الارض تعبير عن العجز عن تحقيقها على هذه الارض او هو تعويض عن امكانية تحقيقها اصلا؟ وكيف يدور في خلد من كانوا طليعة الطبقة العاملة والجماهير الكادحة سابقا، ان الموت يهون عندما تتساوى في ظروف العيش المادية الحياة والموت؟ وكل واحد منهم ردد غير مرة وعيناه تتلألأن بالدمع «أاوجع من انك المزدرى/وأقتل من انك المعدم؟» مع الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري وهو يحضّ ابناء الضواحي البغدادية الفقيرة على اقتحام «ازيز الرصاص» حتى الاستشهاد تطلبآ لغد مشرق او لمجرد ذود عن كرامة؟!

اما اذا اردنا ان نتناسى جدل حب الحياة بما هو القبول بالامر الواقع، وكرهها، لامكننا طبعا التذكير بأن الحياة تستحق ان نغيّرها لكي تليق بالانسان!اما في مجال التخفيف من كل هذا والتهوين، فيكون لسان حالنا مع الشاعر الكبير محمود درويش «إنا نحب الحياة إذا إستطعنا اليها سبيلا».

ومن جهة ثانية، فإن رفع «المقاومة» الى مصاف «الثقافة» لا يكاد يختلف كثيرا عن تخليطة «ثقافة الحياة». هنا تلقى المقاومة وقد إستحالت جوهرا ثقافيا، تستطيع نسبته الى الفطرة حينا او الى تربية الجماعة حينا آخر، فتستتبع اليها – المقاومة بما هي ثقافة- ما شئت من العقائد الاخرى من وطنية وقومية وماركسية وحداثوية وليبرالية وغيرها. هي مقاومة مستمرة من الازل الى الابد. لا يأتيها الباطل من امام ولا من وراء. ولا تبالي، طالما هي «ثقافة»، بمتى تقاوم؟ واين؟ وكيف؟ ومن اجل ماذا؟ والى متى؟ وهل تقاوم هجوما، ام دفاعا، ام تراجعا، ام تحالفا، ام عنفا، وبالسياسة، ام بالثقافة، الخ. وهي اخيرا مقاومة تستطيع «الثقافة» بأل التعريف، ما دامت هي ثقافة، ان تستنزل لها وعليها ما شاءت من الغيب، بما في ذلك المسؤولية الربّانية عن اصابة صاروخ مقاوم لبارجة اسرائيلية من المرة الاولى.

في صراع الثقافات هذا، تستطيع ان تحرّض طالبا جامعيا على زميله لأن واحدهما يحب الحياة والآخر لا يحبها، او لا يحب محبّيها. وقد ينتج القتل عن هذا الصراع «الثقافي». وهذا كله لأن اصحاب «ثقافات» حب الحياة وعدم حبها، والمقاومة والاستسلام، يتساويان في العجز عن دعوة الطالبينَ الى التضامن واحدهما مع الآخر لتأمين «حياة» يستحقونها! حياة توفر لهم دراسة غنية وفرص عمل على قدر الجهد والجدارة وحدا ادنى من العناية الصحية وسكنا لائقا واملا ما في مستقبل لا يكون مجرد إسم لتيار سياسي و«ثقافي».

Themes
Political Economy Politics
Countries
Lebanon
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Media Lebanese Politics Lebanon

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.