Back to Publications
Publications Articles

The Holocaust of "Security"

He who does not strengthen war capabilities does not strengthen peace—Palestine transformed from national liberation into protecting the colonizer from its victims. No liberation without change.

محرقة »الامن« 

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

محرقة »الامن«

فواّز طرابلسي

الحديث عن تغليب النظرة الامنية على النزاع العربي الاسرائيلي ليس بالجديد.

الجديد الذي تتكشف عنه دماء غزة ومحرقة غزة هو الى اي مدى صار هذا التغليب امرا واقعا عربيا. وهذا في وقت قد لا تسفر فيه محرقة غزة، نتيجة المقاومة البطولية لشعبها، عن اكثر من قتل ما الف فلسطيني وجرح عدة الاف وتدمير اجزاء حيوية من القطاع، لمجرد الاثبات ان الجيش الاسرائيلي »بات قوة امنية رادعة«، على ما يعلمنا وزير الحرب باراك! كأننا لم نكن ندري!

كل شيء يجري حسب نظرية »السلام والامن« الاميركية. وقوامها إثنان: »حلّ النزاعات« بواسطة »بناء الثقة« او التطويع القسري، وفي الحالين دون معالجة الاسباب. اما »بناء الثقة« فينم عنه ان يتواجد ملك العربية السعودية ورئيس الدولة العبرية في مؤتمر واحد عن »حوار الاديان«. واما التطويع القسري، فيعني ان يفرض على ۳۰۰ مليون عربي انه لم يعد لهم من وظيفة او دور في هذا العالم غير حماية امن دولة عسكرية استعمارية استيطانية توسعية، أجلتْ اكثرية شعب من بلاده وإحتلت وتحتل الاجراء الاكبر من فلسطين التاريخية ناهيك عن اراض عربية في الجولان وجنوب لبنان. والوسائل هنا هي وسائل »الفوضى الخلاقة« من قتل وغتيال واحتلال وحروب لا متناهية وارهاب دولة عندما لا ينفع فرض الامر الواقع بالسياسة و»الثقافة«. والمضمر في الحالين ان هذا العالم العربي مصاب بـ»وباء« ثقافي-ديني يجب استئصاله هو نزعته القوية الى »العنف« و»التطرّف«.

صدّق او لا تصدّق!

ما الذي سمح بهذا الانقلاب بنسبة ۰٦۳ درجة في معادلات الصراع؟ كيف امكن تحويل قضية فلسطين من قضية تحرر وطني لآخر شعب مستعمَر في العالم، يناضل من أجل حقه في تقرير المصير في وطن ودولة منذ ما يقارب ثلاثة ارباع القرن، لتصير قضية حماية المستعمِر من ضحاياه؟ والمحتل من الخاضعين لنير إحتلاله؟

يكمن الجواب في موقع النزاع العربي-الاسرائيلي من العلاقة الثلاثية بين العرب وكل من اسرائيل واميركا.

»فلسطين هي القضية العربية المركزية«. هذه مقولة تحتمل التباسات عدة. منها الاشارة الى انها آخر مصدر للخلاف بين العرب والغرب. او انها مفتاح الحل لسائر قضايا المنطقة. وفي التفسيرين مقدار من الخطل والتضليل. ومهما يكن، فقد جرت عملية تجويف للمنطقة المحيطة بـ»القضية المركزية« شملت كل عناصر الحياة فيها، وطنيا وقوميا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، قبل الالتفاف نهائيا على فلسطين ذاتها. وهو تجويف تبادلت فيه اسرائيل والولايات المتحدة الادوار والوظائف.

لم يكن العام ۷٦۱۹ علامة فارقة في التاريخ العربي المعاصر عن عبث. لعب العدوان الاسرائيلي على مصر الدور الرئيسي في اسقاط نظام عبد الناصر، واستيلاد الردة عليه من صلب نظامه ذاته، وجرّ مصر الى الحظيرة الاميركية، بواسطة المال السعودي، وفك التحالف مع الاتحاد السوفييتي. ولم يكن جمال عبد الناصر ونظامه، الزخم العربي والدولي الذي اطلقه، مجرد خطر على امن اسرائيل وحدها بل شكل خطرا على المصالح الاستعمارية في المنطقة برمتها بما فيها الانظمة العربية المرتبطة بها، والنفطية منها خصوصا. وهو الذي ارتكب »الخطيئة المميتة« عندما اعلن ان »اسرائيل هي اميركا واميركا هي اسرائيل«. ومن جهة ثانية، بدلا من ان يؤدي وصول البعث الى السلطة في العراق وسورية الى بناء الجبهة الشرقية في وجه اسرائيل، ناهيك عن مهمة تحقيق الوحدة بين القطرين، ادت الى القطيعة بينهما.

المحطة الثانية في هذا المسار هي دخول المنطقة مرحلة الحلول الثنائية. بموجبها، خرجت مصر، من الصراع العربي-الاسرائيلي، وهي الرابط بين مشرق العرب والمغرب، وجرى تقزيم »ام الدينا« الى توسل دور الوسيط بين اسرائيل والفلسطينيين، دور يزداد انحيازا الى الطرف الاول. تلت ذلك اتفاقية اوسلو المتكئة على وهم فلسطيني بأن اسرائيل بحاجة الى شريك فلسطيني من اجل تحقيق السلام. في اوسلو، اعترفت اسرائيل بسلطة فردية بديلا من الاعتراف بحق شعب في حق تقرير المصير، في مقابل الاعتراف

الفلسطيني بدولة اسرائيل وتحقيق انفصال قضية الضفة الغربية وغزة عن المكونين الباقيين للشعب الفلسطيني في الشتات وداخل حدود العام ۸٤۱۹. وكانت النتائج الكارثية التي نعرف: اخماد الانتفاضة الاولى وحصار ياسر عرفات، بعد ان تبينّ انه لا يلتزم بوظيفة حماية امن اسرائيل مجاناً، وصولا الى إغتياله الموت البطيء. ولما حل »البديل المعتدِل«، الذي كانت تطالب به اميركا واسرائيل، جرى عصر كل التنازلات الممكنة من محمود قبل الاعلان عن »فشله« في ماذا؟ في حماية امن اسرائيل! اما على الصعيد العربي، فكانت اوسلو اعظم عذر ممكن اتاح لمعظم الانظمة العربية بالانفكاك عن القضية الفلسطينية، جرياً على مقولة »ما دام القاضي راضي«، وهي الانظمة المستعجلة في التخلّص من نقطة الخلاف الاخيرة التي تحول دون خضوعها للمشيئة الاميركية.

حتى لو افترضنا جدلا انه كان بالامكان »تحييد« أميركا وتوسلها للضغط على اسرائيل من اجل حل عادل للنزاع العربي الاسرائيلي ولعب دور »الوسيط المنزّه« الذي لم تكنه مرة، يثور السؤال: ما الذي اعدّته الانظمة العربية لممارسة ضغوطها على اميركا؟ الجواب: لم تكتفي تلك الانظمة بعدم اعداد ايه عناصر للضغط بل بددت ما كانت تملكه اصلا من عناصر القوة.

بعد العام ۱۹۷۳، أخرِج النفط العربي من المعركة كوسيلة ضغط من اجل حل عادل للنزاع العربي الاسرائيلي وبما هو عنصر حاسم في التنمية العربية الذي يسمح للعرب عموما بالارتقاء نهائيا الى القرن الواحد والعشرين. تحولت الثروة الرئيسية للمنطقة الى ترليارات من البترو دولارات الموظفة في دعم الاقتصاديات الرأسمالية العالمية، وباتت رهائن فعلية في مصارفها والشركات وسندات الخزينة، ناهيك عن المضاربة في الفقاعة المالية المتعولمة، هذا عندما لم تكن تلك الاموال موضع الهدر الفلكي والاستهلاك الباذخ المهووس.

حققت تفجيرات ۱۱ ايلول ۲۰۰۱ الالتحام الكامل بين الولايات المتحدة واسرائيل حول شعار الحرب الدائمة ضد الارهاب. فكان مجيء شارون. وكان احتلال العراق يستكمل اخراج بلد عربي رئيسي آخر من النزاع العربي الاسرائيلي. على ان الجديد هنا هو عدم الاكتفاء بشن حربين على آخر بؤرتين للمقاومة في لبنان وغزة وانما مطالبة الانظمة العربية ذاتها ان تتولى حماية امن اسرائيل داخل حدودها هذه المرة.

نعود الى الامن. لم يعد يوجد جيوش فعلية في المنطقة الا جيش اسرائيل. بعد ان تقلّص عديد وعدة الجيش المصري، وحلّ الجيش العراقي. وقد إنتهت عمليا اتفاقية الدفاع العربي المشتركة بالتزام مصر والاردن الدفاع عن أمن اسرائيل لا عن الامن العربي. حتى ان بعض العرب يشعر بخطر السلاح النووي الايراني اكثر مما يستشعر خطر ۰۰٤ رأس نووي لدى اسرائيل.

الامن. الامن. الامن. »ليس من مهمة مصر أن تعزّز من قدرات الحرب بل ان تعزّز قدرات الشعب الفلسطيني للعيش في أمن«. هذا هي زلة اللسان المعبّرة لوزير الخارجية المصري، يتحدث عن »امن« لا عن »أمان«.

ان الذي لا يعزز من قدرات الحرب لا يعزز من قدرات السلام.

وما يجري الآن في فلسطين يشبه الى حد بعيد مجريات الامور خلال انتفاضة فلسطين الكبرى ضد الاستعمار البريطاني والاستيطان الصهيوني عام ٦۱۹۳-۱۹۳۹.

عندها طلب الزعماء العرب، المقيّدون بسلاسل التبعية البريطانية، من الفلسطينيين تعليق الاضراب العام للسماح لهم بالتفاوض من »دون ضغط« مع السلطات البريطانية. خرج زعماء ذلك الزمان بورقة بيضاء هزيلة لتحديد الهجرة اليهودية، فيما الحركة الوطنية تطالب بانهاء الانتداب، ثم وقفوا متفرّجين بينما الجيش البريطاني يسحق الانتفاضة ويعيد احتلال فلسطين من جديد بالحديد والنار.

ولاولوية الامن منطقها الحديدي الزاحف زحفا لا هوادة فيه. من تحميل العرب مسؤولية حماية أمن اسرائيل بالحراسة المصرية للمعابر ومنع غزة من التزود بالسلاح،يجري الانتقال الآن للعمل على تغيير طبيعة النزاع ذاته على لسان تسيبني ليفني التي تعلمنا اسرئيل تمثّل فعلا مصالح المعتدلين العرب والصراع لم يعد اليوم »اسرائيليا-فلسطينيا-عربيا. لكنه صراع بين المعتدلين والمتطرفين. هذه هي الطريقة التي تنقسم بها المنطقة حاليا«.

ولقد صدقت. ان عددا متناميا من الانظمة العربية بات يحتاج الى الحماية من شعوبه لا من اسرائيل.

والخطر الآن هو الانتقال من مثال ٦۱۹۳ الى مثال ۱۹ فالخطوات لم تعد ببعيدة. ها هو جون بولتون، الاشد هياجا وعنصرية بين »المحافظين الجدد« والممثل السابق للولايات المتحدة في مجلس الامن، يدعو الى حل الدول الثلاث – تسليم غزة لمصر والضفة للاردن- بدلاً من حل الدولتين. والحجة؟ ان السلطة الوطنية فشلت. طبعا، في حفظ أمن إسرائيل.

لقد إنجدلت المسألة الوطنية نهائيا بالتغيير الوطني والديمقراطي والاقتصادي-الاجتماعي الداخلي. ولقد خسرت الشعوب العربية مثلما خسر الشعب الفلسطيني افدح الخسائر جراء الفصل بين المسألتين. ولعل الحرب التي تشنها إسرائيل على حكومة منتخبة شعبيا تطيح الى الابد الوهم القائل ان الولايات المتحدة تريد ان تفرض علينا

»ديمقراطيتها«. كل ما تريد فرضه هو العسكرية الاسرائيلية والاحتلال والهيمنة والانظمة السلطانية.

ان »الجهاد الاكبر« الان من اجل فلسطين ليس مجرد كلمة حق في حضرة سلطان جائر بل الاطاحة بالسلاطين الجائرين. لذلك كان بناء القوى الذاتية للتغيير الداخلي في كل قطر عربي، والتشبيك بينها، لا مجرد افعال تضامن مع فلسطين وانما تعبير عن المصالح العربية الحيوية في الحرية والعمل والسيطرة على الموارد والثروات والعدالة الاجتماعية.

لتفادي ٦۱۹۳ و۸٤۱۹، لا تحرير دون تغيير.

هذا ما تعلنه غزة وشعب فلسطين من عميق جراحهما والدم.

Themes
International Relations
Countries
Arab World Palestine Egypt
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Israeli Occupation War Arab-israeli Conflict Palestine

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.