Back to Publications
Publications Memoirs

On Al-Andalus, the Iraq War, and Qana - Letters to Etel Adnan

A surgical "error" of terrifying precision killed 108 in Qana — Joseph Samaha walks out of the mass grave: "Why?" Then: "What a stupid question!"

عن الاندلس وحرب العراق وقانا – رسائل الى اتيل عدنان

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

عن الاندلس وحرب العراق وقانا

رسائل الى اتيل عدنان

١

عزيزتي إتيل،

أظن انه كان عليّ ان اسلك الطريق الذي سلكتِ لكي اباشر الاجابة على رسائلك. انا مسافر غدا الى اسبانيا للمشاركة في ندوة بعنوان »الديمقراطية شرقي المتوسط« في جامعة مالقة، مسقط رأس بيكاسو.

إعترفَ لي شريكي الفرنسي في الندوة بشيء من الحرج بأنه لم يزر غرناطة من قبل وانه عازم على اغتنام هذه المناسبة لزيارتها. وانا، العربي، اعترفتُ له بحرج اكبر اني ايضا لم ازر غرناطة من قبل. فإتفقنا على قضاء يومين من رحلتنا في مدينة قصر الحمراء و»جنة الريف«.

هل زرتِ غرناطة؟ ساكتب لك من هناك. في هذه الاثناء، تجدين طيّه مراجعتي، في الملحق الثقافي لجريدة الموند، للترجمة الفرنسية لكتاب احمد فارس الشدياق، »الساق على الساق«. علّي بذلك أشجعك، وسيمون، على قراءة هذا الكاتب العظيم، النسوي، الساخر، والناقد الاجتماعي. هذا طبعا اذا كانت سيمون تستطيع ان تشيح بنظرها للحظة عن كتب إبن العربي. هل تتصورين؟ ذَكَراً عربياً يقول انه قد تحوّل الى امرأة فيما هو يكتب كتابا في مديح النساء واللغة العربية؟ ومتى؟ في منتصف القرن التاسع عشر!

محبة لكما.

فوّاز

٢

إتيل،

عليّ ان اعترف لكِ بأنني مهووس بغرناطة منذ الصغر. اسرة والدتي كان يخيّم عليها شبح خالٍ شاعرٍ رومانسي توفي شابا وكانت باكورة اعماله مسرحية شعرية بعنوان ” سقوط غرناطة”. وانا احلم منذ الصغر بغرناطة واخشى ان لا يتفق حلمي والحقيقة.

كان لقائي الثاني بغرناطة ايام الدراسة الجامعية. في تلك الفترة، كنا مهووسين بالثورة الاسبانية. لا يكاد يمرّ يوم لنا في مقاهي رأس بيروت دون ان نستذكر قولا مأثورا للپاسيوناريا، او قصة من القصص اللامتناهية عن بطولات المدافعين عن مدريد المحاصرة، او نتندّر بنادرة من نوادر جورج اورويل عن فوضويي برشلونة كيف انهم فزغوا، ذات مرة، الى القتال، ولما وصلوا الى الجبهة اكتشفوا انهم من فرط حماسهم والاستعجال، نسيوا ان يحملوا معهم اسلحتهم….وإذ تتقادم عشايا بيروت، ونكون قد كرعنا ما تيسّر من زجاجات البيرة، تشتدّ علينا وطأة الحنين الى تلك السنوات الثورية المجيدة من ثلاثينيات القرن، فنصدح بتلاوة اشعار فريديركو غارثيا لوركا وپابلو نيرودا، رافعين الايدي المضمومة القبضات في التحية الشهيرة المعادية للفاشية- وسط دهشة وتواطوء نوادل »الانكل سام« او »الشيخ آند كازِن«- هاتفين بأعلى الاصوات هتاف المدافعين عن مدريدNo passaran (»لن يمرّوا!«) قبل ان ننتكس الى عاشورا من النحيب على ثورة يزيد من تعلّقنا بها انها أخفقت وغرقت في دمها…

كثيرا ما تساءلت لماذا أثّرت فيّ الحربُ الاهلية الاسبانية كل هذا التأثير؟ ولعل الامر يتلخّص في اني لم استطع مرّة ان اتصالح مع تمجيد الفاشيين للموت في شعارهم الشهير Viva la muerte!

ولكن، مَن كان يستطيع، في بيروت العصر الذهبي في الستينات، ان يتصوّر ان الثورة الاسبانية، التي تحوّلت الى حرب اهلية، سوف يعاد تمثيلها في حاضرتنا الفينيقية الهادئة؟ وعندما دهمتنا الحرب الاهلية االلبنانية عام ١٩٧٥، ادركنا تدريجيا ان ثورتنا الاسبانية المجيدة كانت ايضا حربا اهلية دموية. فصارت مشاهد القنص والخطف والقتل على الهوية والقصف العشوائي وحصار الاحياء والمخيمات تطلِق من لاوعينا سابقاتها الاسبانية: عمال مدريد يحرقون الاديرة ورفاقهم في برشلونة ينبشون جثث الراهبات من المقابر ليراقصوا هياكلهن العظمية في الساحات العامة، والفلاحون الفوضويون يسوقون اقطاعيا القوا القبض عليه الى قمة جبل مرتفع: – انظر. ما اجمل هذه الدنيا التي ستحرم منها- يقولون له، قبل ان يلقوا به من عل ٍ ليتحطم جسمه على صخور المنحدر!

٣

عزيزتي أتيل،

رسائلكِ تسبح في الشمس الاسبانية. تقولين ان الحياة في اسبانيا »قيلولة لا تنتهي«. في زيارتي الاولى عام ١٩٦١، جئت من ضباب مانشستر الصناعي في عطلة صيفية وسكنت فندقا كان يطلّ على ساحة كبيرة من ساحات مدريد. كانت قيلولات مدريد تتمطي وتتمدد الى ان تطردها رويدا رويدا نسيمات الساعات الاولى من العشية. فسرعان ما تمتليء الساحة بجموع من النسوة المتشحات بالسواد. كان جيش الارامل هو الجيش الوحيد المتبقي من تلك الحرب التي طالما ألهبتْ مخيلتنا. لكن ذكريات الحرب مكتومة. طبعا، جرى تكريم شهداء الحرب ولكن كان ثمة شهداء منتصرون وشهداء مهزومون. مدفن جماعي للشهداء، ليس بعيدا عن مدريد، يرتفع فوقه صليب جبار ويتقدم الاضرحة ضريحُ عميد شهداء المنتصرين- مؤسس حزب الكتائب الاسبانية.

لم يكن احد يريد الحديث عن الحرب. الدليل السياحي في الباص تجاهل اسئلتي واستفساراتي عن الحرب. كل ما استطعت ان انتزعه منه هو تفسيره لماذا الطريق الى المطار يرتفع على جانبيها جدار على امتداد كيلومترات فإعترف لي بأنه شيّد لاخفاء مدن الصفيح البائسة الواقعة على جانبي الطريق من اعين الزوار والسوّاح. وصاحب المكتبة في مدريد جحدني بنظرة غريبة عندما سألته عن دواوين شعر للوركا. وبدلا من الاندلس زرنا طليطلة لسبب لم اعد اذكره تماما. وجل ما اذكره من تلك المدينة بيت الفنان الكبير إل غريكو El Greco المبني على الطراز العربي، او هكذا شبـّه لي. ولما زرنا »قلعة القصر« Alcazar لم يكن اختيار شركة السياحة للموقع بريئا على الاطلاق. هناك أخضعنا الدليلُ السياحي للرواية الرسمية عن بطولات الجنرال الفاشي، آمر حامية القلعة، الذي آثر ان يُقتل ابنه الذي استرهنه الجمهوريون على ان يسلمهم القلعة.

هكذا بقي لي من زيارتي الاسبانية ان اتدبّر امري معما هو معدٌّ لسواح لا يأبهون بالسياسة: قُربة جلد املأها نبيذا من الخمّارة المجاورة في الحي الشعبي وأزرق منها وانا اتسكع في ازقة مدريد الضيقة، وحفل مصارعة الثيران المخيبة للآمال، يتبارى فيها مصارعون مبتدئون مع ثيران متوسطة الحجم والنوعية، فاذا الحصيلة مشاهد هي اشبه بالمسلخ منها بملاعبة الموت. واذا كان المصارعون انتزعوا بعض صرخات الـOle (التي يقول لوركا انها متحدّرة من صيحة »الله« العربية) فهي قد صدرت من حناجر سيّاح جاهلين بقواعد المبارزة، فيما اطبق صمت على الجالسين على المدرجات العليا من هواة اللعبة المتطلّبين. اخيرا، غادرتُ اسبانيا حاملا ذكرى حبلى برمزيتها الحربية: سيف مصارع ثيران اصلي، اعتنتْ المضيفةُ اللطيفة والجميلة – التي جمعتْ بين عريض الابتسامة وسِعَة الِحيْلَة – في ان تُموّهه لي عن فضول موظفي الجمارك الفرنسيين الذين قد يجدون فيه سلاحا خطيرا يقتضي المصادرة فأخفتْ السيف في باقة ورد اصطناعي كبيرة. وهكذا دخلتُ العاصمة الفرنسية فاتحاً اندلسياً، يتأبط باقة ورد بريئة تلتمع تحتها شفرة الماتادور.

٤

اسبانيا بعد ربع قرن.

المناسبة: حضور » المؤتمر الثالث لكتّاب البحر الابيض المتوسط«

(15-19 نيسان 1986) تحت عنوان » المثقف والنضال من اجل الديمقراطية«. بصحبة رفاق الرحلة البلنسية، محمود درويش والياس صنبر وفاروق مردم بك، قررنا قضاء يومين في برشلونة. وقعتُ في غرام برشلونة المتوسطية من اول نظرة. دفعتني استيهاماتي الى ان اتخيّلها نموذجا مثاليا عن بيروت المشتهاة. هتفتُ الى نوال في باريس: احزمي حقائبك، ننتقل للسكن في برشلونة.

عزيزتي إتيل،

تروين في رسالتك الاخيرة عن برشلونة مشاهدتك إمرأة عارية تشقّ طريقها عبر الجموع على ارصفة المدينة (»الرامبلاس«) . المشهد يثير فيّ ذكريات المناظر الملحمية من افلام يانشكو المجري. وحده الجسد العاري يعلن الحرية. فلا عجب ان يكون الفوضويون الاسبان قد مارسوا طقوس التعرّي الجماعية.

لم اشاهد على الرامبلاس في برشلونا إمرأتك العارية. لكنني شاهدت اسبانيا تتحرر من الصمت الذي فرضته على نفسها حول الحرب الاهلية. اضافة الى صور فرانكُو اليومية »دياريو ١٦« Diario 16 تنشر فصولا من كتاب المؤرخ البريطاني هيو طوماس وهو المرجع الكلاسيكي عن الحرب. اخيرا، صار بمكنة الاسبان ان يعرفوا عن حربهم ما قد عرفه عنها الغرب وسائر العالم منذ عقود من الزمن. »تتذكر او لا تتذكر«- تلك هي المسألة. والاسبانيون على الحد بين الاحتمالات. هناك جيلان على الاقل ولدا بعد الحرب الاهلية.

لبلنسية علاقة مميّزة بالجمهورية والحرب. كانت المدينة عاصمة الحكومة الجمهورية خلال ما يقارب السنة عندما اشتد الحصار على مدريد عام 1936 – .1937فانتقلت اليها الحكومة الجمهورية تاركة العاصمة بيد لجنة ثورية لعب فيها الشيوعيون والفوضويون دورا بارزا. وكانت بلنسية ايضا آخر معقل جمهوري سقط بيد الفرانكويين. وها هي الآن المدينة الاسبانية الوحيدة التي تنظّم احتفالا بمناسبة مرور خمسين عاما على الحرب الاهلية. لم تكن المهمة سهلة. فُرِض الاحتفال فرضا بواسطة الجناح اليساري في الحزب الاشتراكي الحاكم الذي يسيطر على الحكومة المحلية لبلنسية. خلال حفل الاستقبال الذي نظمته البلدية يرحّب بنا الشاعر خوان جيل آلبرت، معاصر لوركا وماتشادو وآخر الشهود الاحياء من مثقفي جيل الحرب. وفي عشية اليوم ذاته، شاهدنا على التلفزة برنامجا خاصا عن دور الحزب الشيوعي في النضال ضد فرانكو. ولكن اين الحزب الذي بدا لفترة كأنه طليعة عملية تجديد في الحركة الشيوعية العالمية؟ مع صعود الاشتراكيين الى الحكم، تضاءل وزنه الانتخابي ودوره في المجتمع والسياسة وقد انهكته النزاعات الداخلية. طرد امينه العام سانتياغو كاريّو الذي كان نظّر للتداول السلمي والديمقراطي للسلطة الا انه عجز عن ان يكون ديمقراطيا داخل حزبه. وللحزب الآن قيادة شابة. اما الاقلية التي خرجت مع كاريو فارتدّتْ الى خط متزمّت والى الولاء المطلق للاتحاد السوفياتي.

المؤتمر ذاته يكشف غنى التنوع الثقافي واللغوي في اسبانيا الديمقراطية حيث اللغة الرسمية هي الكاستيانية تجاورها ثلاث لغات شبه رسمية هي الغاليسية والكاتالونية والباسكية. يشرح لنا احد الكتّاب ان الامة الاسبانية، بعد عملية اللامركزية الواسعة التي اعتمدتها، لم يعد يجمع بين اجزائها غير مؤسستين: العرش والقوات المسلحة. اللافت هو إصرار معظم المثقفين الكاتالونيين على إلقاء مداخلاتهم بلغتهم الام ولتلك اللغة جرس يذكّر باللغة الفرنسية. والقول المأثور بين الادباءالاسبان قاطبة: »وطننا الوحيد هو اللغة«.

في المساء، الى المسرح لحضور آمانثيو برادو نجم الغناء الاسباني الكبير، يغني للوركا »اغاني الحب السري« : خمسون دقيقة كثيفة تؤكد تلازم الشعر مع الغِناء لاداء كل غموض ولوعة الحب المثلي تليها جولة لنا في مدينة تشبه ساحتها ساحة البرح في بيروت شبها غريبا. يطل على الساحة فندق فكتوريا حيث كان يقيم لوركا في زياراته للمدينة وحيث كتب »اغاني الحب السرّي«. دليلنا الى بلنسية الكاتب الكبير خوان غويتيسولو يروي لنا كيف انه، بعد وفاة فرانكو، عمل ومجموعة من اصحابه على تدمير تمثال لفرانكو كان يتوسّط الساحة. لم يكن الامر سهلا. كانت عصابات من حزب الكتائب تحرس النصب واقتضى الامر التحايل عليهم او الاضطرار الى الاشتباك معها ناهيك عن ان المهاجمين اكتشفوا ان لاسفل التمثال قضبان من حديد مغروسة عميقا في الارض. يا لها من رمزية دالة على عمق جذور الفرانكوية في تلك التربة.

١٦ نيسان ١٩٨٦

في السهرة التالية، انطونيو غاديس وفرقته يعرضون »كارمن« على شكل مسرحية راقصة هي اشبه بسخرية من كارمن الاصلية لميريميه وبيزيه، واعادة استيعابها اسبانيا ً بواسطة الفلامنكو. فرقة رقص تتدرب على تمثيل اوبريت »كارمن« وتتكرر خلال التدريب قصة الحب التي تدور مدارها اوبريت »كارمن« بين مدير الفرقة وراقصتها الاولى. لا يستبقي غاديس من الاوبرا الاصلية غير المقطعين الغنائيين الاشهر عن »الحب طفلٌ بوهيمي«، اما الباقي فتعبـّر عنه لغة الايدي والارجل والمناكب والانامل في لوحات فردية او زوجية او جماعية من الفلامنكو. ومن المشاهد التي لا تنسى رقصة الحَسَد والتحدي بين المتنافستين على حب مدير الفرقة وفيها كل الوحشية والشبق في استدعاء الرجل.

تعليق خوان ونحن خارجون: تستطيعون اكثر من سواكم تقدير الرقص الاندلسي لشبهه الكبير بالرقص في بلادكم. لست متأكدا من صحة المقارنة. فما من رقصة عربية تضاهي جنون الرقصة الغجرية. اما لغة الايدي والانامل فلعله يمكن تشبيهها برقصة السماح، وهي الرقصة الجماعية التي ترقصها النساء خاصة على انغام الموشحات الاندلسية في دمشق وحلب. ولكن السماح اكثر هدوءا وعذوبة من الفلامنكو. مرافقتنا الاشتراكية، وإسمها ايضا كارمن، ترى في عنف الرقصة تعبيرا عن عنف الصراعات الاجتماعية في الاندلس.

– هل استطيع ان اسألك ماذا كنت تفعل ابان الحرب الاهلية؟

سؤالي موجّه الى الرجل الصغيرالقامة الذي نشأ بيني وبينه تواطوء كبير خلال تلك الايام القليلة وقد جاء لتوديع الوفد العربي العائد الى باريس.

– كل شيء، كان جوابه.

انه مستشار وزير الثقافة في حكومة منطقة بلنسية المستقلة ذاتيا. في مقهى الفندق، يكشف ضيفنا عن نفسه بصعوبة. فهمنا في ثنايا الحديث انه كان مسؤول الحزب الشيوعي الاسباني عن العمل السري في بلنسية ابان الحكم الفرانكوي. يخبرنا صديقه انه عاش عشر سنوات في غرفة واحدة. ليس في الغرفة، بل في خزانة الغرفة لانه كان مختبئا لدى اسرة لا تملك غير تلك الغرفة وكان عليه ان يختبيء في الخزانة كلما جاءهم زائر. ترك الحزب الشيوعي بعد خطاب خروتشوف الشهير الذي فضح فظائع الستالينية. وهو الان يساري مستقل يؤيد الحزب الاشتراكي الحاكم.

– يقولون لي ان اسم اسرتي من اصل عربي Suay ويرجح انه »شوي« بالعامية او »سويد«، ويفيدنا ان قسما كبيرا من قرى منطقة بلنسية مسمّاة على اسماء القبائل العربية التي استوطنتها.

نضج مع العمر، كما يقول. والمهم بالنسبة اليه ان لا يتكرر النزاع المسلح. فبعد المعاناة ايام الفرانكويين، باتت الديمقراطية هي اثمن شيء حتى ولو تمت على حساب انجازات اخرى.

هل هو نادم على شيء من خلال تجربته الطويلة؟ حادثه هامة اثرت في مجرى حياته: اقدم على قتل احد القادة الفوضويين في بلنسية بناء على اوامر الحزب. لا يريد لمثل تلك الامور ان تتكرر.

جاء دوره لكي يمطرني بالاسئلة عن لبنان. لم اجد صعوبة في التفسير بالاشارة الى حربتهم ذاتها منذ خمسين سنة. يعترف لي انه لا يفهم كثيرا ما يجري في لبنان. مازحاً اقول: ان هذا لسان حالي ايضا. اما على صعيد الجدّ، فأشرح: تصوّر لو ان الحرب الاهلية لم تنته بانتصار احد طرفيها بل استمرت خلال الاربعينات، كم كانت ستكون الشراذم والانقسامات في داخل المعسكرين المتحاربين، ان تلك الحالة تشبه كثيرا ما يجري الان في لبنان.

إستأذنَ للوداع: نحن عجّزنا، لعلنا صرنا متشائمين اكثر مما يجب، اوصيكم بالامل. نتمنى لكم الامل والنجاح.

– ولا يهمّك، الامل مرضنا الذي لا شفاء منه.

الاحد 20 نيسان 1986

انفصلُ عن الفريق العائد الى باريس لوقفة في مدريد من اجل مقابلة »غيرنيكا« وجها لوجه. في ملحق متحف البرادو اجدها اكبر حجما مما تصوّرت، الا ان الالوان مثيرة. فلم اكن أتصوّر ان اللوحة تحوي ذلك العدد الكبير من دِقاق الرمادي والازرق. ولكن فات الاوان. لكثرة ما شاهدت من صور منسوخة عن الجدارية الاصلية، ولكثرة ما امعنت النظر تأملا وتحليلا في ادق تفاصيلها، إفتقد لقائي باللوحة الاصلية سحر النظرة الاولى. ومهما يكن، فقد فات الاوان، لسبب آخر هو أن فمخطوطتي عن غيرنيكا في المطبعة. زد على ذلك ان الاجراءات الامنية المفروضة لحماية رائعة بيكاسو- كأنها زعيم سياسي خطير- تضفي على المشهد جوّاً غرائبيا حرمني من الاستغراق في تأملها. فبين الجدارية وبين المشاهدين ينتصب درع زجاجي واق من الرصاص والى جانبها يقف خفير من »الحرس المدني«.

كنت اتصوّر »غيرنيكا« معروضة في ساحة عامة. اما في ذلك الملحق من متحف البرادو، فانها تبدو ملتبسة الدلالات بما هي آخر شاهد »حيّ« على الحرب الاهلية. فالمرء يتساءل هل يجري حماية هذه »اللوحة- الذاكرة« من النسيان ام انه فرض عليها الانزواء في ذاك المكان خلف درعها الواقي لكونها تحيي الأليم من الذكريات، تلك التي يريد اسبانيو اليوم نسيانها؟

عزيزتي إتيل،

كيف ينسى المرء حربا اهلية؟

٥

في بلنسية مجددا لذكرى اخرى، هي ذكرى »المؤتمر الدولي للكتاب المعادين للفاشية« الذي عقد في المدينة عام ١٩٣٩. نحن لا نزال نفكر في الحروب الاهلية، فيما معظم مثقفي اوروبا واميركا- بمن فيهم الذين حضروا المؤتمر الاصلي امثال ستيڤن سبندر وأوكتاڤيو باث- جاءوا لتلاوة اف فعال الندامة ولسان حالهم: اذا كان العدو في الثلاثينات هو الفاشية، فالعدو الواجب محاربته اليوم هو الشيوعية. وهذا دانيال كون بندت، احد ابطال حركة الطلاب الاوروبية عام ١٩٦٨، وقد صار »داني الاخضر« نسبة الى »الخضر« الالمان الذي ينتسب اليهم، بعد ان كان لقبه »داني الاحمر«، ينضم الى الجيل القديم في تأدية رسالة مماثلة. اما الندوة التي عقدها المثقفون العرب، من اعداد وتقديم خوان غويتيسولو، عن العلاقات العربية الاسبانية زمن الجمهورية والحرب الاهلية، فلا بد انها بدت كأنها من عصر آخر. حتى ان الروائي البيروفي فارغاس يوسّا لم يطق سماع مداخلاتنا اصلا، ففتح جريدته بكل صفاقة في وسط القاعة واخذ يقرأ فيها.

ما اعجب ان تقولين: »احبّ ما يجري في اسبانيا. لا هي غنية ولا هي فقيرة، انها “عالم عمالي” مثلما الشيوعية حلمت به دون ان تنجح في تحقيقه«! خلال زيارتي لبلنسية، خطر ليّ فجأة ان اسبانيا هي افضل نموذج يقتدي به العرب في تنميتهم، بديلا من النموذجين الاميركي والسوفياتي. هي صناعية ومع ذلك فلها قطاع زراعي واسع ونشيط، وهي مدينية ولكنها عميقة الجذور في تراثها الريفي، وهي موحدة ولكن على قاعدة لامركزية رحبة تحترم التنوعات الاقوامية واللغوية والاقليمية والثقافية، وشعبها مكدّ مجتهد وهو مع ذلك حيوي ومحبّ للفرح والملذات الى ابعد حد، وخصوصا الشباب. واسبانيا اخيرا ليس آخرا ديمقراطية ويسودها الى ذلك حسّ عميق بالعدالة الاجتماعية.

٦

عزيزتي إتيل،

لو ان المدن نساء، لكانت غرناطة اجمل النساء قاطبة.

مع انني لست أستسيغ هذا التشبيه بين المدن والنساء، يستحيل الإفلات منه في غرناطة.

»غرناطة، إن شئت/ أتخذك لي زوجة« ، يعرض عليها دُوْن خُوَان في »الرومانثيرو الاسباني«. فتجيبه غرناطة:»اني ذات بعل، يا دون خوان/ متزوجة ولست بأرملة/ والعربي الذي يملكني/ يحبّني حبّا عظيما«

بعد زيارة طويلة لقصر الحمراء والحدائق التي تحفّ به وترقي صعودا الى اعلى التلّة المسمّاة generalife التي أُحبّ ترجمتها »جنة الريف« مع ان الدليل السياحي يقول انها »جنة العريف«، جلست وشريك الرحلة الفرنسي صامتين على درجٍ قرب بركة صغيرة، غارقين في التأمل. يمرّ بنا السيّاح يحدقّون في ادلّتهم السياحية والخرائط. ثمة خاصة مشتركة بين السيّاح. يحتاجون دوما الى التأكد من ان الواقع الذي يعاينون يتطابق والخريطة او الدليل السياحي بين يديه. فكأن موقعا اثريا، او نصبا تذكاريا، او لوحة او تمثالا لا وجود له في الواقع الا اذا وجد في الدليل او كان مرسوما على الخريطة!

يدور حولي السيّاح وانا لا ازال مُطرِقاً ساهماً أدوِّن على دفتري محاولة في تعريف غرناطة:

غرناطة، هندسة الظل

ورمّـانة الغجر

نرجسة الماء

ونَقْش الروح على حجر…

فجأة اكتشفت ما جعل هذه الزيارة الى غرناطة مناسبة جدّ مميزة: ما من زيارة اخرى غير هذه الزيارة كانت لتتلاءم وفترة ما بعد حرب الخليج الثانية. كان على المرء ان يشعر انه ينتمي الى شعب حقق انجازات حضارية من مثل تلك الانجازات الاندلسية لكي يحتمل الضربة الالكترونية- الدموية الكارثية التي تلقيناها في تلك الحرب.

كيفما نظرت الى تحت من على تلك التلة المحصنة ترى »حيّ البيّاسين«. أترجم العبارة لرفيقي: »البائسين«. اية علاقة غريبة بين قصر الحمراء وحي البائسين. القصر وجنة الريف هما الجنّة كما يتصورها العرب. لم يكن على سكان القصر غير القاء نظرة الى سفح التلّة ليتأكدوا من انهم يعيشون في جنّة النعيم. وعكسا، ما عليك غير ان تقتعد كرسيا في احد المقاهي التي تحاذي النهر الذي يجري عند سفح تلك التلة لتنبهر بروع وعظمة القصر. من حيّهم المتواضع كان البائسون الاندلسيون يتصورون ان ما يشاهدونه مهيمنا عليهم من ذاك العلو الشاهق انما هو جنة النعيم اياها التي وعدوا بها، تجري من تحتها الانهار وتحفّ بها الاشجار. على انها جنة متوارية ومحتجبة خلف الاسوار الجبارة والقلاع المنيعة والاشجار الباسقة. وغرناطة ذات النارنج والعرعر والريحان والورد والرماّن هي الجنّة الموعودة والمحرّمة في آن معا. حاضرة ابدا ولكنها محتجبة دوما مثل إرم ذات العماد. والآن افهم ماذا عناه لوركا عندما انشد:

»غرناطة تنضح بلغز

لغز ما يستحيل وجوده

وهو، رغم ذلك، موجود«

ولغز غرناطة هو انها تستحضر الجنة على الارض. لذا اطلق الشاعر الاسباني الشهيد على غرناطة لقب »جنّة العربي المفقودة«.

قصة فقدان تلك الجنة معروفة. ولكن ما هو غير معروف كثيرا ان البائسين كانوا يثورون عندما لا يعودوا يطيقون مفارقة العيش »تحت« فيما الآخرون يعيشون »فوق«. وكانت آخر ثوراتهم تلك التي اعلنوها ضد ابي عبد الله، آخر ملوك اسبانيا العربية. فإنكفأ في اعلى القصرالى ان اخمد الجُند الثورة بالحديد والنار. خلالذاك، كانت غرناطة تحاصرها جيوش ايزابيل وفرديناند، قادة »الريكونكويستا«، حرب الملوك الكاثوليكيين لاسترداد الاندلس من العرب. اخمد ابي عبد الله ثورة فقراء شعبه ولكنه انهزم امام الاعداء الاسبانيين. فكأن اخماد الثورة الشعبية كان الإيذان بسقوط آخر مملكة عربية في الاندلس. هذه هي قصة غرناطة، »جنة العربي المفقودة«. والعربي الذي فقد الجنة الغرناطية تسلّل من خلال احد الابواب الخلفية للقلعة يسمى »باب الغدر«. وكان يبكي »مثل النساء مجدا لم يحافط عليه كالرجال«.

كيف لي ان افلت من المقارنة بين ابو عبد الله وصدام حسين؟ وكلاهما انهزم امام الاعداء لكنه ارتكب المجازر بحق شعبه الذي ثار عليه. الفارق الوحيد هنا ان صدّام لا يملك العنصر الانثوي الذي كان لابي عبدالله. فانا اشكّ في ان صدام حسين ذرف دمعة واحدة في حياته.

ومثلما كان لا بد من المقارنة بين ابي عبد الله وبين صدام حسين، كذلك تنبغي المقارنة بين قصرين في غرناطة. القصر الذي تكلمنا عنه حتى الآن هو القصر الذي بناه الناصريون من ملوك المدينة العرب. زائر غرناطة الآن يلقى فيها قصرا آخر، هو القصر الذي ابتناه الملك الاسباني شارل الخامس في مواجهة القصر العربي احتفالا بالانتصار على اصحاب القصر من العرب المسلمين. دون مبالغة يمكن وصف قصر شارل الخامس، بأنه جريمة حرب »الريكونكويستا« المعمارية. تشعرك كُتَلُه الحجرية بأنها رابضة بكامل ثقلها على صدرك. البناء مربـّع في داخله فسحة دائرية مفتوحة الى اعلى هي الترميز المطلق للقمع والاحتواء: إذ لا مخرج من ذلك المأزق الدائري، او قُلْ: من تلك الحلقة المفرغة، الا نحو السماء. يحبسك القصر ليريك ان لا خلاص لك إلا بالملكوت السماوي.

في المقابل، تلقى القصرَ العربي عمارةً مفتوحة على كل الجهات. هو نموذج رائع لتلك الميزة العبقرية لفن العمارة العربي حيث تنهار الفواصل بين داخل وخارج. تنعطف في البناء فيفضي بك الى خارج هندسي التنظيم، اكان حديقة ام مجرى مياه. تعود الى داخل، فيردّك الى فناء داخلي تحدق به الغرف وتتوسطه بركة ماء ذات نوفرة. هنا الزواج بين القنطرة وصفحة الماء، بين الطبيعة والثقافة، بين الروح والحجر.

والمقارنة بين العمارتين هي مقارنة بين نمطين من الروحانية. تلقى في العمارة العربية روحانية المنمنمات حيث يتبارى الرقش والتزيين والكتابة في تبديد الكتلة الحجرية، الى ان ترقّ وتشفّ فكأن المادة ذاتها قد تحوّلت الى روح. الحروفية تروحِن الحجر، تتحايل على وطأته، تنحيفا وتخفيفا. العكس تماما هو ما ينتابك في القصر الاسباني حيث تبدو لك الروح اثقل من المادة وقد تجسّدت هندسيا في كتل تسحقك تحت وطأة جلاميدها المدبّبة الثقيلة.

٧

عزيزتي إتيل،

اردتُ ان اكتب لك عن زيارتي الاخيرة الى عدن وعن نضال النساء اليمنيات للحفاظ على مكاسب حصلن عليها بالتضحيات العزيزة الطويلة وقد باتت مهددة بأن تكون اولى الضحايا على مذبح الوحدة بين شطري اليمن. ولكن بينما كنت أضع رسائلي بالانكليزية إنعقد عرس الدم في قانا.

قد تكون قانا صُور هي قانا الجليل، الوارد ذكرها في الأناجيل، وقد لا تكون هي قانا الجليل. قد تكون قانا هي البلدة التي زارها السيّد المسيح وحقق فيها اولى معجزاته، وقد لا تكون البلدة التي زارها السيّد المسيح وحقق فيها معجزة. لكن الاكيد ان قانا، في ذلك الثامن عشر من نيسان ١٩٩٦ ميلادية، لم يقع فيها عرس من اي نوع. والاكيد ايضا ان قانا، في ذلك الثامن عشر من نيسان ١٩٩٦ ميلادية، لم يتحوّل فيها الماء الى خمر. في قانا، يوم الثامن عشر من نيسان ١٩٩٦ ميلادية، حدثت معجزة من نوع آخر: تحوّل فيها الدم الى…دم.

وقعتْ المجزرة نتيجة خطأ، تقول الرواية الاسرائيلية. وحدهم الاسرائيليون في هذا العالم يرتكبون »خطاء«، هكذا بالمفرد لا بالجمع وبين مزدوجين. ذلك ان ارتكاب خطاء عندهم من ثامن المستحيلات. فهم عادة ما يرتكبون »الدفاع المشروع عن النفس« او يرتكبون »الضربات الاستباقية« حتى لا يضطرون الى ارتكاب »الدفاع المشروع عن النفس« ارتكابا مباشرا. ولكن اذا صدف ان حدث ثامن المستحيلات هذا، ووقع »خطأ«، فقُل: هي معجزة قد وقعت، لا محالة.

سائر الشعوب ترتكب الاخطاء بالمفرد والجمع. لغير الاسرائيليين إرتكاب الاغتيالات والجرائم واعمال الارهاب والمجازر الجماعية وابادة الاقوام والاجناس والشعوب وصولا الى ما يسمّى الجرائم في حق الانسانية.

الحق يقال ان الاسرائيليين يقتلون على الخريطة. وهل من قتل انظف من ذلك؟ والقتل على الخريطة يفترض فيه انه لا يخطيء. فإذا ما وقع خطاء ما في القتل على الخريطة، تقع المسؤولية عن الخطأ على… الخريطة. طبعا. وهي الخريطة تتحمل المسؤولية عما ينجم عن الخطأ من »ضرر جانبي« كقتل ١٠٨ كائن بشري. وبما ان الخريطة، بمعنى ما، اسرائيلية، مع انها خريطة لمواقع في الجنوب اللبناني، إذذاك يجوز القول ان خطأ قد وقع في قراءة الخريطة.

انا عائد من قانا. كنت في عداد موكب من ممثلي الهيئات الثقافية، إنطلق نحو القرية الشهيدة بمبادرة من حبيب صادق والمجلس الثقافي للبنان الجنوبي. عاينّا معجزة الخطأ، معجزة تحوّل الدم الى دم. انشدنا النشيد الوطني بشيء من الارتباك. ووقفنا خمس دقائق صمتاً من اجل الشهداء. ثم دلفنا واحدنا تلو الآخر، كل منا يلقي وردته الحمراء على الضريح الجماعي. وفيما انا انحني لأضع وردتي الحمراء، استوقفتني صورة لمريم العذراء موضوعة فوق الضريح. لقد وضعتْ من اجل المرأة المسيحية التي قضت الى جانب المسلمين من اخوتها واخواتها من ابناء البلدة وبناتها. كنت بين آخر الذين القوا بوردتهم الحمراء على الضريح، فطلب مني مصوّر تلفزيوني ان التقط وردتي واكرر عملية القائها على الضريح ليتسنّى له تصوير اللقطة. إمتثلتُ. لست ادري لماذا. فانا عادةً لا استجيب لمثل طلبات التمثيل هذه. كنت في غفلة من امري. أفكّر في معجزة »الخطأ«.

لا ازال اتخيّل نفسي الآن اكرّر بلا نهاية حركة القاء وردتي الحمراء على الضريح الجماعي من اجل كل واحد من اطفال وشيوخ ونساء ورجال قانا. نعم، رجال قانا. لما لا نبكي الرجال ايضا؟ يقال في الحجة الذكورية اننا لا نبكي الرجال لانهم يحسنون الدفاع عن انفسهم. ولكن، اي رجل يستطيع ان يدافع عن نفسه في ازاء القنابل الانشطارية والعنقودية والحارقة والفراغية والنابالمية تتساقط على رأسه في بُرّاكية من الصفيح في مركز تابع لقوات الامم المتحدة في قانا او في اي مكان آخر من العالم؟

خرجنا صامتين من المقبرة الجماعية التي تحرسها قوات الامم المتحدة وسِرنا صامتين نحو السيارات وانا لا ازال افكّر بذاك »الخطأ« الجراحي المرعب الدقة. انفلتتْ مني هذه العبارة: يا له من »خطأ« جراحي دقيق. الى جانبي يسير جوزيف سماحة مطأطأ الرأس يتمتم: لماذا؟ لماذا؟ ثم إستدرك: يا له من سؤال سخيف!

مع المحبة،

فوّاز طرابلسي

Themes
Art & Literature
Countries
Spain Iraq Lebanon
Published In
An-Nahar
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Spain Etel Adnan Mediterranean History Cultural History Iraq Art & Literature Personal Tribute Iraq War Palestine

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.