Back to Publications
Publications Papers

Starry Temptation - "His Veil Is Light" (Quran)

Between a colonizer desiring to occupy the stars, a little prince who sees them laugh, and a Sufi mystic seeking their unification, the allure of the cosmos is revealed in humanity's diverse ways of approaching the heavens.

غواية النجوم – «حجابه نور» (قرآن كريم)

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

غواية النجوم

«حجابه نور» (قرآن كريم)

هذه حكاية عن النجوم يجب ان تروى في ليلة صيف تتلألأ بالنجوم في جبال لبنان.

ثلاثة خرجوا من الكُتُب على فترات متباعدة. ولكن فجأة انعقدت حوارات واواصر بين مستعمِر يرغب في احتلال النجوم ومتعبّد يشتهي نكاحها وبينهما امير صغير لا هو في العِير ولا في النفير. او هكذا قد تظنون.

في احتلال النجوم:

«ان عمليةُ مسح الكرة الارضية كلها وفرزها قد شارفتْ على نهايتها تقريبا. وما بقي منها يجري الآن تقاسمه وإحتلاله واستعماره. فكّر بتلك النجوم التي تراها فوقك ليلاً، تلك العوالم الشاسعة التي لن نستطيع بلوغها ابدا٠ واني لمستعمِرٌ تلك الأجرام لو إستطعت اليها سبيلا. والحقيقة اني كثيرا ما افكّر في هذا الامر. وشدّ ما يحزنني أن اراها هكذا شديدة الوضوح ومع ذلك نائية لا تطاولها الايدي.»

الكلمات لسيسيل رُودْز، كبير المستعمرين الاوروبيين، الرجل الذي سُميّ بلدٌ بأكمله على إسمه – روديسيا – تلك التي استعادت تسميتها الافريقية- زِمبابوي- بعد انتزاعها الاستقلال.

يتميّز سِيْسِل رُوْدز عن سواه من الروّاد الاستعماريين في انه لا يغلّف الاهداف الاستعمارية ولا يزوّقها وانما يعلنها صريحة عالية. لن تجده ينوء تحت ثقل «عبء الرجل الابيض» ولا هو يحمل اي وهم عن «مهمة حضارية» يريد ان تضطلع بها البلدان المستعمِرة تجاه سائر شعوب المعمورة. وهو فوق ذلك كله لا يرغب في تمدين احد. الاستعمار عنده عملية انانية من ألفِها الى الياء، جلّ ما فيها هو ما يأتي بالنفع على بريطانيا العظمى. لذا لم يكتف بالحث على توفير اسواق جديدة لتصريف البضائع التي تنتجها المملكة المتحدة في مصانعها ومحترفاتها ومزارعها والمناجم. بل يرى الى استعمار الشعوب على انه المخلِّص من الازمات الداخلية في بلده. فقد تنبأ بخطر داهم يكمن في صلب الرأسمالية هو خطر الحروب الاهلية الدموية بين فقراء واغنياء وبين عمال ورأسماليين. ازاء هذا الخطر الذي يتهدد الاربعين مليونا من سكان بريطانيا، أهاب سيسيل رودز بالسياسيين ان يحتلوا المزيد من الاراضي في سائر ارجاء المعمورة وان يستغلّوا المزيد والمزيد من الشعوب من اجل نقل ثرواتها الى بريطانيا وتقريب الفوارق بين الطبقات او من اجل تصدير تلك الفوائض السكانية من عمال بريطانيا وفقرائها الى المستعمرات.

في ذورة التوسع الاستعماري الاستيطاني، وقد احكمت البلدان الصناعية المتقدمة سيطرتها على معظم ارجاء كوكبنا الارضيّ، يعلن سيسيل رودز نَهَم رأس المال غير المحدود الى التوسّع. فبعد ان إستعمر الكوكب الارضي برمّته تقريبا، بات يرغب في احتلال اجرام الفضاء واستعمارها. انه الجشع الجغرافي للاستعمار، والاستعمار معظمه جغرافيا. يكتب ادوارد سعيد في نص عن الشاعر الارلندي وليام باطلر ييتس: «ما الامبريالية، في التحليل الاخير، غير عنف جغرافي يتم بموجبه استكشاف كل بقعة من بقاع الارض. ومسحها ثم اخضاعها».

غواية النجوم

«ونحن ايضا لنا كلمتان نقولهما في … النجوم». يقول شاعر من الشعراء احتجاجا على هذا التمادي في الجغراسية الكولونيالية. فأي امريء لم يحلم مرة بالسفر الى النجوم وبأن يكون له «منزلٌ في السماء»، على حد قول ابي تمام. وهاكم الشاعر محمد الماغوط الذي ليس له وهو لا يريد منزلا في اي مكان في الكون، يعلن ان الفرح ليس مهنته، لكنه يقسم: «لن اؤذي نجمة» (الفرح ليس مهنتي).

والنجمة للجمال، لا للاستعمار، مع ان النجوم ادنى مرتبة في معارج الجمال من القمر، وهو التفاضل الذي تذكرنا به الاغنية الشعبية العراقية «كل البنات نجوم وإنتِ قَمَرْهِنْ». وينشد جميل بثينة: «هي البدرُ حسناً والنساء كواكب/وشتّان ما بين الكواكب والبدر». ترى من نقل عن من؟ جميل عن الاغنية الشعبية ام الاغنية الشعبية عن جميل؟

والنجوم مرسال الحب. فمن لم يتمنّ يوما ان يفرط أُلوفَ النجوم على درب الحبيبة، كما فعل نزار قباني، ليقول للحبيبة انه يحبها وان حبه يدوم.

والنجمة كنية العاشق، وقميصه ولباسه وهويته، كما في الهشاشة الموجِعة للشعر الشعبي العراقي:

«نجمة صبح، يا هْواي/ وأسقط على غْطَاك

وبحجّة البَرْدان/ أتلفلف وإياك !»

والنجوم للهداية. «وقادني النجم الى الباب المضاء»، يكتب عبد الوهاب البياتي في احدى قصائده، نقلا عن بابلو نيرودا. الصورة عند نيرودا كثيفة الدلالاة لانها تلمح الى رواية النجم الذي قاد الملوكَ الثلاثة الى مهد المسيح. والصورة عند البيّاتي مسطّحة لأنها منقولة.

والنجوم هي أسرار الليل وكاتمات اسراره في الآن ذاته، عندما «يسكن الليل» في قصيدة جبران تنشدها فيروز. ولكن اي سرّ في هذا القول لشاعر فرنسا الكبير بول ايلويار الذي تكنّى «مرضع النجوم».

والنجوم للوعد والامل. «بيروت نجمتنا» يعلن محمود درويش. قد تكون نجمتنا الوحيدة، وقد تصير نجمتنا الاخيرة.

وفي الانتقال من الوعد الى الوعيد، تلقى التهديد الدارج: سأريك «نجوم النهار». ونجوم النهار يريك اياها اسامة محمد في فيلمه البديع بالعنوان ذاته.

وللنجوم في «وطن النجوم» صلة وثيقة بالكُتُب. مع ان «النجمة» في «وطن النجوم» هي إسم فريق كرة قدم. «جعلتُ نجومه كتُبا/ رسمتكِ نجمة الكتب»، تغني فيروز عن الليل والحبيبة. وتثنّي في تلك الصورة السعيدعقلية عن الوطن الطائر:

«لي صخرةٌ عُلّقتْ بالنجم أسكنها/

طارتْ بها الكتب قالت: تلك لبنان»

وفي الرفعة والنجوم هذا المثل «كل طويل بالسما نجمة وكل قصير بالارض فتنة».

والنجوم غاية الطموح، كما في قول الشاعر العربي «اذا غامرتَ في شرف مرام/فلا تقنع بما دون النجوم». وقد لا تقنع بما دون النجوم، لكن الكلمة الاخيرة للنجم، كما في هذه الموليا لشاهين المعلوف:

«يا حَور ما أطولك/ يا حور خُذ بالك

لو طلت نجم السماء/ لا بدّ ما يطالك

محبوب قلبي إتكا/ يرتاح في ظلالك

عرّيت حالك قصد/ تـ تحرمه الفيَّا»

وغاية الطموح في رؤيا يوسف الحسن، الذي رأى اخوته على شاكلة نجوم وامه واباه على شاكلة القمر والشمس. «إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ اني رأيتُ احدَ عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين» (يوسف: ٤). فنصحه ابوه ان لا يقصص رؤياه على اخوته فيكيدون له. صدق ظن الاب. كاد اخوة يوسف لاخيهم. فألقوا به في الجبّ. وصدقت رؤيا يوسف إذ خرّ له اخوته ساجدين في نهاية المطاف.

الذي لم يصدق هو الرقيب اللبناني الذي تحرّك ليحاكِم مارسيل خليفة عندما لحّن قصيدة «انا يوسف يا ابي» لمحمود درويش بحجة انه قد لحّن آية قرآنية!

ولكن اية رؤيا اشد غرابة من هذه التي رآها الاشتراكي المثالي الفرنسي فورييه الذي تصوّر ان انسان الغد سوف ينبت له عضو جديد في مؤخر ذيله يستطيع بواسطته التراسل مع سكان الكواكب الاخرى «فيما النجوم تتناكح».

وقد تكون الكلمة الاخيرة للنجم. وقد يشبه أهلُ يوسف الحسن أجرامَ السماء. ولكن ما من جُرم سماوي يسمو على تلك التي يرتَّل لها المؤمنون بصوت فيزوز الحزين: «يا مريم البكر، فقتِ الشمس والقمرَ / وكلَ نجم من نجوم السماء سرى».

المبتدى نجوم والختام نجوم. إذ ان انطفاء النجوم هو الدليل على نهاية العالم.

«الامير الصغير» ورؤية القلب

هو امير صغير يسكن الكويكب ب ٦١٢ والكويكب ب ٦١٢ ليس اكبر من بيت. تقع عليه ثلاثة براكين، اثنان منها خامد والثالث ناشط. وكلّها تحتاج مداخنها الى تعزيل. وفي ذلك الكوكب تنبت وردة تخشى الريح. والامير الصغير يبحث عن صديق ويريد اقتناء خروف. لكنه يخشى ان يأكل الخروف الوردة، فلا بد ان يأتي له بالعُشب. ولكن اين يجد له العشب؟ ينمو العشب على كوكب آخر هو الارض. لا بد من النزول الى الارض…

في الطريق الى الكوكب السابع الذي هو الارض، يلقى الامير الصغير في الكويكبات الستة جملة من الشخصيات المثيرة. الملك البلا حاشية. يظن انه يسيطر على النجوم لأنه يأمرها ان تفعل ما تفعله اصلا. المدّعي، يريد ان يحظى بإعجاب الجميع ولا يطيق ان يسمع الا المدائح. لذا تجده يعيش وحيدا في كوكبه. السكّير، يسكر لينسى لأنه يشعر بالعار لأنه يسكر. وثمة موظف لإشعال النور على احد الكواكب بات عاطلا عن العمل، لأن الكوكب مضاء ليل نهار. وفي كويكب آخر، عالِم جغرافية يتبيّن انه ليس بالمستكشِف لأنه لا يعرف شيئا عن مجال كويكبه. وهاك رجل اعمال يملك ٥٠٠ مليون نجمة. وضعها في المصرف واخذ مقابلها دفتر شيكات. عندما زاره الامير الصغير كان منشغلا بعدّ ممتلكاته من النجوم فلم يكن له وقت لإعادة إشعال سيجارة منطفئة تتدلى بين شفتيه:

«- ما نفع ان تملك النجوم؟ يسأل الامير الصغير.

– تنفع ان اصير ثريّا…

– وما نفع ان تكون ثريا؟

– ينفعني ان اشتري المزيد من النجوم.»

عندما قرأ الامير الصغير نص سيسِل رودز عن احتلال النجوم، قال في سرّه: هذا الرجل يذكّرني بالسكّير: يسكر لينسى شعوره بالعار لأنه … يسكر.

حقيقة الامر ان الامير الصغير لم تعجبه كافة التشابيه المعطاة للنجوم عند البشر. كلها تشابيه باهتة، بلا لون. الامير الصغير المخلص للزهرة على كويكبه، يرنو الى السماء في الليل، فيرى كل النجوم مزهرة. تشابيه البشر عن النجوم صامتة. اما النجوم فلها اصوات، ينبئنا الامير الصغير. وهو يحب الإنصات لاصوات النجوم. النجوم خمسة ملايين جرس صغير، يرنّ في أذنك، والنجوم خمسة ملايين نبع ماء تسمعك خريرها. واكثر من اي شيء آخر، النجوم تضحك. والهدية التي يقدمها الامير الصغير لصديقه على الارض: نجوم تضحك. يقول له: ترى الى نجمتي وانا عليها اضحك، فتصير كل النجوم ضاحكة. اذذاك تنعقد بيني وبينك اواصر صداقة لا تنفصم. سوف يستغرب اصدقاؤك إذ يرونك تحدّق في السماء وتضحك. فقل لهم: «بلى. ان السماء تثير فيّ الضحك دوما…»

وإذ يختفي الامير الصغير عن هذه الفانية، يترك لنا سرّه: «اننا لا نرى جيدا الا بواسطة القلب. الجوهري محتجِب عن العين».

ناكح النجوم

لما فرغ الشيخ الصوفي الكبير من قراءة كتاب «الامير الصغير» لانطوان دُ سان اكزوبري، أطبق الكتاب ببطء وقال في سرّه: غريب امر هذا الامير الصغير، كأنه من أتباعنا. الرؤية بواسطة القلب والجوهري المحتجب عن عين الوجه ولن يظهر الا لعين القلب- هذا ما نذهب اليه منذ ان حلّ المعشوق بدننا.

ولكن ما الذي جاء بابن عربي الى هذه المعمعة؟ لم نكن لنقحمه في قصص النجوم لولا انه اقحم نفسه فيها بلا استئذان.

هاك قصته مع النجوم وهي بين القصص أغربها:

«ولما دخل بجاية في التاريخ المذكور قال “رأيتُ ليلةً إني نكحتُ نجوم السماء كلها، فما بقي منها نجم إلا نكحته، ثم عرضتُ رؤياي هذه على مَن قصّها على رجل عارف بالرؤيا بصيرٍ بها، وقلتُ للذي عرضتها عليه: لا تذكرني، فلمّا ذكر الرؤيا استعظمها وقال: هذا هو البحر الذي لا يُدرَك قعرُه، صاحبُ هذه الرؤيا يفتح الله تعالى له من العلوم العلوية وعلوم الاسرار وخواص الكواكب ما لا يكون في احد من أهل زمانه، ثم سَكَتَ ساعةً وقال: إنْ كان صاحب هذه الرؤيا في هذه المدينة فهو ذاك الشاب الاندلسي الذي وصل إليها».

والشاب الاندلسي صاحب الرؤيا إن هو إلا شيخنا الاكبر محيي الدين بن عربي.

اين انتم، ايها الشعراء؟ تخيلّتم كل شيء عن النجوم، الا هذا المشهد. تصوّروا هذا الشيخ الصوفي الوقور في خرقته الخرقاء سابحا في السموات ينكح نجومها اللامتناهية العدد ويذوق عُسَيْلتها، نجمة نجمة.

وقد يخطر في بالك ان تأول المشهد اي تأويل تريد. ولكن حذارِ ان يغويك الشَبَه فتفسّر مفردة «النكاح» على محملها اللفظي المباشر. او يرميك علم النفس بحبائله فتحسب التحليق بذاته تعبيرا حُلميا عن الانتصاب، كما علّمك الدكتور فرويد. انت ادرى ان الصوفيين يتفرّدون في كل شيء عن سائر البشر حتى في معاني الكلمات. فالسماء والنجوم والنكاح عند شيخنا ابن عربي معاني بل دلالات مختلفة تماما عن تلك التي عند ذلك المستعمر البريطاني وعن تلك التي قد تتبادر الى ذهننا لاول وهلة.

التمييز الاول يطاول السماء. سماء ابن عربي سموات متراكبة في بنية عجائبية. ولاجل البساطة نقول انه يميّز بين السموات العُلى والسموات السفلى او الدنيا. والسماء السابعة في السماء المشتركة بين السموات العلي والسموات السفلى. في الحديث العامي، قد تقول، بعد حفلة تعذيب في احد سجون الامة العربية المضيافة: «صرختُ حتى وصل صوتي الى سابع سماء». ولكن مهما بعدت سماك وجمُلَتْ، فلن تضاهي ابدا بهاء المساء الصوفية السابعة. إقرأ:

«وهي السماء التي سوّى الله عزّ وجلّ منها السموات، وهي ذات وجهين، وهو المزيّنة بالمصابيح، التي هي عُكوس قلوب الملائكة، كما ان سماء الارض هي المزيّنة بالنجوم التي هي عُكوس قلوب البشر، احد وجهي السماء الدينا مزينة بالمصابيح، وهو عُكوس قلوب الملائكة، والوجه الآخر مزيّنة بزِينة الكواكب، وهو عكوس الصفات الالهية».

والتمييز بين السموات يميّز ايضا بين النَيّرات: المصابيح والنجوم تدور في مدار القلب. ذلك الذي لا يُرى شيء الرؤية التامة الا به، كما علّمنا الامير الصغير. فيما الكواكب هي عكوس للصفات الالهية. ولكن كيف وسوَس شيطان الشعر لمحمود درويش فأخذ يذكّر الكواكب ويملّحها، في هذا التعريف الماجن حتى الكفر للانوثة:

«الانوثة: الشفتان حيث تناديان الكوكب المالح».

ولا يكفي التمييز بين سموات ابن عربي وسماء سيسِل رودز. ثمة فارق بين فعلين عندهما: فعل الاحتلال وفعل النكاح. كثيرا ما جرى تشبيه الاحتلال الاستعماري بالاغتصاب. لم يرق لي التشبيه طرّا. فمرجعه التماهي بين البكورة والنقاوة والشرف. وهو يوحي فوق ذلك بأن الاغتصاب فعلٌ لا يعوّض. وهو سوف يذكّرني دوماً بذلك الكاريكاتور العبقري لناجي العلي الذي يصوّر فيه البرجوازي-الحاكم العربي والى جانبه فلسطين على شكل عذراء خجولة، خافضة الطرف، وأمامهما الشخصية التي تمثّل الاسرائيلي. ويقول البرجوازي – الحاكم للاسرائيلي: إنت إغتصبتها، انت عليك ان تتزوجها!

لا تحتوي سخرية ناجي على مجرّد مفارقة سياسية. انها تنطوي على نقد عميق لفكرة العار وستر العار. فثمة طريقان تقليديان للتعاطي مع الاغتصاب: إما تزويج الفتاة مغتصِبها وإما الثأر للشرف المثلوم بقتل من مارس «الفعل المشين.» ساد هذا السلوك الاخير في زمن كانت فيه قيم القبيلة على مقدار من الاستقرار والتماسك. اما في زمن ترسملت فيه القيم وتعولمت، باتت عقوبة الاغتصاب لا هي ستر العار بتزويج المرأة مغتصِبها ولا هي غسل العار بدم المغتصِب. صارت العقوبة بغسل العار بدم المرأة المغتصَبة، كما يجري في العراق الآن حيث يندغم الإحياء القبلي الصدّامي بالاحياء القبلي الاميركي. الم تسمعوا عن النساء اللواتي إعتقلن في سجن ابو غريب يطالبن اهلهن بقتلهن لأن المرأة التي تدخل معسكر العار الصدامي-الاميركي ذاك محكوم عليها بأن تُغتصَب لا محالة، ومحكوم عليها ان ينطبق عليها قانون القبيلة القديم-الجديد ؟

هل لا يزال في العراق من ينشد «نجمة صبح، يا هواي/ وأسقط على غطاك؟»

هل لا يزال في العراق من يتذكّر «نجمة صبح، يا هواي؟»

في العراق، تعوي النجوم.

في العراق، تنطفيء النجوم.

والأغطية تُستخدَم للفّ أشلاء الاحبّة الذين يسقطون بالعشرات كل يوم…

والاغتصاب فعل نكاح. ولكن ما ابعد النكاح عند ابن عربي من ان يختزل بالاتصال الجنسي. للنكاح عنده معنى يرتبط بالتوحيد. تلعب فكرة التثليث دوراً مهمّاً في الصوفية الاسلامية وعند ابن عربي تحديدا. فإبن عربي هو اولاً نافي الاحدية. «ان اول الأعداد انما هو الاثنان»، يجزم ويضيف: «ولا يكون عن الاثنين شيء اصلا إن لم يكن ثالث يزوّجهما ويربط بعضهما ببعض، ويكون هو الجامع لهما…» (رسائل ابن عربي، ص ٢٥-٢٣). هكذا ارتبطت فكرة التثليث عنده بالخلق والانتاج. وللحصول على نتيجة بين شيئين لا بد من الازدواج فتحدث بينهما حركة يعبّر عنها ابن عربي بمفردة «النكاح».

بل انك تستطيع بشطحة صوفية ان تقول ان التثليث عند ابن عربي إن هو الا صياغة مُبكرة للفكرة الجدلية عند هيغل ومن ثم عند ماركس. وهو قول يحمل مقدارا كبيرا من المعقولية. ولكن لماذا نذهب الى الفلسفة ما دام لدينا التعبير الشعري عن التثليث الماركسي على لسان كبير شعراء فرنسا، بول ايلويار، في هذه الوصلة من صوفية الجسد:

انا المُشاهد والممثّل والمؤلف/ انا المرأة ورجلها وطفلهما

والحب الاول والحب الاخير/ والحب الخفيّ العابر ومنتهى الوجد

ومجدداً، انا المرأة وسريرها وثوبها/ وذراعاها الموزّعان

وكدّ الرجل ولذّته كالسهم / وانا الموج الانثوي

بسيطا او مضاعفا لحمي ليس منفيا ابدا

فحيث يبدأ جسدٌ، اتخذ شكلا ووعيا

وحتى عندما يتحلل جسدٌ في الموت،

أجثو في حضنه، أتزوّج عذابه

ووضاعته تشرّف قلبي والحياة.

أرى النُور يشعّ من هذا النكاح! امرأة ورجل. وثالث يزوّجهما هو … النور! يشفّ العاشقان، يصيران مجرّد نُور.

نُورٌ على نُور…

Themes
Art & Literature History
Countries
Arab World Iraq Palestine Lebanon Egypt
Keywords
Imperialism Colonialism Art & Literature Political Theory

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.