ماركس في «ربيع الشعوب» ١٨٤٨
بناء الحقل السياسي والتعلّم من الممارسة
بدايات/الملف
عندما اندلعت الثورات العربية العام ٢٠١١ ساد تشبيه لها في الصحافة والاعلام ومصانع الأفكار وحتى في العوالم الاكاديمية الاوروبية والأميركية بثورات العام ١٨٤٨ في اوروبا. لا تستطيع المركزية الغربية أن تتمثِّل ما هو خارجها الا بإعادته الى ما يحيل الى حياتها او تاريخها اوثقافتها. صكّ الاعلام الغربي مصطلح «الربيع العربي» من وحي ثورات العام ١٨٤٨ التي سمّيت «ربيع الشعوب». وما لبث الاعلام العربي ومعه قطاع واسع من الانتلجنسيا ان اعتمد التسمية على الطريقة الببغاوية كما هي العادة. غلبت التسمية اكانت من قبيل التبني او التجريح، وانحصر «الربيع» بين مزدوجين الى ان سقط منهما لتحوّله الفصاحةُ العربية الى «خريف» و«شتاء». وفي الحالات كلها لا التشبيه أفادنا في دراسة تلك الثورة الاوروبية المرجعية ولا زادنا علما بثوراتنا المحلية وما كشفته عن حالة المجتمع والدولة او عن أسبابها وآلياتها وقواها ومساراتها وانماط ردود الفعل عليها.
هذا لا يمنع ان دراسة ثورات العام ١٨٤٨ الاوروبية ذات فائدة لا يستهان بها بالنسبة لانتفاضات العام ٢٠١١ العربية أقلّه لشمولها اكثر من بلد، وقيامها في مرحلة انتقالية من تاريخ تلك المجتمعات، وتعدد وتناقض القوى المنضوية فيها، وتضارب رؤاها وبرامجها ووسائلها، ناهيك عن مجابهتها الفورية بسلطات الامر الواقع وقوى الردة المضادة للثورة («الثورات المضادة»).
«ربيع الشعوب» في فرنسا
هبّت رياح الحرية على مدن اوروبا والارياف مع إطلالة ذلك الربيع الذي سمّي «ربيع الشعوب.»
بدأت الانتفاضات بثورة اهالي باليرمو الايطالية على حكم آل بوربون في ١٢ كانون الاول/ديسمبر. ولحقت بها باريس بعد شهر وكرّت المسبحة فلحقتها ميلانو والبندقية ونابولي وفيينا وبراغ وبودابست وكراكاو وبرلين وكولن. تأثر بها اكثر من خمسين بلدا وصولا الى البرازيل. تعددت العوامل التي اطلقت الثورات بقدر ما تعددت الاهداف. ابرز عوامل تلك الانتفاضات النتائج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للثورات الصناعية – من بطالة وفقر وهجرة مدينية وظروف عمل قاهرة – والتوسع الرأسمالي الذي أخذ ينخر بنية الانظمة الملكية الاستبدادية ويطرح قضية توحيد الاسواق المحلية.
الثورات في وجه منها ثورات ديمقراطية تطالب بالملكيات الدستورية او باعلان الجمهورية واعتماد الاقتراع العام وتأمين حرية الصحافة والرأي والاجتماع. والثورات في وجه آخر ثورات تحرر وطني ووحدة قومية. عرفت المقاطعات الايطالية والامارات الالمانية والمجر وسويسرا وإرلندة نزعات انفصالية كما في صقلية ضد حكم أسرة آل بوربون وفي المجر الساعية للانفصال عن النمسا. في المقابل، جاءت الثورات في كل من المانيا وإيطاليا في سياق النضال من اجل تحقيق الوحدتين الالمانية والإيطالية بتجميع عدة ممالك وامارات ومقاطعات. في امكنة أخرى، اخذ التيار القومي شكل نزعات مركزية من مثل حركة إعادة تجميع الكانتونات السويسرية في اطار كونفدرالي.
في الآن ذاته، اتخذت الحركات الاجتماعية طابعا ليس يخلو من الحِدّة. انتشرت الانتفاضات الفلاحية المعادية للاقطاع ونجحت في الغاء القنانة في النمسا وبروسيا في أواسط القرن. وأخيرا ليس آخرا قامت انتفاضات عمالية في فرنسا وبلجيكا وبريطانيا، عبّرت عن ردود الفعل الاولى على التصنيع الرأسمالية، وخرجت من صلبها تيارات عمالية واشتراكية لم تكن لتكتفي بالمطالبة بتحسين مستوى معيشة العمال وشروط عملهم بل دعت الى تنظيم اجتماعي جديد قائم على الحرية والمساواة. وعن حدّة الصراعات الاجتماعية والطبقية في «ربيع الشعوب» كتب الدبلوماسي والسياسي الفرنسي الكسي دُ توكفيل، صاحب كتاب «الديمقراطية في اميركا»: «المجتمع منشطر الى شطرين: المحرومون يوحدهم الحسد، والمالكون يوحدهم الرعب».
في فرنسا، التي سوف نركّز عليها في هذه الصفحات، انطلقت الشرارة من قرار حكومي بمنع «حفلات الغداء السياسية» التي ابتكرتها المعارضة للتحايل على الغاء حرية الصحافة وتحريم الاجتماعات السياسية فتحولت المطاعم الى أندية لنقد النظام والمطالبة بالاصلاح. انطلقت تظاهرات الاحتجاج في شوارع باريس يوم ٢٢ شباط. هتف المتظاهرون بسقوط رئيس الوزراء غيزو وحاصروا قصره فإشتبكوا مع قوات «الحرس الوطني». سالت دماء وإرتفعت المتاريس في الاحياء. في اليوم التالي إستقال غيزو فتوجه المتظاهرون صوب مبنى وزارة الخارجية. أطلق الجيش النار على المتظاهرين فسقط منهم خمسون قتيلا. حاصرت جموع هائجة القصر الملكي، ففرّ لوي فيليب من قصره الى انكلترا.
كان الشاعر لامارتين أبرز شخصيات الثورة. فهو الذي اعلن قيام الجمهورية امام مبنى مجلس باريس البلدي يوم ٢٤ شباط. وهو الذي ترأس «الحكومة المؤقتة » فصار الحاكم الفرد لفرنسا لثلاثة اشهر على الاقل.
سعت ثورة ١٨٤٨ لتحقيق ما أجهضته ملكية لوي فيليب البرجوازية من أهداف ثورة ١٨٣٠. تحققت مكاسب فعلية في الاشهر الاولى. زيد عدد الذين يحق لهم الترشح والانتخاب الى تسعة ملايين ذكر. وتفجّرت التعبيرات عن حرية الرأي بصدور لا اقل من ٤٧٩ مطبوعة قبل أفول العام. وتكاثرت الجمعيات الجمهورية والاشتراكية وتأسست نقابات عمالية وجمعيات نسائية تطالب بحق النساء في الاقتراع أسوة بالرجال. وعلى الصعيد الاجتماعي، صدر في فرنسا اول تشريع اوروبي يضمن «حق العمل » وإفتتحت «الورشات الوطنية» التي أمّنت العمل لاكثر من مئة الف عاطل عن العمل في باريس وحدها، ادارها اليساريون وشكلت نماذج مصغّرة لمجتمع جديد قائم على التعليم المجاني والضمانات الاجتماعية. وانشيء «البرلمان الصناعي» برئاسة لوي بلان، ممثل الطبقة العاملة في اللجنة التنفيذية للثورة، لتنظيم العلاقات بين الصناعيين والعمال، وإتخذ مقرّا له في قصر اللوكسمبور.
٢٣ نيسان. أسفرت انتخابات «المجلس الوطني التأسيسي» عن مجلس يهيمن عليه «حزب النظام » الملكي يجناحيه، الليجيتيميين (ممثلي ملاك الارض الكبار) والاورليانيين (ممثلي الارستقراطية المالية)، وانتهج المجلس سياسات محافِظة رغم معارضة النواب الاشتراكيين والجمهوريين الراديكاليين. ومع ان المعارضة في «الجمعية الوطنية »، فرضت على الثورة ان تعلن عن نفسها «جمهورية ذات مؤسسات اجتماعية»، الا ان الاغلبية البرلمانية ما لبثت ان نجحت في اقصاء ممثلي الطبقة العاملة لوي بلان واوغست بلانكي عن «اللجنة التنفيذية » للثورة (الوزارة عمليا ) ورفضت انشاء وزارة للعمل.
الانتفاضة العمالية
ثار عمال باريس ضد «المجلس الوطني التأسيسي» في ١٥ أيار ونصبوا المتاريس وأعلنوا «حكومة مؤقتة » شعاراتها «حرية، مساواة، أخوة» في تعديل لشعار الثورة الفرنسية الكبرى للعام ١٧٨٩-١٧٩٤ الذي اقتصر على شعاريَ «حرية ومساواة ». قَمَع «الحرس الوطني» الانتفاضة واعتقل قادتها أوغُست بلانكي وآرمان باربيس وفرانسوا راسباي. واكمل «حزب النظام» الردة باغلاق «الورشات الوطنية». يوم ٢٣ حزيران، نزل ١٧٠ الف من عمال باريس الى الشارع إحتجاجا وانتصبت المتاريس مجددا. حَشَد قائد الجيش الجنرال اوجين كاڤينياك، وهو من جنرالات احتلال الجزائر، ١٢٠ الف جندي ضد الانتفاضة العمالية واضطر الى ثلاثة ايام من القتال الدموي على المتاريس للتغلّب اخيرا على مقاومة عمال باريس. وقف لامارتين عاجزا امام اندلاع اعمال العنف في ١٥ ايار وعارض انتفاضة حزيران العمالية بشدة وإنسحب من واجهة الاحداث. لم يخطيء ماركس عندما عزا نفوذ لامارتين الاستثنائي الى انه لم يكن يمثّل اية قوة فعلية من قوى المجتمع او الثورة فاذا به «يمثل الانتفاضة العامية بأوهامها وشِعرها ومضمونها الخيالي ورطانتها. »
ثار العمال وحيدين في انتفاضة حزيران. تكالبت عليهم الارستقراطية المالية والبرجوازية الصناعية والطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة والجيش و«الحرس المتحرك» وكبار المثقفين والقساوسة والارياف. تحالف الجميع ضدهم بإسم «الامن والنظام» في مقابل من اتهموا بأنهم «حزب الفوضى». قضى في المجزرة ثلاثة الاف من العمال الثائرين واعتقل عشرات الالوف.
إنقسم اليسار بين جناح شيوعي متنوع الاطياف، يضم فيما يضم الانقلابيين من اتباع بلانكي وجناح السان سيمونيين المنضوين في «كنيسة العمل» بقيادة آنفانتان، يرون الى العمل بما هو العنصر الذي يوحّد الصناعيين والعمال في مقابل الذين يجنون مداخليهم من الريوع، ويدعون الى تسليم السلطة الى ارباب الصناعة من قادةً وخبراء. أدان السان سيمونيون الانتفاضة العمالية لرفضهم المبدئي للعنف. إختزلوا مطالبهم من الثورة بتعليم الاطفال وتأمين التقاعد للعجز وحذّروا من المحاولات المتسرعة لزيادة أجور العمال وتحسين علاقات العمل وشروطه وعارضوا أي مساس بالملكية الفردية على اعتبار انه لن ينجم عنه غير الفوضى. وكان عدد من اتباع سان سيمون وصل الى البرلمان وانتخب احدهم دوشيز رئيسا للجمعية العمومية وعيّن آخر، هيبوليت كارنو، وزيرا للتعليم الرسمي.
كوفيء كاڤينياك بتعيينه رئيساً للدولة في ٢٨ حزيران/يونيو ١٨٤٨. الا انه سقط سقوطا مدوّيا في الانتخابات الرئاسية في العاشر من كانون/ديسمبر امام لوي نابليون بونابارت، ابن اخ نابليون الاول والمطالِب بالعرش الذي نال ثلاثة ارباع الاصوات الفرنسيين. تكاثرت الشكوك في اهلية الوريث البونابارتي للترشح أصلا حسب الدستور. فقد تخلى عن جنسيته الفرنساوية وحمل الجنسية السويسرانية ثم انه خدم دولة اجنبية – واية دولة!- إذ تطوّع في لندن كشرطي للمساهمة في قمع حركة «الشارتريين» العمالية التي كانت تطالب بالحق في الاقتراع العام. لكن سياسات بونابارت التي وصفت بأنها «كل شيء لكل الناس » كانت جلّابة تأييد لكل اصحاب الامتيازات كبيرها والصغير تتلخص في فرض الامن والاستقرار، وتشكيل حكومة قوية، وتعزيز الوحدة الوطنية وبعث الامجاد القومية بإحياء المؤسسات والطقوس والرموز العائدة الى عهد عمّه، نابليون الاول. صوّت له انصار «حزب النظام» ظناً ان ولايته سوف تكون مرحلة انتقالية نحو إستعادة النظام الملكي. وإنحازت اليه البرجوازية والبرجوازية الصغيرة وقد أفزعتهما الانتفاضة العمالية فرأوا فيه القائد الوحيد القادر على قطع الطريق على ثورة شيوعية. وإستثار بونابارت الحنين الى المغامرات النابليونية العسكرية فإنحاز اليه الجيش وصوّت له الفلاحون بكثرة تعبيرا عن غضبة الارياف الدفينة ضد استئثار باريس بالسلطة والثروة والامتيازات.
مهما يكن، أسفرت الانتخابات النيابية عن جمعية وطنية يسيطر عليها «حزب النظام» بما هو تحالف حزبي ملاك الارض وارستقراطية المال، وذراعه العسكري الجنرال شارغرنييه الذي تولى قيادة الفوج الاول في الجيش و «الحرس الوطني » في باريس، بعد تصفية جناحه الديمقراطي. وكان الحزبان يتنافسان من اجل استعادة البيت الملكي لواحد منهما، بيت بوربون او بيت اورليان.
بنهاية العام كانت الردة المضادة للثورة قد عمّت اوروبا كلها.
انقلاب الثاني من ديسمبر /١٨ برومير لوي بونابارت
لم يخيّب لوي نابلوين الظن في قدرته على فرض «الامن والنظام».
ما ان تسلّم الرئاسة حتى امر بنفي ١٥ الفا من ثوار انتفاضة حزيران/يونيو العمالية، الكثير منهم الى الجزائر، واعلن حلّ «الحرس الوطني المتحرّك» والغى «النوادي» وهما محورا قوة اليسار الجمهوري والعمالي. في ذكرى انتفاضتهم السنوية، أعلن اليساريون والاشتراكيون انتفاضة جديدة ضد الرئيس احتجاجا على الانقلاب في سياسته الايطالية من دعم الجمهوريين الوحدويين الى محاربتهم لمنع ضم الدول البابوية الى ايطاليا الموحدة. ولم يخفَ على احد ان هذا الانقلاب في السياسة الخارجية دافعه تملّق الرئيس للكنيسة واليمين الملكي الكاثوليكي. رفع اليسار شعار «الاعتداء على الجمهورية الرومانية هو عدوان على الجمهورية الفرنسية» ونزل جمهوره الى الشارع وانتصبت المتاريس. اعلن الرئيس الاحكام العرفية وقُمِعت الانتفاضة بواسطة الجيش في حين شنّت الشرطة حملات اعتقال واسعة ودهمت المطابع الجمهورية وامنعت في تخريبها.
توالت الاحداث سريعة نحو الانقلاب البونابارتي. بعد ان نزع لوي نابليون من «الجمعية الوطنية » سلطتها على الوزارة، عيّن حكومة جديدة دون رئيس، في اكتوبر ١٨٤٩. سمّيت الحكومة «حكومة دوتبول-دُ بوفور»، احد ضباط احتلال الجزائر وسجّان الأمير عبد القادر قائد المقاومة فيها. ترأس دوبول فريقا من رجالات لوي نابليون دون ان يسمّى رسميا رئيسا لها. شغل دُ بوفور منصب وزير الدفاع وأمّن للبرجوازية لضمان سلطتها استبدال شعار «الحرية والمساواة والاخوة » بشعار «المشاة والخيالة والمدفعية»، على حد تعبير ماركس. خصص دُ بوفور معظم وقته وامكانات وزارته لتطوير اجهزة العسس والمخابرات. ودعم كل الاجراءات المعادية للشعب، بما فيها القانون الشهير ضد معلّمي المدارس. الا ان بونابارت ما لبث ان عزل وزير دفاعه في نهاية العام ١٨٥٠ نزولا عند ضغط الجنرال شانغارنييه، قائد الجيش وآمر «الحرس الوطني » في باريس والزعيم الفعلي لـ «حزب النظام» و، وسعى لتحميله كل موبقات الحقبة الاولى من رئاسته. هكذا إنفرد شانغارنييه في ان يكون «الطفل المعجزة للخواف البرجوازي»، على ما أسماه ماركس، وبطلها المخلّص من الثورة العمالية.
على الصعيد الداخلي، إهتم بونابارت بالتصنيع وتنفيذ المشاريع الكبرى وأحاط نفسه بالمستشارين ورجال الاعمال من اتباع سان سيمون. وخطط لتحديث باريس. وسنّ دستورا جديدا وأعاد تطبيق الاقتراع العام الشامل (للرجال).
ونشب نزاع عنيف بين بونابارت و«الجمعية الوطنية» عندما سعى الرئيس الامير تجديد ولايته المحددة دستوريا باربع سنوات غير قابلة للتمديد. رفضت اكثرية النواب تعديل الدستور. فلجأ لميليشياته المنضوية في «جمعية العاشر من ديسمبر» وقد شكّل هؤلاء جمهور تظاهرات التأييد التي تهتف بحياة الامبراطور، والرجل بعدُ رئيساً، او تتشكل منها عصابات البلطجية تقاتل اليسارييين والجمهوريين في الشوارع بحماية البوليس.
استغلّ بونابارت شَلَل الجمعية الوطنية والتعارض بين جناحيها الملكيَين لتنفيذ انقلابه ليلة ١-٢ كانون الاول ١٨٥٢. عزل شاغارنييه ورشى كبار الجنرالات والقى القبض على قادة الكتل البرلمانية. وفَجْر يوم الثاني من كانون الاول، إحتلت قواته وميليشياته الساحات العامة ومبنى «الجمعية الوطنية» وأعلن حل «الجمعية الوطنية » و«مجلس الدولة» وفَرَضَ حالة الطواريء في باريس الكبرى.
وصف ماركس إنقلاب الثاني من ديسمبر بمعادلة تلخّص طبيعة النظام البونابارتي «انتصار نابليون الثلاث على البرلمان وانتصار للهيئة التنفيذية على الهيئة التشريعية وانتصار للقوة البكماء على قوة الكلمات».
كارل ماركس في ثورات ١٨٤٨
إنتقل ماركس الى فرنسا في نهاية عام ١٨٤٣ مصطحبا عروسه جيني ڤون ويستڤالن بعد ان أقفلت السلطات البروسية صحيفة ليبرالية رأس تحريرها في كولون، ابرز المدن الصناعية الالمانية، يمولها صناعيون. ناهضت «داي نيو رانيش زايتونغ» تناهض المَلَكية المطلقة ودعت الى الاقتراع العام وحرية الصحافة والاجتماع. وقد اقفلت الصحيفة بسبب كتابات ماركس المعادية لقيصر روسيا ومقالاته في الاقتصاد السياسي.
في باريس إختلط ماركس بعمال وحرفيين المان مهاجرين منضوين في جمعيات سرّية متأثرين بدعوات شيوعية مسيحية منتشرة في المانيا وتمزج بينها وبين تعاليم الاشتراكيين المثاليين، سان سيمون وأوين وفورييه. وفي باريس، تعرّف الى فريديرك انغلز، ابن صناعي الماني في بريطانيا، فنشأت بين الرجلين صداقة وزمالة سوف تستمر عمرا باكمله. نقل ماركس الى انغلز خبرته الاولية في اثر المصالح الاقتصادية على السياسة وحرية الرأي وقد تعلّم اول درس له في العلاقة بين المال والحريات واكتشف جبن الرأسمالييين. وقد خلص في احدى مقالاته في هذا الموضوع الى ان «الخطر الاكبر على حرية الصحافة هو المال». وهو درس ثمين ازدادت أهمية في القرن التالي. من جهته، نقل انغلز الى ماركس خبرته المباشرة في اوضاع الطبقة العاملة الانكليزية.
في باريس العام ١٨٤٤ كتب ماركس مجموعة من المخطوطات الاقتصادية والفلسفية سوف تعرف لاحقاً باسم «مخطوطات باريس» بلور فيها مفهوم إستلاب العمل في ظل الرأسمالية وتطّلع الى قيام مجتمع يحقق الملكية الجماعية لوسائل الانتاج يصير فيه البشر احرارا لتنمية طاقاتهم في تعاونيات انتاج. وكان ذلك بمثابة الاعلان عن إعتناقه الشيوعية.
طرد ماركس من باريس مطلع العام ١٨٤٥ بضغط من السلطات البروسية. فانتقل الى بروكسل حيث قضى ثلاث سنوات زار خلالها صديقه انغلز ومعمل غزل القطن الذي تديره أسرته في مانشستر. وفي بروكسل طورّ ماركس نظريته التي سمّيت «المادية التاريخية » وكتب سجالا ضد برودون، المفكر الاشتراكي الفرنسي.
في ربيع العام ١٨٤٧ انضم ماركس وانغلز الى «عصبة العادلين» وهي جمعية سرّية ثورية أسسها في باريس عمال وحرفيون المان مهاجرون. في مؤتمرها الثاني في لندن في نوفمبر-ديسمبر من ذلك العام تسمّت العصبة «العصبة الشيوعية» وتبنّت «العقيدة الشيوعية النقدية» معلنة التزامها «إطاحة البرجوازية وإقامة سلطة البروليتاريا والقضاء على المجتمع القديم القائم على التناقض الطبقي وتشييد مجتمع جديد بلا طبقات ولا ملكية فردية». وكلّفت العصبة ماركس وزميله انغلز كتابة اعلان مباديء للتنظيم الجديد. كتب انغلز أول مسوّدة بعنوان «تعاليم الشيوعية» على شكل ٢٥ سؤالا وجوابا تشرح العقيدة لجمهور عمالي. (راجع الترجمة العربية لنص فريدريك إنغلز بعنوان «تعاليم الماركسية» في هذا العدد من «بدايات»). ثم تولى ماركس الصياغة النهائية لنص له طابع منشوري بعنوان «البيان الشيوعي» صدر في شباط/فبراير ١٨٤٨ قبل ايام من اندلاع «ربيع الشعوب ».
اندلعت ثورات «الربيع الشعوب» بعد أسابيع من صدور البيان الشيوعي. واكبها ماركس فكريا وصحفيا ومهنيا أيضا. أعاد إصدار «داي نيو رانيش زايتونغ» التي لاقت رواجا ملحوظا. طرد من بروكسل فلجأ الى باريس وحضر الانتفاضة العمالية في حزيران/يونيو ١٨٤٨ الى ان أعيد طرده في ربيع ١٨٤٩ فعاد الى كولْن ولم يكد يستقر فيها حتى انتصرت الردة المضادة للثورة في بروسيا، فأعتقل وقدّم للمحاكمة بسبب كتاباته الصحافية فرافع عن نفسه بقوله «الواجب الاول للصحافة هو زعزعة اركان الدولة السياسية القائمة»، فطردته السلطات البروسية من بلده وسحبت منه الجنسية.
أربعة مفاهيم رئيسة
إستقر ماركس في لندن، المنفى الذي سوف يقضي فيه بقية حياته.
كانت ثورات «ربيع الشعوب» اول تجربة له في الفعل الثوري من حيث هي تحد فكري. اعترف العام ١٨٥٠ بأن الثورة قد انتهت وان الثورة المضادة قد أطبقت. وعكف على تحليل أسباب قيام ثورات «ربيع الشعوب» ودروسها. في «الصراعات الطبقية في فرنسا» طبّق منهجه في المادية التاريخية لأول مرة على لحظة تاريخية معينة في بلد معيّن وصاغ جملة من المفاهيم للتعامل مع الثورة والطبقات وتمثيلها السياسي ومع الحقل السياسي خصوصا. وفي كتابه «١٨ برومير للوي بونابارت» توقفَ امام انقلاب لوي نابليون. هنا كان التحدي هو التفكير في الدولة وقد بدت تتحكم بالطبقات وصراعاتها من فوق وتسيطر على «المجتمع المدني» كله. بعدها انكبّ ماركس على ابحاثه التحضيرية عن الرأسمالية والاقتصاد السياسي لكتاب «رآس المال». وخلال تلك الفترة أيضا، كتب ماركس عددا وفيرا من المقالات لصحيفة «نيويورك دايلي هيرالد» الاميركية خلال فترة ١٨٥٢-١٨٦٢. (يمكن الاطلاع على مقالاته المتعلقة بالاقتتال الأهلي في جبل لبنان والتدخل العكسري الفرنسي في العام ١٨٦٠-١٨٦١ في مكان آخر من هذا العدد)
أود في هذا البحث التركيز على اربعة مفاهيم يمكن استخراجها من كتابات ماركس عن ثورات العام ١٨٤٨.
١- التفكير في ظاهرة الثورات، أسبابها، مساراتها، قواها، مطالبها، ردود الفعل عليها، مآلاتها.
٢- قضية التمثيل السياسي للطبقات الاجتماعية.
٣- تعامل ماركس مع الديمقراطية السياسية.
٤- التفكير في «الردّة» وانتاج ماركس لمقولة البونابارتية.
آمل ان تلقي مراجعة هذه العناوين الأربعة ضوءا على وجهين من الماركسية غالبا ما يغيبان في غياهب التبسيط: الاول هو غنى التحليل الطبقي ومشكلاته والانماط المختلفة لتمثيل الطبقات في الحيز السياسي والثقافي؛ والثاني هو التعلّم من الممارسة، اي دور الممارسة كمادة معرفية.
١-الثورات ظاهرات مركبة
اول ما يتبدّي من التأمل في ثورات ١٨٤٨ انها ظاهرات متعددة ومعقّدة يستحيل اختزالها بمواجهة بين قوتين اجتماعيتين او سياسيتن او عسكريتين. ليست تقتصر الثورة على حشد احتجاجات عدة قوى مجتمعية في وجه سلطات الامر الواقع وحسب. تطلق الثورة ايضا عدة ثورات متباينة واحيانا متناقضة في آن معا.
حملت ثورات ١٨٤٨ ، كما اسلفنا، ثورات تحرر وطني ضد الاحتلال الأجنبي وثورات من اجل الوحدة قومية؛ مثلما حوت ثورات من اجل الحرية وثورات من اجل المساواة.
على ان ما حسم في الوجهة التي سوف تتخذها الثورات او في انجازها الطبقي في نهاية المطاف كان توازن القوى بين قوى عسكرية تابعة للسلطات والقوى المجتمعية بما فيها مصادر القوة والعنف لديها. لا معنى للحديث عن ثورات دون ورود القوة والعنف. الثورات في ممارسة الجماهير لقوتها، قوة العدد في الأساس، ضد سلطات الامر الواقع. في فرنسا، اجبرت قوة الجماهير المتظاهرة والمحتشدة والمسلحة الملك على الاستقالة والهرب. لم يحصل ذلك لولا خلل وقع في أجهزة القمع السلطوية، إما على شكل انشقاق في القوات النظامية او تمرّد قطاعات منها او تمنعها عن نجدة سلطة الامر الواقع. وفيما بعد، اخذت القوى الاجتماعية المختلفة تنشيء لنفسها تشكيلات عسكرية خاصة بديلة للجيش الارستقراطي النظامي ومناهضة له: الحرس الوطني، الحرس الوطني المتحرّك، الشعب العامل المسلّح، الميليشيات البونابارتية، الخ. الى دور القوة والعنف في الثورات، يجب ان يضاف وزن قوى التدخل الخارجية، العسكرية منها خصوصا، في تغيير موازين القوى الداخلية او حتى في تغليب قوة على آخرى، مع ان العامل الخارجي لم يلعب دورا مهما في الثورة الفرنسية.
٢– قضية التمثيل الطبقي
تكشفت ثورة العام ١٨٤٨ عن البنية الطبقية الفرنسية على حقيقتها المعقّدة والانتقالية، متعددة أنماط الإنتاج، حيث نمط الانتاج الصناعي واحد من انماط الانتاج والتناقض بين بروليتاريا ورأسمالية صناعية تناقض واحد بين عدة تناقضات طبقية. كانت اكثرية الشعب الفرنسي لا يزال تعيش في الارياف في ظل الانتاج الفلاحي السوقي الصغير او في الإنتاج الحرفي. وهكذا في مقابل طبقتي البيان الشيوعي الجوهريتين، برجوازية/بروليتاريا، اكتشف ماركس ما سوف يسمّيه «التشكيلة الاجتماعية» التي تضم عدة أنماط انتاج وبالتالي عددا من من الطبقات والشرائح الطبقية المرتبطة بها. وقد عدّدها ماركس في حالة فرنسا على النحو الآتي: كبار ملاك الاراضي، البرجوازية المالية، البرجوازية الصناعية، البرجوازية الصغيرة، البروليتاريا الصناعية، البرولتياريا الرثّة وصغار المزارعين الفلاحين.
في ١٨ برومير، بات ماركس يتحدث عن «كتلة حاكمة» متعددة الطبقات او الشرائح الطبقية تمييزا عن الدولة بما هي الجهاز التنفيذي للبرجوازية. ويكتسب الطابع الطبقي للسلطة ليس فقط بناء على طبيعة الطبقة المسيطرة وانما أيضا بناء على طبيعة الشريحة المسيطرة داخل تلك الطبقة.
السبب الرئيس هو ان مصادر القوى والاحزاب السياسية ليست هي ذاتها مصادر القوى الاقتصادية، خصوصا في المراحل الانتقالية كالتي عبّر عنها المخاض الثوري في العام ١٨٤٨. تستعير الطبقات الجديدة الصاعدة الشخصيات التي تمثلها وأجهزة تمثيلها السياسي من الطبقات السابقة. وقد تمتدّ هذه العملية لفترات طويلة. خلال تلك الفترة، كانت أسرتان ملكيتان تتنافسان على العرش هما آل بوربون وآل اورليان، فاذا الحزبان الملكيان يمثلان جناحين من اجنحة البرجوازي الصاعدة. مثّل حزب البوربون الارستقراطية المالية ومثّل حزب الاوروليانيين البرجوازية الصناعية. وكانت تلك المفارقة بين الموقع الاجتماعي والموقع السياسي سمة مشتركة في عدد آخر من الدول الاوروبية في مراحل الانتقال من الاقطاع الى الرأسمالية.
لم تكن البرجوازية الصناعية موحدة التمثيل الطبقي، كان التيار السياسي الساعي لتوفير قيادة بديلة وحديثة لها هم الاشتراكيون المثاليون – السان سيمونيون – وهم فئة جديدة كل الجدّة من الشرائح الاجتماعية افرزها النمو الرأسمالي: التكنقراط والخبراء وأصحاب المهن الحرّة من أبناء الطبقات المتوسطة. مجّد هؤلاء قيمة «العمل» وسعوا الى تحقيقي تحالف تاريخي بين الصناعيين والعمال محوره «العمل» بما هو قيمة قائمة بذاتها، في وجه الطبقات المتعيشة على ريع الأرض واستغلال الفلاحين او المتطفلة على جهاز الدولة الذي يتعيّش بدوره على الرسوم والضرائب المفروضة على سواد الشعب. من هنا دعوة السان سيمونيين الى الغاء الإرث. وقد نافحت تلك الفئة الصاعدة من الطبقات المتوسطة عن شرعية جديدة للحكم قائمة على الذكاء والعلم والكفاءة.
هذه هي البرجوازية التقدمية ذات المشروع الكوني لتصنيع وتحديث العالم بأسره، أي تحقيق التوسع الكولونيالي لفرنسا تتقدمه المصارف وشركات سكك الحديد للسيطرة على الموارد الطبيعية والاستيلاء على الخدمات العامة، الخ. وسوف يتولى لوي نابلين تنفيذ بعض عناصر ذاك المشروع في التوسّع الكولونيالي لفرنسا جنوبي البحر الأبيض المتوسط من الجزائر غرباً الى سورية شرقا.
مسألة أخرى من مسائل التمثيل الطبقي يعالجها ماركس في كتاباته الفرنسية السياسية هو مسألة تمثيل الفلاحين وتحديدا الملاكين الزراعيين الصغار. وهذه فئة واسعة ولكنها مبعثرة على طول التراب الوطني، يرى ان لا سبيل لها لأن تتمثل الا بأن تتوحد كطبقة عبر الدولة ومن خلالها. شكلّ الفلاحون القاعدة الاجتماعية للبونابارتية. هكذا امكن لوي بونابارت ان ينتصر في الانتخابات الرئاسية العام ١٨٥٢ بواسطة الاقتراع الشعبي العام لكسبه تأييد اكبر طبقة في فرنسا عددياً، التي هي طبقة الملاك الفلاحين الصغار المتمرّدين ضد الجمهورية. كتب ماركس بهذا الصدد:
«قدمت الجمهوريةُ نفسها للفلاحين عن طريق جابي الضرائب؛ فقدّموا أنفسهم للجمهورية عن طريق الامبراطور. كان نابليون الرجل الوحيد الذي مثّل جماع مصالح الطبقة الفلاحية التي تكونت حديثا ابتداء من العام ١٧٨٩. فبالنسبة للفلاحين لم يكن نابليون شخصا، كان برنامجا. ساروا الى مراكز الاقتراع رافعين الاعلام، ضاربين الطبول، ونافخين في الابواق يصرخون “لا ضرائب بعد الآن، يسقط الاغنياء، تسقط الجمهورية، يعيش الامبراطور!”». (الصراعات الطبقية في فرنسا، ١٨٤٨ -١٨٥٠، ص ٧٢)
من هنا المعادلة التي صاغها ماركس عن الفلاحين «لا يستطيعون تمثيل انفسهم، يحتاجون الى من يمثّلهم». على ان علاقة التمثيل هذه لم تكن إنتدابا من تحت الى فوق بقدر ما هي هينمة أبوية من فوق لتحت. «ان ممثلهم [ للفلاحين] لا بد له ان يبدو على انه سيّدهم، على انه سلطة فوقهم، اي انه سلطة حكومية غير مقيّدة تحميهم من الطبقات الاخرى وتستنزل عليهم المطر او تستشرق الشمس من عليائها» (١٨ برومير، ٢٢٤)
يتضح مما سبق كيف ان الثورة ليست تعفي أي طبقة واي قوة اجتماعية من الانخراط في الميدان السياسي او الميدان العسكري اذا اقتضى الامر. في تحليله لسلوك البرجوازية الصغيرة المدينية يؤسس ماركس للمقولات اللاحقة عن ازدواجية تلك الطبقة وتناقضات وعيها وسلوكها. فيلاحظ ان القوى الممثلة للبرجوازية الصغيرة نزلت الى الشارع للدفاع عن سيولة الاسواق والملكية الفردية وهي ذاتها لا تملك المساكن التي تعيش فيها وتشكل الضحية الاولى للمرابين. في المقابل، قد تنتج البرجوازية الصغيرة تيارات جمهورية وديمقراطية واشتراكية وإن تكن كطبقة شديدة الاستجابة لخواف الامن والنظام.
وجرياً على حقيقة ان الثورات لا تترك أي قوة او شريحة اجتماعية خارج الحقل السياسي، لم يهمل ماركس، في تحليله الطبقات وشرائحها وتعبيراتها السياسية، ما سمّي «البروليتاريا الرثة» وهي الفئات المفقرة والمكدّحة من المجتمع ذات الفعاليات الهامشية، دون ان تكون مدرجة في النظام الانتاجي. وابان الدور الهام نسبياً الذي لعبته تلك الفئات بما هي ميليشيات في الانقلاب البونابارتي.
بعد هذا التحليل الجدلي لتمثيل الطبقات وسلوكها، في حالة من الازمة القصوى – الثورة، ينتقل ماركس الى تعيين خاصة أخرى على التمثيل الطبقي. الموقع الطبقي كناية عن حواجز في الفكر والسلوك ليست محصورة بالذين ينتمون الى الموقع الطبقي المخصوص الذي يمثلونه. ان تمثيل الديمقراطيين الجمهوريين للبرجوازية الصغيرة، مثلا، ليس يعني بالضرورة انهم هم اعضاء في تلك الشريحة الاجتماعية:
«ان اذهانهم محكومة بالحواجز ذاتها التي لا تستطيع البرجوازية الصغيرة ان تتجاوزها في الحياة الحقيقية، و… هم بالتالي مدفوعون نظرياً الى تبني المشكلات ذاتها والحلول ذاتها التي تندفع البرجوازية الصغيرة اليها عمليا بحكم المصلحة المادية والموقع الاجتماعي. تلك هي العلاقة العامة بين الممثلين السياسيين والفكريين لطبقة ما والطبقة التي يمثلون » (١٨ برومير لوي بونابارت، ص ١٧٦-٧٧).
يسترسل ماركس بامثلة عن تلك الحدود والحواجز. فيتحدث عن أوهام ممثلي الطبقة العاملة عن دور وزارة عمل المحدود الى جانب سائر الوزارات التي تمثل البرجوازية. ويتحدث عن وهم الممثلين السياسيين للطبقة العاملة عن امكان تحقيق تحررهم جنيا الى جنب مع البرجوازية داخل جدران فرنسا والى جانب سائر الامم البرجوازية. ذلك ان علاقات الانتاج الفرنسية محكومة بتجارة فرنسا الخارجية وبموقعها في السوق العالمية – تلك السوق التي يتحكم بها بدوره المستبد البريطاني. فكيف لفرنسا ان تكسر تلك القوانين دون حرب ثورية أوروبية؟
٣-ماركس والديمقراطية
لم يستخف ماركس بالديمقراطية السياسية البرلمانية بل إعتبرها بمثابة «التحرر السياسي» للطبقات العاملة والمستغلَّة (الصراعات الطبقية في فرنسا، ص ٧١)
كانت ابرز حركة تطالب بالاقتراع العام (للذكور) في بريطانيا خلال «ربيع الشعوب» الاوروبي هي الحركة الشارترية ذات القاعدة العمالية والشعبية الواسعة. وقد سمّيت شارترية، نسبة الى «تشارتر»، أي شرعة. ذلك انها كانت صاحبة شرعة شهيرة جمعت عليها ملايين التواقيع. والشرعة من ست نقاط تطالب بحق الاقتراع للرجال فوق سن ٢١؛ والتصويت بالبطاقة السرية؛ والغاء شروط الملكية للترشيح لمجلس العموم؛ ودفع علاوات لاعضاء المجلس للسماح لذوي الدخول المحدودة من الوصول الى مجلس العموم؛ وتقسيم دوائر انتخابية متماثلة من حيث الحجم؛ واجراء انتخابات برلمانية سنوية لمنع الرشوة والضغوط على حرية الاقتراع.
علّق ماركس على تلك الشرعة بالقول إن تطبيقها – أي تحقيق الحق في الاقتراع العام، ولو للذكور، يوازي تسلّم الطبقة العاملة للسلطة السياسية في انكلترا على اعتبارها تشكل اكثرية السكان. («الشارتريون», Surveys from Exile، ص ٢٦٤). وكتب في مقالة أخرى عن «الشارتريين»، فيصف اجتماعا جماهيريا لاحد ابرز قادتهم، ارنست جونز، واكان من اقرب اصدقائه. حصل جونز على ٢٠ الف صوت ترشّحه للنيابة. لكن منافسه السير شارل وود الليرالي فاز عليه إذ نال لا اكثر من ٥٠٠ صوت. والسبب ان ما احد من الذي رشّحوا جونز كان يحق له التصويت لعدم استيفائهم الشروط المالية لذلك («الشارتريون»، المصدر ذاته، ٢٧١) ويعزو ماركس السبب الرئيس لفشل الحركة الشارترية الانكليزية في احداث اي تغيير جذري عن طريق شرعتها وتظاهراتها الجماهيرية الواسعة خلال ثورات ١٨٤٨ الاوروبية، الى ان الطبقة الحاكمة البريطانية تنازلت سلفاً ووسعت اصحاب الحقوق الانتخابية في بريطانيا في العام ١٨٤٣. في المقابل، شرّعت ثورة ١٨٤٨ الفرنسية الاقتراع العام (للذكور) لكنها ما لبثت ان تراجعت عنه قبل ان يستعيده بونابارت ثم يتخلّى.
هذا عن حق الاقتراع والقانون الانتخاب. بمناسبة هذا المثال عن مصاعب فرض الاقتراع العام، يجدر تذكير الذين يعتبرون الديمقراطية بما هي هبة من البرجوازية، او النتاج المباشر للحرية الاقتصادية في ظل الرأسمالية، ان تحقيق المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين تطلّب عدة ثورات شعبية، كانت ثورات العام ١٨٤٨ واحدة منها، وما استتبعها من تقدم وتراجع، وقيام أنظمة وانقلاب على أنظمة، الى ان فرضت االجمهورية الديمقراطية بطريقة متدرّجة مطلع القرن العشرين في فرنسا مثلا.
قلنا ان كتابات ماركس خلال ثورات «ربيع الشعوب» أولى محاولات اقتحام حقل السياسة. حملت الثورات، كما رأينا ثورتين بارزتين على الأقل: ثورة حرية وثورة مساواة. وقد افتتحت الشغل النظري على ثنائية: تحرر سياسي/تحرر اجتماعي، او الدولة/المجتمع المدني. وأثارت مسألة العلاقة بين الديمقراطية والاشتراكية التي سوف نعود اليها في ختام هذا النص.
٤-البونابارتية او الدولة
استدعت ثورات العام ١٨٤٨ ظاهرة ارتداد سياسية ادّت الى المزيد من تحدي لماركس في مفاهيمه للدولة والطبقة. انها نظام الردة المضادة للثورة الذي جاء بلوي نابليون الى الحكم.
ان اكتشاف الظاهرة البونابارتية تحدّى الصيغة المبسطة الواردة في «البيان الشيوعي» عن الدولة بما هي الجهاز التنفيذي لحكم البرجوازية. يبدو مع البونابارتية وكأن الدولة تحوّم فوق الطبقات. ينتقل ماركس من التعيين الوظيفي للدولة الى تعيين نوعي، إن جاز التعبير، فيقول ان الدولة هي النتاج الحكمي للصراعات الطبقية. ويشدّد على القوة المستقلة نسبيا للسلطة التنفيذية التي نشأت منذ نابليون الاول بحيث تحولت الدولة الى ما يسمّيه «جسم طفيلي مخيف، يحيط بجسم المجتمع الفرنسي مثل قماط ويسدّ عليه كل مسامّه» (١٨ برومير، ٢٣٧).
بونابارت حالة مختلفة من حالات التمثيل الطبقي: هو فاعلٌ سياسي واحد يمكنه ان يمثّل عدة طبقات اجتماعية قدر ما يمكن ان يتعدد الفاعلون الذين يمثلون طبقة معيّنة. علماً بأن هذا النمط من التمثيل لا يأتي دون غلبة.
لكي يستطيع الامبراطور ادعاء تمثيل كافة الطبقات كان عليه ان يمثل أولا طبقة طبقة صغار الفلاحين المالكين للأرض التي يظهر الامبراطور، ليس فقط بما هو ممّثل انتصاراتهم القومية، وانما بما هو الدولة التي تحميهم من الطبقات الأخرى «من هنا ان النفوذ السياسي للفلاحين من صغار مالكي الأرض يلقى تعبيره النهائي في السلطة التنفيذية التي تخضع المجتمع لها» (١٨ برومير).
ولأنه ادعى انه فوق الطبقات، سعى بونابارت لأن يمثّل كل طبقة ضد أخرى. وذلك هو الثمن الذي سوف تدفعه الطبقات المالكة خصوصا عندما يأتيها «مخلّص» باسم الامن والنظام: قضى بونابارت على التمثيل البرلماني السياسي للطبقات ليتولى تمثيلها بالدولة ذات الاستدعاءات المختلفة لعدد من الطبقات. فالقاعدة الفلاحية القائمة على الإنتاج السوقي الصغير يضارعها تمثيل الرأسمالية الصناعية في طورها التوسعي الداخلي والخارجي. فتولى جهاز الدولة البونابارتي بناء البنى التحتية للتصنيع وتنميته المبادرة الى التوسع الكولونيالي من الجزائر وسورية الى المكسيك. البونابارتية بهذا المعنى تعديل جذري لمقولة ماركس التي يميّز بين الدولة الاقطاعية المضطرة للتدخل بالعنف من اجل حماية سلطتها ومصالحها، والدولة الرأسمالية على افتراض ان الثانية ليست تتطلب فقط التدخل المباشر للبرجوازية في الحياة السياسية.
من هنا إعتراف ماركس بوجود جهاز دولة منفصل عن «المجتمع المدني» تحتاجه البرجوازية لإنقاذ سيطرتها او الدفاع عنها، في ظروف الأزمات خصوصا، يحمل نمطا مميزا من الاضطهاد تمارسه الدولة على المجتمع المدني، بما يتجاوز استغلال رأس المال للبروليتاريا. وهذا ما يبرر تصوّر ماركس للثورة البروليتارية على انها ليست مجرّد ثورة لانهاء الاستغلال الرأسمالي وانما هي ايضا ثورة تحرّر المجتمع من سيطرة الدولة عليه.
يلجأ ماركس الى مفهوم «المجتمع المدني» بما هو مجموع المؤسسات الواقعة خارج السلطة، والتي كانت تعني في زمانه المجتمع البرجوازي المالي والصناعي الناشيء في كنف المجتمع الاقطاعي، بالمقارنة مع الدولة او «المجتمع السياسي» الذي هو الدولة الملكية البرقراطية الممثلة لارستقراطية الأرض.
لكن «المجتمع المدني» عند ماركس مكوّن من عدة طبقات متناقضة ومتصارعة. هكذا يتجلى التناقض الاساس بين المساواة السياسية والقانونية في الدولة وعدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع المدني، ما تترتّب عليه نتيجتان:
الاولى، تتحول الدولة الى الركيزة الاساس لحماية اللامساواة الطبقية (والمناطقية، الخ) في المجتمع المدني.
الثانية، ترتدّ اللامساواة الاجتماعية الاقتصادية والاجتماعية الى تخريب المساواة السياسية والقانونية للمواطنين في الدولة. أي نخر الديمقراطية والتمييز في المساواة السياسية والقانونية ذاتها.
هكذا فكارل ماركس الديمقراطي الجذري، الشيوعي فلسفيا، زمن ١٨٤٨، تصوّر الاشتراكية بما هي الحل لهذا التناقض الذي يستكمل الديمقراطية السياسية بتحقيق «الديمقراطية الاجتماعية» او ببناء «الجمهورية الاجتماعية» كما اسماها عمال باريس الثائرون. بعابرة اخرى المجتمع حيث الاشتراكية هي تكملة للديمقراطية بما تحقيق لنظام اجتماعي واقتصادي وسياسي يحقق المطابقة بين الديمقراطية في الدولة والديمقراطية في المجتمع.
وهذا هو أساس فكرة ماركس عن اضمحلال الدولة الذي يعادل للتحرر الإنساني الشامل، الذي يسمّيه الانتقال من عالم الضرورة الى عالم الحرية. وتلك هي الديمقراطية الاشتراكية التي تحل التناقض بين الفرد والمجتمع، «حيث التطور الحرّ لكل فرد هو التطور الحر للجميع». (انظر مقالة تيري ايغلتن حول المعنى العملي لاضمحلال الدولة في مكان آخر من هذا العدد)
