Back to Publications
Publications Articles

What Has Been Vouchsafed of the Sura of the Stone

The boy threw a stone at the soldier. The myth flipped, and the code of the occupation was broken.

ما تيسّر من سورة الحجر

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

الفعل. الكلمة. الفعل.

يتمنى الكاتب ان لا يكتب. يتمنى ان يكون في واحد من غيّات الارض المحتلة يقاسم المنتفضين عِزّ الحصار وكاسات الشاي. يتعلّم في أحسن الاحوال. ليوميات البطولة الجماعية للذين يلهجون الآن بلغة المستقبل العربي.

الفعل. الكلمة. الفعل.

يتمنى الكاتب ان يعود تلميذاً مشاغباً. يكزّ على اساتذه. يتقدم خطوة، خطوتين، ثلاث خطوات، ثم يستجمع في زنده كل زخم شعب الرماة الأبيّ الذي اليه ينتمي، ويرجم الجندي بالحجر.

ويظن الكاتب هنا أنه قد اضاف اضافة لامعة الى علم البديع. يتمنى ان الواقع دوماً أبدع. عند المساء، يبلغه صديق من تونس بآخر ما نطق به جهاز الفاكسيميلي: أن تمّت «مدارس كوادر» جديدة في خيّمات غزة. المحاضرون: رماة ماهر نازلون من الارياف البعيدة. وعنوان دورة التثقيف النظري العنيدة: كيف تستخدم المقلاع.

رشق الولد الجندي بالحجر.

لم تستطع الطائرة الستّية تحديد موقع الجاني بالدقة المطلوبة. ولن تستطيع المقاتلات الثلاث التدخّل للاقتصاص منه. فلم يكتشفوا بعد كيف يمكن لطائرة الفانتوم ان تصيب ولداً. (اجروا اختبارات على قنص الافراد بواسطة الطيران الحربي خلال حصار بيروت. لكن النتائج لم تكن حاسمة.)

رشق الولد الجندي بالحجر. لم تستطع الدبّابات التحرّك لاقتحام مواقع الجناة. تعرفون ان الدبّابة عمياء في شوارع المدن. فكيف بها في أزقة الفقراء. ثم ان الولد له ابناء عمومة يسكنون غيّاً في بلد مجاور، وهم ينتمون الى عشيرة «أطفال الـ آر. بي. جي» قد يفزعون له. وما من شيء يُفزع الدبّابة اكثر من هذه الحروف الثلاثة.

رشق الولد الجندي بالحجر. لا سترة الجندي الواقية من الرصاص، ولا درعه البلاستيكية المعزّزة ولا خوذته المدنية، حمت الجندي من حجر الولد.

الحجر هو السلاح الاول الذي استخدمه الانسان الاول ضد الوحش الاول. يذكّرنا محمود درويش، بطفولته الوقحة، يا قد نسينا. آه. قلبي على ولدي وقلب ولدي على الحجر.

رشق الولد الجندي بالحجر.

تبدلت الادوار. وانقلبت الاسطورة. وفكّ شعب فلسطين شيفرة الاحتلال. واخذ يستخدمها ضد الاحتلال. هي الحجارة تنطلق من صهيونية الاركيولوجيا وقلب الارض تثور ضد عبادة الحجارة. داود الفلسطيني الجديد اسمه محمد. (وراسه ايضاً خضر القطريّ). تنقله الجنود ضرباً بالعصيّ. وشبّه اهالي غزة في الكنيسة على حائط «بالروح» «بالدم» نفديك يا فلسطين، وصلّوا عليه بالتكبير «الله اكبر!» وجُليات العبري الجديد اسمه داود. الحجر الذي رماه مقلاع محمد يهتزّ في جبهة داود. لم يُعمه الدرع.

تبدلت ادوار. وانقلبت اساطير. ويستيقظ العالم على وجود كائن ليس محسوباً في سجلات حصر النفوس. يتلعثم باسمه مذيعو الاذاعات ومقدّمو الأخبار على شاشات التلفزة: عرب اسرائيل. لاجئون. عرب في الاقطار العربية. فلسطينيو الضفة الغربية في الضفة الغربية وقطاع غزة. واذ يهتدي البعض الى اسم بسيط «الفلسطيني»، يثور السؤال: أين وطن الفلسطيني؟ ومن هو هذا المخلوق العجيب؟ اجهزة الاعلام الغربي تُجري عليه فحوص الدم لتحديد هويته. وكل ما هو معروف عنه لحينه أن له وجهاً مدمّى ويدين من حجر وزعتر. وزعتر وحجر.

«واحة الديمقراطية في الشرق» قائمة على اضطهاد شعب لآخر وطرده من ارضه وقهره وتغييبه. والشعب الذي يضطهد شعباً آخر ليس حراً، قالها جورج واشنطن وقالها كارل ماركس.

والوعي اليهودي الشقي يزداد شقاء: لليهودي الضحية في الغرب ضحية في الشرق. فيقال في معرض الدفاع: لسنا الفرنسيين في الجزائر. ولسنا الاقلية البيضاء في جنوب افريقيا. (ولكن، هل اختلف حزب العمل والليكود على اكثر من رسم حدود «الباتوستان» الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة؟). لسنا الاقلية البيضاء في جنوب افريقيا: كاد المُريب ان يقول: خذوني. ونفي النفي ايجاب. والذين يريدون احتكار العذاب الانساني، هل يمارسون غير احتقار عذابات الآخرين؟

ثم هذه هي «اكزودوس» الفلسطينية تبحر نحو حيفا. فكيف سوف تجابهها سلطات الانتداب في تل أبيب؟ في حزب «كاخ» قالوا ما لم يعلم به ضابط بريطاني سنة ١٩٤٥.

وفوق هذا كله، يُكتشَف ان لنا في اصلابنا ما نحن عن خطورته غافلون: «ديمغرافي» يعني هل وزن جغرافيا وليس هو بالجغرافيا. مع ان وقعه فتّاك في علم الجغراسيا. وليس اسمه عن ذهنك بخافت. قل هو الديمغرافيا: فزّاعة الوقت تعلن المدّ العكسي لدولة اسرائيل! فطوبى لارحام نسائنا. ولتحيا رياضة تسجيل الارقام القياسية في نسب الولادة.

الحجر. اللحم الحيّ. الدم. سلاح المحرومين. تكنولوجيا المُدنّين. ثالوث يوقظ فيها شعلة الايمان. مرات ينتظر البشر ان تمنّ عليهم الآلهة بمعجزة. ومرة في العمر، يصنع البشر معجزاتهم بأنفسهم. طوبى لمعجزة الشعب القائم، كان عليها ان لا تكون من القوم المُتشكّكين. ان الدم منتصر على السيف. واللحم الحيّ على الدبّابة. والحجر على مدن من حجر.

هي عودة الروح. تفاجئنا أتتنا. يفاجئنا شعبنا ونحن على أهبة ارتكاب الجرم المشهود. فقد كدنا ان نتسلّم للزمن الردي، وأصحاب الزمن الردي، حتى الكفر.

هي عودة الروح. وهكذا هي الانتفاضات. تعرّي نوابض العملية التاريخية. وقد ظلّت طويلة مستترة، عاصية. تختزل المراحل. تكثّف الوعي في لحظات إشراق نادرة. ترمي بأكوام من الاسئلة الثاقلة. تثير اسئلة جديدة. تمحّص الذاكرة. توقظ البداهة. تقدم حلولاً بديلة عن الاشكالات كما تبدو مستحيلة حتى على الادراك. تصدم. بعد. تبتكر. تمارس هذا المزج الخلاّق بين عفوية وبين أشكال تنظيم جديدة كل الجِدّة. تدفع الى المعترك بحشود من القوى لم تكن تتصوّر حتى وجودها. تقلب المعادلات. تخلّ بموازين القوى. وتذكّرنا بأسلحة افتقدناها: قوة الجماهير لو فلتت لغيّرت وجه التاريخ. وتقذف في وجوهنا بتحدّي ان ترتفع الى مستواها وعياً وارادة.

جدّدت الانتفاضة، في استفتاء شعبي نادر المثيل، الثقة بمنظمة التحرير الفلسطينية بعدّها شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. لكنها في الآن ذاته طرحت عليها تحدّي التجديد، خططاً وبرامج وأطراً تنظيمية وأساليب نضال.

كرّست الانتفاضة الوحدة الوطنية الفلسطينية المستعادة في المجلس الوطني الفلسطيني الاخير. لكنها طرحت أيضاً تحدّي استيعاب القوى والطاقات الجديدة التي زخرت بها التحركات الشعبية، وعلى الأخص الجيل الجديد المناضل والمرأة الفلسطينية.

صوّبت الانتفاضة الأنحاء. القبلة هي الداخل. وليسمح لنا الكابرون الذين يقبعون «عقدة بيروت» وقبلها «عقدة عمّان» بأن لا تشاركهم المكابرة.

والأهم من هذا كله ان الانتفاضة نقلت شعار الدولة الفلسطينية المستقلة من شعار مرحلي نضالي الى هدف راهن قابل للتنفيذ، بل هو واجب التنفيذ. على انها – الانتفاضة – تعيد تذكيرنا بما نتعجّل عادة من الايضاح منه: ان النضال الفلسطيني مضطر لمواجهة مطرقة الاحتلال والاستيطان الاسرائيليين مثلما هو مضطر لمواجهة سندان الوصاية والمصادرة والقمع العربية.

لم تكن القضية الفلسطينية مرآةً لتفاصيل الوضع العربي مثلما هي الآن، وفاضحة لتراكب وانعقاد حلقاته المختلفة. أي مؤكدة لوحدته المركّبة العميقة على قدر ما اختُزلت. تصفعنا بعلاقات حيث نرى تفككاً وجزئيات: وحدة النضال ضد الصهيونية (بما هي استيطان استعماري وبما هي الركيزة الاولى وليست الوحيدة للامبريالية في المنطقة). وكل فصل بينهما يؤدي الى الاستتباع لكليهما. وحدة النضال ضد التجزئة القومية (وأيضاً ضد التجزئة الاصلية داخل الاقطار ذاتها) ومن اجل التحرّر من التبعية وقيام التنمية المستقلة. وحدة النضال من اجل امتلاك الثروة النفطية والتحرر الوطني. بين الديمقراطية وبناء المجتمع الانتاجي. وبين هذه الفواصل كلها تنتشر فلسطين. أو بها تُختصر.

فهل نستطيع ان نفسّر رخاوة ردود الفعل العربية حيال الانتفاضة ومبلغ الإحراج والاستعجال في وضع حدٍّ لها، من غير تحميل المسؤولية لـ «النظام العربي الواحد»؟ لا. ليس احساسنا مصاباً بعمى الالوان. انها هي الالوان قد بهتت وتناسلت الاصباغ. على أنه نظام عربي واحد له علاقات استذلال وإيالة!

عندما يتنصّب في وجه الانتفاضة تهديد كمب ديفيد، علينا ان نتذكر ما الذي فعلته اتفاقية كمب ديفيد أصلاً: عزل مصر عن مجرى الصراع العربي – الاسرائيلي وبناء البنية الاولى في الحل الاميركي لذاك الصراع: حلول ثنائية مجزّأة تتعلق بالاراضي المحتلة عام ١٩٦٧ في مقابل الاعتراف باسرائيل ووأد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على ارضه وفي دولة مستقلة.

وها هو كمب ديفيد في نسخة تكاد ان تكون طبق الاصل بشكل الجواب الاميركي على الانتفاضة. ان الانتفاضة هي انتفاضة ضد كمب ديفيد ايضاً.

وكيف لنا ان ننسى كارثة الحرب العراقية – الايرانية؟ والانتفاضة هي أيضاً صرخة مدوّية من اجل الوقف العاجل للحرب الكارثة. من اجل وقف المذبحة. وجلاء القوات الايرانية عن الارض العراقية العربية. وانقاذ امكانية التعايش بين العرب والايرانيين. من اجل إخراج الاساطيل من مياه الخليج ووضع حد لهزلة ان اساطيل اميركا وكاسحات الغام الحلف الاطلسي – حامية اسرائيل في فلسطين – انّها هي حامية عروبة الخليج (مع الاعتذار من «إيران غيت»!)

الحرب على المخيّمات والوجود الفلسطيني في لبنان. لم تكن مرّة مفصولة من مساعي القاء القبض على القرار الفلسطيني من قبل النظام السوري. والوجه الدموي للتمذهب الطوائفي في ابشع حالاته. عندما تشكّل اللبنانيون بعضهم مواطنين، ابتدعوا جنباً الى جنب مع الشعب الفلسطيني اساطير مقاومة الاعتداءات الاسرائيلية، وغزو صيف ١٩٨٢ واطلقوا المقاومة الوطنية اللبنانية الباسلة. واذ يتشكّل لبنانيون بما هم طوائف، فلم يتوانوا عن التعاون مع الاحتلال، حتى رذالةً ورداءةً. ولم يعدلوا. وها هو الآن رئيس حركة «أمل» يعلن رفع الحصار عن المخيّمات الفلسطينية، بيروت والجنوب «تقديراً» للانتفاضة. الشعب الفلسطيني في الداخل. فهل فرضتْ حركة «أمل» الحصار على المخيّمات الفلسطينية في لبنان على امتداد سنتين كاملتين عقاباً للشعب الفلسطيني على استكانته في ظل الاحتلال الاسرائيلي؟ وهل علينا أن نشكر رئيس حركة «أمل» لأنه فرض الحصار على المخيّمات اصلاً ام لأنه قد فكّ الحصار؟

☐

ما الذي يخشاه النظام العربي الواحد اكثر من سواه: اسرائيل ام الجماهير العربية؟ والانتفاضة انذار لحركة التحرر العربية وتحدٍّ. نذكّرها بأنها ما عادت تخيف كثيراً لكثرة ما تدجّنت وتلاءمت وتقلّبت «وتسيّست» وتوزّعت بين منابر «شرعية» وواجهات وطنية تقدمية، وغطّت على نظام استبدادي لتعارض نظاماً استبدادياً مناقضاً. لدينا الكثير ان نتعلمه من «أطفال الحجارة». فلنتواضع. الطليعيون الآن هم الذين يجابهون بصدورهم العارية رصاص الاحتلال، المطاطي وغير المطاطي. هؤلاء يذكّرونا بطفولة اليسار. وشتّان بين طفولة اليسار والوِلدنة والتطفّل والصبيانية أو الغلمنة! ليعد اليسار الى طفولته. ليستعد موقعه في الصراع. من الناس. وبين الناس. وفي مقدمة صفوف الناس. ليجدّد الرؤيا وليصوّب الرؤية. فما من تغيّر بدون رؤيا. ورؤيانا قد بهتت. والثوري هو من يعمل على تقليب وتغيير موازين القوى لا الذي يخرّ ساجداً لاحكامها.

الانتفاضة بداية، بداية مرحلة حاسمة. لكنها ليست المعركة الفاصلة. يتهدّدها السندان العربي، وتتهددها المطرقة الاسرائيلية. والتضامن العربي الفعلي مع الانتفاضة هو أن يمارس كل وظيفته في بلده. ووظيفة الثوري ان يصنع الثورة.. بهذا المعنى، فلنكن أكثر من فلسطين واحدة.

Themes
Art & Literature Politics
Countries
Palestine
Published In
الكرمل
Author
Fawwaz Traboulsi

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.