Back to Publications
Publications Memoirs

Of a Hope With No Cure

"The Palestinians are a plague" — an Israeli officer agrees he sounds like Hitler. The siege notebooks keep writing.

عن أمل لا شفاء منه

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

دفاتر بيروت

عن أمل لا شفاء منه

فواز طرابلسي

[ إلى جنى . . ]

الثلاثاء ٢٢ حزيران

التلفزيون الجدد بالصوت والصورة.

ضابط اسرائيلي في بيدا المحتلة لمراسل الـ تايمز، اللندنية: لا يجب أن يموت الفلسطينيون. إنهم وباء. يسأله الصحفي البريطاني ما إذا كان حديثه عن الفلسطينيين يشبه حديث هتلر عن اليهود. فلا يتردّد في الإجابة: نعم، إنه يشبهه!

وفي بيدا أيضاً، أُنذرت الـ ٤٨ ساعة نزولاً على هيئة الإنقاذ المجتمعة بحضور فيليب حبيب. يجري تعليق الاجتماع بانتظار تريّث وقف جديد لإطلاق النار. الخامسة بعد الظهر:

غيّر الطيران الاسرائيلي على بيروت في قصف عشوائي وكثيف. الإعلان عن وقف جديد لإطلاق النار في السادسة مساءً، تخرقه الطائرات الاسرائيلية في قصف مركّز على الحمام العسكري والساحل ومحيط المطار والمدينة الرياضية.

انفجار سيارة في شارع الوحدة الوطنية، في منطقة فردان. حادثة لها دلالة الرمز.

لكنه رمز بئس البحث.

يا لهذا الوطن المفشّخ!

ثلث ساعة بعد منتصف الليل: الهدوء يخيّم على بيروت. وحده طبل المسحراتي يخرق وقف اطلاق النار.

خليل حاوي

دائهم لن يقولوا كانت الأزمة رديئة
بل سيقولون: لماذا صمت الشعراء؟

هكذا برتولد بريشت العام ١٩٣٨، خلال الايام السوداء التي أعقبت انتصار النازية.

في المانيا

منذ أيام، أعلن خليل حاوي، بطريقته الخاصة، رفضه التزام الصمت. دوّى صوته طلقة من بندقية صيد وجّهها إلى رأسه. وحيداً، في شقته برأس بيروت، أخذ شاعر ونهر الرماد حياته بيده.

هكذا إختار خليل حاوي أن يسيطر على موته. هكذا إختار أن يقول انفجاره الغائب الأخير على موت الأحلام الكبيرة لجيله، التي اغتالتها الأزمنة العربية الرديئة قبل أن تهرسها الدبابات الاسرائيلية الزاحفة على بيروت.

كان يذكّرك بـ «معلم عمار» أو بنقّاب حجارة، ذاك الريفي الذي يبدو موته كأنه نازل لتوّه من شهور الشوير. وكنت لا تنفك تدهش كيف لوجهه المنحوت من صخر، كيف لملامح الكبرياء، أن تظل ترشح بعسل الطيبة والحساسية المفرطة.

والشاعر أردى نفسه قتيلة بالسلاح المستخدم لقتل طيور الجبل. بالكاد اكترثت الموته وسط هذه المذبحة. والصحف أوردت النبأ بأسطر مقتضبة.

أما خليل حاوي، فأراد موته تحقيقاً لشعره… مذ أضلعه جسراً في انتظار العابرين من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق البرق الجديد، وأورمانا بلمته: أن تعمل على تحقيق العبور الكبير.

السبت ٣ تموز

أوري أفنيري في بيروت الغربية، الاجراء مقابلة صحفية مع ياسر عمار. ريشار تحرير «هاعولام هازيه» الاسرائيلية يتحدث عن الصدمة الكبرى داخل اسرائيل بعد اكتشاف الشعب الفلسطيني المقاتل. جواباً على السؤال الأكثر إلحاحاً الآن: يدخلون الى بيروت أو لا يدخلون؟ يقول أفنيري أن التردد كبير في تل أبيب حول هذا الأمر لسببين: للخسائر الكبيرة المتوقعة (تقديرات أريئل شارون أن الجيش الاسرائيلي سيدفع ٦٠٠ قتيل من جنوده على الأقل ثمناً لاحتلال بيروت) وأيضاً للشعور بأن تصفية منظمة التحرير الفلسطينية لن يصفي القضية الفلسطينية.

تقدير على مسؤولية صاحبه. ومن بعض يزيد.

وسأل أفنيري أبا عمار: إلى أين أنت ذاهب بعد بيروت؟ فأجابه ببساطة: … …إلى فلسطين! أنت عائد هذا المساء إلى تل أبيب. فمن قال لك أنت أحق مني بفلسطين؟ فإتكتم أفنيري.

والح الصحفي الاسرائيلي على سؤال آخر: أنتم متهمون بالرغبة في رمي اليهود في البحر، فما هو جوابك؟

في انتظار قراءة جواب رئيس م. ت. ف، لا شك في أن السؤال ينطوي على قدر من بأس به من الصفاقة، وإن يكن في مقدور أفنيري أن يزعم أن ناقل الكفر ليس بكافر. لكنه كفر مع ذلك. الشعب الفلسطيني يُرمى حيّاً إلى الصحراء، والصحراء العربية تبحث هل تستقبل بقاياه أو لا وهو المتهم بالعنصرية. وياسر عرفات يجري الاتصالات لاستئجار جزيرة يونانية يُنقل إليها المقاتلون، وهو المطالب ببراءة نفسه من التهمة في رمي اليهود في البحر.

تمسّا لك، أيها العربي الشقي!

لا حيلة عليك أن تدفع من دمك ثمن تصريح واحد لأحد زعمائك وقد قرّر له بالتمرجل. وليس من يحاسب على المجازر المرتكبة بحقك.

أنت الذي نثر العنصرية لحقتك من على رمال سيناء إلى جدران بيروت. وأنت أنت المتهم بالعنصرية.

أنت الجنس البائد. وأنت المتّهم بإبادة الأجناس.

ومهما حاولت، ستبقى جزّار النوايا، ولو أضحيت أشلاء مجزرة.

من يصدّق أنك الضحية؟ من يصدّق؟ من؟

وتلفّت قريباً…

حكّامك، بائعو الأوطان، سماسرة العلاقات العامة، خبراء الإعلام وتسويق القضايا، مستطلعوا الرأي العام، كلهم يقولون لك أن الغرب مضلّل وتائه عن مصالحه الحقيقية. وتصدّق. أربعين، خمسين عاماً وأنت تصدّق. ويقولون لك: انتبه بالقرب، يتفهّمك ويرائيك. وتنتبه، أيها الشقي، كم تنتبه!

وتجرّبها كلها: المراقض والبلوجيتز.

الوفود وأفلام الفيديو.

المقررات الدولية ومستحضرات التجميل.

حقوق الإنسان وحقائب السمسونيت.

الكركا كولا وكري الشعر.

اللوبي ولولب منع الحمّل.

معامل تحلية المياه ومرارة الخلافات…

الدعارة.

تجرّبها كلها: تتكلّم لخاتهم بلا لكنة. فيقولون لك: عُدّ إلى البداوة.

وتفتح لهم مكاتب الإعلام والعلاقات العامة. فيفتحون لك مرابع القمار وبيوت الدعارة.

مهما فعلت، تبقى متأخراً عن زمانهم.

وتبقى اللعنة تطاردك. حلال للفرنسي أن يمارس العنصرية ضد الألماني، أن يعتبر الصلح معه خيانة، أن يبتكر كل مفردات التمييز في لغته لنعته، أن يدغم بين نازي وألماني والعكس بالعكس. أما أنت فزلّة لسان واحدة عن اليهود وتُصاب بإبادة الأجناس!

وخجلاً، واعتذاراً أو يأساً، ترفع سلاحك. فإذا أنت الإرهاب الدولي.

سكّين العبري في بطنك. وأنت الجلاد.

هم ذبحوا ستة ملايين يهودي ورموا بقاياهم في بحرك وبلدك. وأنت أنت المتهم برمي اليهود في البحر.

تمسّا لك، أيها الشقي.

وحروبك دوماً عدوانية. إبادية. قذرة. وتنهزم. وحروبهم دوماً دفاعية. إنسانية نظيفة. وينتصرون.

ويأتي من يقول لك: بادل نفطك بذلاً. وتصدّق. وتسلّم نفطك.

فيأخذون نفطك ويقولون لك: إعتدل. وتعتدل.

ويأخذون اعتدالك يقولون لك: إعترف! إعترف! بعدوّك. تنل حقوقك. وتكاد أن تصدّق. وأشدّهم تطرّفاً يجد لك المبرّر: الاعتراف المتبادل! وتُبدي استعدادك للمبادلة.

فيأخذون استعدادك ويقولون لك: الآن اعترف أنت أولاً. وعدوّك يرفض الاعتراف بإنتمائك إلى الجنس البشري!

لا تصدّق، أيها الشقي.

أنت ضحية بساطتك ونفطك!

إنهم لا يريدون غير قهرك ونفطك!

لعنة لك، ليس إلا. وما أنت عندهم إلا المشبوه الدائم.

يا أعجب المخلوقات!

أيها الضحية المتّهمة والجثة المجرمة.

لمرة واحدة لا تصدّق.

خُذْ قضيتك بيدك. لمرة واحدة: إعتمد على نفسك وسلاحك.

وقاوم.

قاوم. ولو من أجل انتزاع الاعتراف بحقك في أن تكون الضحية… مجرد الضحية.

ثم ترى بالنسبة لباقي مظالمك واهدافك.

الأحد ٤ تموز

١٠٠ ألف متظاهر في تل أبيب ضد الحرب في لبنان يطالبون باستقالة بيغن وشارون.

اسرائيل تشنّ عليك الحرب واسرائيل تتظاهر ضد حربها. والاسرائيلي يقتلك والاسرائيلي هو الذي يمشي في جنازتك. وتكاد أن تعجب بديمقراطية عدوّك.

والعرب صامتون.

أقسى من الحصار. أوجع من صراخ الأطفال ومن أنين الجرحى. أفظع من مناظر الجثث والدمار. وأفتل من قصف الفنابل… وأعلى دويّاً هذا الصمت العربي. وإذا نطق، فكفرٌ: أبو عمار يتسلّم رسالة من حاكم عربي تحثّ المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية على «الانتحار ولا العار».

الانتحار؟ شرفاكم. أما العار، فليكم جميعاً.

كفى تحريفاً عن مسؤولية الحكّام والأنظمة! أين هي حركة التحرر الوطني العربية وأرزتها المدلّلة؟ والسؤال الكبير: لماذا لا تتحرك الجماهير العربية؟؟

الأربعاء ٢٨ تموز

على الفيديو، الحلقة الأخيرة من فيلم «عمر المختار»: المختار يقع في الأسر. قائد الحملة الإيطالية يحاول إقناعه بالقبول، ورسالة بيده من رجاله ومعاشاً تقاعدياً مغرياً. يسأله عمر المختار: «وأنا: ماذا أقدّم لك من المقابل؟ تعاوني؟ نحن قوم لا نستسلم. ننتصر أو نموت!».

الجمعة ٣٠ تموز

فرقة اسرائيلية أحتلت محطة ضخّ المياه في الأشرفية منذ أسبوعين. وقطعت المياه عن بيروت الغربية. صارت قساطل المياه بين بيروت الشرقية والغربية تمرّ عبر الشرق والغرب.

وساطات ومداخلات ومساعٍ عربية ودولية لدى واشنطن وتل أبيب للإفراج عن المياه المسروقة.

فيليب حبيب يقول: إني أشتغل سمكرياً هذه الأيام. وسمكري بالفعل هو. ولكن على طريقة بعض سمكرية بلادنا: يفصّل بيكر المياه أو يخرّب لك قسطلاً عن قصد، كي تستعيه. فيعمّلك من كيسك.

لقد أحسن الأميركيون الاختيار. أرسلوا إليك دبلوماسياً من أحفاد باعة الكشّة بتشاطر عليك، أيها اللبناني الشاطر، ويضحك على ذقنك!

ياسر عرفات يتساءل: هل المطلوب خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت أم ذبحهم فيها؟ وفيليب حبيب بعد ورقة العمل اللبنانية حول جدولة الانسحاب.

والعرب يستقدمون بشير الجميّل إلى قمة الطائف، في الوقت الذي يجابه ترشيحه مصاعب فعلية في المجلس النيابي. طبعاً، سوف يقال لنا أن المقصود استيعاب «قائد القوات اللبنانية» وإقناعه بالاعتدال. وسوف يحاولون إقناعنا بأن عدم اجتماع بشير الجميّل بالملوك والرؤساء شخصياً يشكل في حدّ ذاته انتصاراً كبيراً لقضيتنا.

تكبّك!

والطائف مذكّر طائفة. والطائفي – أي المشارك في قمة الطائف – تذكير للطائفية. في شُماخ هذا الذي يجري؟!

الرجل الصامد في بيروت الغربية تسكنه هذه الخاطرة: أنه يتزوّج مع طفلته الوحيدة في مدينة بلا حرب.

خاطرة قادرة على زحزحة الجبال.

كيف تُرجّم أصوات الغابة بغناء فيروز… ظلّك موّال مقاومة الحصار!

الأربعاء ٤ آب

… وأنّي أطارد فلول الجيش الهتلري في برلين المحاصرة – من رسالة مناحيم بيغن إلى رونالد ريغان تعليقاً على هذا اليوم الفظيع. تختصر هذه العبارة كل قصة هذا الفيلم الأمريكي-الاسرائيلي الطويل… الطويل… الذي يدخل أسبوع العرض التاسع.

راعي بقر مهووس بمطاردة الهنود الحمر وقد لبسوا لبس «الإرهاب الدولي»، وإرهابي بولوني يريد بيروت «ديكوراً» لفيلم عجز عن تمثيله في الحياة الحقيقية، يتشاركان على إنتاج وإخراج هذا الفيلم الذي هو حلم العمر لأي مخرج وأي ممثل – فيلم «السينما-الحقيقة». ساعد في الإخراج: فيليب حبيب. البطولة لأريئل شارون. الإنتاج الهوليوودي الضخم تم بمشاركة أموال نفطية عربية. وتحذيراً: كل شبه بين شخصيات هذا الفيلم وبين أشخاص حقيقيين مقصود، مقصود، مقصود!

إذاً ينبغي على بيروت ١٩٨٢ أن تتشبّه ببرلين الأربعينات. وينبغي على المقاتلين اللبنانيين والفلسطينيين أن يتحوّلوا إلى كومبارس، من الضبّاط والجنود النازيين. وينبغي على أهالي بيروت أن يرتدوا أزياء العهد الهتلري. وينبغي أن تُسلّط على هذه المدينة آلة الدمار الاسرائيلية made in u.s.a لكي تنجح هذه السينما-الحقيقة.

والحال أن كل قصتنا نحن العرب، مع الصهيونية والغرب في هذه القصة: الضحية تمثّل في ضحيّتها، كل ما تعرّضت له على يد جلّادها. هنا تكمن لعبة الاستبدال التاريخي المقيتة والمميتة هذه. ونحن أمام حالة فريدة من نقل الذنب. ذلك التوازن الأخلاقي للصهيونية لا يستوي إلا إذا تحوّلت ضحية الصهيونية إلى سفّاح فيتحوّل السفّاح الصهيوني بدوره إلى ضحية. والضحية تقتل ضحيّتها مرتين: تقتلها وترفض الاعتراف بأنها ضحية. والتمثيل بجثة هذه الضحية يكاد أن يكون كل «التمثيل» الذي يحويه هذا الفيلم. فهل من تمثيل بجثة أفظع من حرمانها، الحقّ، في أن تكون ضحية؟!

وبعد هذا كله، هل يُستبعد أن يكون طموح شارون أن يصل بجيشه إلى قيادة أركان المخرّبين، ليرفع على أنقاضها علم الدولة العبرية؟ أليست هذه هي النهاية الظفراوية المناسبة لهذا الفيلم الإيديولوجي المكروب؟ أليس هذا هو المشهد الذي حُرِم شارون وأقرانه من زعماء الصهيونية من تمثيله في اللحظة الحقيقية، فكان لا بدّ من إعادة تمثيل المشهد التاريخي على هواهم؟ فيحلّ شارون محلّ الضابط السوفياتي الذي حرّر برلين. وتحلّ إبادية متخلخلة من صبرا أو الفاكهاني محلّ مبنى الرايشتاغ؟!

ثم أليست هذه هي الأمبريالية؟ يتطهّرون من الذنب بالاستبدال: كي «يتطهّر» الغرب من عقدة ذنبه تجاه اليهود. أليست المستعمرات الأوروبية هي التي تقيء فيها الحضارة الغربية كل ما لا تستطيع هضمه، من السلع البضاعوية إلى الفائض البشري وإلى الغابات النووية؟!

وتلك هي «حضارة المكّة» بالأفلام والتلفزيون والأنتينات وأجهزة الإعلام السمعية-البصرية الأخرى والأقمار الصناعية وكل هذا الحشد من المستجدات القائمة على اللصلصة والخداع! ويجري تصوير هذه السينما-الحقيقة، وتُعرض أفلام الفيديو. ومساءً، خلال عضّة من دجاج أو «بفتيك»، مع البطاطا المقلية، أو من «الهامبرغر» مع «الكيتشاب». هناك من سوف يتفرّج على جثثنا كعورات فاغرة. هناك من سوف يختلط لديه الروع بشعور الاطمئنان لأن كل هذه البشاعات تحدث بعيداً… بعيداً عن تلك الحواضر الآمنة. وقطعاً سوف يتأثر الكثيرون، ويرجّ وتر الشعور بالذنب لدى العديدين. فبعض التفريج عن هذا الذنب لإراحة الضمائر المكتئبة. ولكن، بأي ثمن من لحمنا ودمنا؟!

ومن ثم إلى يوم عمل آخر وإلى ترقّب لبرامج وأفلام أخرى.. لمذابح وفظائع أبشع وأبشع في أنحاء أخرى من العالم. فمجتمع الاستهلاك لا بدّ أن يُدهش ويُدشّ باستمرار. ومستهلكوه يتطلّبون المزيد والمزيد من الصدمات والفظائع والغرائب، ولا يتورّعون.

كم هي واسعة ذمّتك أيها العالم الأول!

وأنت يا أعجب المخلوقات،

أيها الضحية المتّهمة، والجثة المجرّدة،

ناضِل ليعترفوا لك بمكان تحت الشمس بصفتك مجرد ضحية!

الخميس ٥ آب

بيروت عاصمة الألم. بيروت عاصمة الأمل.

العنوان الرئيسي في «السفير» عن يوم أمس:

«بيروت تحترق ولا ترفع الأعلام البيضاء!». وناجي العلي، الخارج لتوّه من تحت أنقاض مخيم عين الحلوة، يقدّم هذه اللوحة: «حنظلة» بالكونيّة يقدّم وردة للعروس بيروت التي تطلّ من خلف الدمار: «صباح الخير، يا بيروت».

عندما يختلط عليك الأمر، فتحسب قمر آب قنبلة تنوير، فأنت تحت الحصار، يا صديقي.

الجمعة ٦ آب

ستون يوماً وفقراء بيروت الغربية يموتون. وإذاعة حزب الكتائب تبثّ بهجة الإعلانات: كازينو الصومعة في حراجل. معظم الكتّاب في فتّقنة. عرق أبو عقل الذي يحوز على ثقتكم. فرشاة أسنان الدكتور ويست. عرق فتوش وأبو رعد الذي من عمر الأرز العالي. الأمم يا ركز للحرير الثالث. «هو ما بيمشن دائماً عالطول، وطعم العرق الأصيل في عرق المزارع، المعتّق بحنّوابي الفخّار.»

يا فقراء بيروت، متى يأتي ملكوتكم لتكون لكم إذاعتكم؟

وكانت إذاعة حزب الكتائب تبثّ إعلاناتها: «إسهر في الضبيّة كأنّك في اليونان»، عندما ظهرت طائرة فانتوم فجأة في سماء بيروت. أغارت وقصفت. ومع أن صوت الانفجار كان مكتوماً، فقد كان الهدف قريباً جداً. وبعد دقائق، يأتي الخبر: بناية عكر، قبالة حديقة الصنائع، انهارت على من فيها. مئات القتلى والجرحى. أكثريّة سكّان (وضحايا) البناية من مهجّري مخيم الضبيّة الذي اجتاحته القوات الكتائبية عام ١٩٧٦، وهجّرت سكّانه الفلسطينيين المسيحيين إلى بيروت الغربية.

وكل هذا، أيها السادة، لكي تستطيعوا السهر في الضبيّة وكأنكم في اليونان!

وتعلّمنا الإذاعات أن القنبلة العنيّة هذه تسمّى القنبلة الفراغية. وهي تُرمى على أساسات البناية فتحدث فراغاً يؤدّي إلى انهيار البناية. شكراً للمعلومات.

الفضول يدفعك تحو البناية المدمّرة… كانت بناية. والآن كومة ركام. جرّاف لا تزال تحاول إنقاذ من بقي حياً في الملجأ. وبعد ثوانٍ من مغادرة المشهد، سيّارة مفخّخة تنفجر عند مدخل وزارة الإعلام على بعد أمتار قليلة من البناية المدمّرة. مزيد من القتلى والجرحى بين مهجّري حديقة الصنائع وعمّال الإنقاذ وأهالي المنطقة.

وتعود للبحث في مخيّم الحمراء عن الشاعر المصري الصديق ليقرأ لك أشعار «العشق زمن الحرب».

آخر مبتكرات القتل الاسرائيلي: قنص الأفراد بواسطة طائرات الفانتوم. الرجل الذي تطارده طائرات الفانتوم ظلّ يتجوّل أربع ساعات في سيّارته تحت القصف والمطاردة. كي يوفّر على بناية وسكّانها قنبلة «فراغية» جديدة من صنع أمريكي.

قنص الأفراد بطائرات الفانتوم! هل من دليل أكبر على جبن جيش العدو؟ هل من دليل أكبر على قوة ذاك الرجل والرجال الذين معه؟

الرجل الذي تطارده طائرات الفانتوم ثَرّ علينا أيضاً.

حُرٌّ ومقوى ومنوثب كالنمر الجريح… والمطاردة تزيده قوّةً وقوّة.

الاثنين ٩ آب

بدأ البحث في تعيين البديل:

اليوم عندي بدأ برسالة من البيت:

«… كانت هذه المدينة تبدو لي دوماً وكأنها جسد. جسد ضخم تدبّ فيه الحياة رويداً بطيئاً. وقلب هذه المدينة بوامل خطّاته رغم كل شيء بصوت أصمّ. وهذا القلب هو بيتنا في حيّ الصغير الأخضر. وقد بتّ متعلقة به أكثر من أي شيء آخر.»

في حيّ الصغير الأخضر.

جار الطابق الأول عازب في الخامس والعشرين من عمره يعيش مع أمّه المريضة المقعدة وخادمتين مصريتين. يعمل في الترجمة الحرّة ولا يتعاطى السياسة، حسب تعبيره. يقضي القسط الأوفر من يومه بحثاً عن خضار طازجة لأمّه. ومع اشتداد الحصار، تطول دورته اليومية وتزداد المصاعب أمامه.

جار الطابق الأول طرق بابي هذا اليوم، يطلب زجاجات مياه معدنية. يخبرني همومه في البحث عن الخضار اليومية. بقي لنا صندوق واحد من هذه الكمالية الثمينة: نتقاسمه.

قبل أن يغادر:

ـ عندما تركنا فلسطين، قالوا لنا: أسبوعين أو ثلاثة وتعودون. مضى علينا ٣٤ سنة. والآن، ماذا ستفعل؟ وأنا إذا أجبيه جار الطابق الأول؟

في حيّنا الصغير الأخضر…

البناية باتت فارغة إلا من شقّتين أو ثلاث. غادر جار الطابق الخامس. كان يصرّ على البقاء في هذه العاصمة وهو المهندس غير اللبناني، مع أن شغله خارج لبنان، ومع أن زملاء وأصدقاء اللبنانيين، وعدد منهم ملتزم في أحزاب اليسار، غادروا منذ أسابيع. وكان يعتبر بقاءه واجباً قومياً. وحدّاً أدنى من المشاركة لهذا الشعب في صموده: «حالي من حالة الناس».

يقول بعناد. وغادر على مضض بعد أن ساءت صحة زوجته.

وغادر الجار المهندس وترك لي عصائير في أقفاص وتصميماً لنصب تذكاري تخليداً لمعركة مثلث خلدة. على ضوء الشموع وقناديل الغاز ساهم الجار بقسطه في مقاومة هذه المدينة. النصب كناية عن متنزّه من المدرّجات المحاطة بالخضرة والمياه، ترتقي إلى شعلة الذكرى في مواجهة البحر. وإلى اليمين بركة الشهداء.

والمدرّج سقف لطابق تحت الأرض يحوي بهاءً كبيراً وقاعات للاحتفالات والمعارض وأنفاقاً تستعيد بالصوت والصورة مشاهد معركة المثلث. وأحد هذه الأنفاق، نفق طويل يقود إلى قاعتين مطليّتين بالأبيض، وسط الواحدة خوذة ميقيونية ووسط الثانية رشاش كلاشنيكوف معطوب: قاعتان لتكريم مقاتلي الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية.

من يحقّق حلم الجار المهندس في تخليد ذكرى معركة مثلث خلدة؟ من يبدّ تصميمه؟ ومتى؟

وفي الانتظار، يكتب من بعد حزقاً: «أنا أهيم في شارع مدينة خليجية. وبيروت تهتم.»

الثلاثاء ١٠ آب

بيروت بلا ماء.

على المعابر، يصادرون زجاجات المياه والسوائل ولو كانت رضّاعات الأطفال. ممنوع أن تتسرّب قطرة ماء واحدة إلى هذه العاصمة المحترقة بالقنابل والظمأ. لأسبوع واحد أعادوا ضخّ المياه، بأمر من واشنطن وتل أبيب. ثم عادوا فقطعوها. لمزيد من القهر. مئات الآبار تُنضب. والمياه صارت مالحة.

بيروت بلا غذاء.

على المعابر، يصادرون المواد الغذائية، حتى السندويشات. الخبز أسود نادر. الطوابير طويلة وكثيفة أمام الأفران. عائلات عديدة لجأت إلى أساليب مقاومة حصار ١٩٧٦: الخبز على الصاج في البيت. ومن أسابيع نسينا الخضار والفواكه. ولعل العدو نسي أن هذا هو الحصار الثاني الذي تقاومه بيروت.

بيروت بلا دواء.

على المعابر، منعوا سيارات الصليب الأحمر من نقل وحدات الدم إلى بيروت الغربية. معظم المستشفيات والمستوصفات أُصيبت خلال القصف. غادرت أكثرية الأطباء. مستشفى الجامعة الأمريكية وحده لم يُصَب حتى الآن. لكنه يشكو نقصاً في كل شيء. ولا يستقبل إلا الحالات الطارئة. يجري إفراغ خزّانات المازوت في البيوت لمدّ مولّدات الكهرباء بالوقود. معلومات عن إصابات بالتيفوئيد والكوليرا. بدأ الحصار يدخل في جلد أهالي بيروت الغربية. ووحدها الجرذان في صحة جيدة.

بيروت بلا كهرباء.

لكن الناس اعتادت على ليالي الشموع وقناديل الغاز. أقمارنا قابل التنوير. ونجومنا الرصاص الخطّاط. وعندما يُسأل الناس: ألستم مسرورين لأنهم وعدوا بإعادة التيار الكهربائي؟ يجيبون: لا نريدهم ولا نريد كهرباءهم! وبدلاً من عودة التيار الكهربائي، قطعت خطوط الهاتف.

تلك المساء:

نسير متعرّجاً في زقاق ترابي مظلم بين عائشة بكّار وكركول الدروز. على ضوء «أنتريك»، تتحاشى البِرَك الصغيرة من مياه تمبنة مهدورة. ومن أكوام النفايات، ينبعث نور شاحب ودخان كثيف.

المدينة صامتة. وكأنك تستطيع أن تسمع أهلها النيّام، في هذا الحرّ الثقيل. وفيما أن تلج الشارع الخاوي، فجأة يزكم أنفك عبق الياسمين العنيف والثاقب.

تستوقفك للحظة هذه الصدمة المعطّرة. ثم تواصل السير ودوّار خفيف من النشوة يلفّ رأسك.

بيروت الياسمين… أحبّك.

الأربعاء ١١ آب

في هذا الصباح الرطب، قبل أن يشتدّ قيظ الشمس على بيروت، شجرة الجمّيز قبالة النافذة تتمايل مع نسمات نادرة. فوق سطح بيت متواضع، صبيّة تنشر الغسيل في حركات رشيقة. تنحني وتنتصب ثم ترفع ذراعيها نحو الحبل، ووجهها الحنطي يطلّ ويتوارى خلف الغسيل. وعند الكاحل، وتر القدم ضمّة سنابل نحيلة تفرع وتختفي تحت الرداء.

وعلى المِذياع، فيروز تنشد لجبران:

وطني بأيّ السلاسل
وطني الفلاحون، وطني الكرامون
وطني البنّاؤون
أرض السنابل، وطني

وفوق شجرة الجمّيز، على سطح بناية عالية، سرب من حمام بيروت يحطّ ويطير على وقع القذائف.

الخميس ١٢ آب

غارات طيران منذ السادسة صباحاً حتى الخامسة بعد الظهر.

أيوب، مواطن مجهول الهوية يكتب صبر هذه المدينة، ويزرع شوارع منطقة الحمراء بشعارات ويافطات التحدّي والصمود:

ـ بيروت أغنية من نحاس والممالك أنظمة من زجاج.
ـ صباح الخير، يا بيروت.
ـ صباح الصمود.
ـ صباح الفقراء وراء الخبز.

عصافير بيروت

أحكي لك حكاية؟

عن حكي. عن شكي. عن بكي.

عن دبس شديد بعليكي.

في يوم قرّر جاري أن يسافر. وقلّل ما يبدّني: أعطاني مفتاح بيته وقال لي: أهتمّ فيه. وباليت كان في خمس عصافير بالأقفاص.

قلت لجاري: شو بدنا نعمل بالعصافير؟ حرب وضرب وما في عيي… ومين عنده وقت يهتمّ فيهم؟

… وقعدنا نفكّر.

وبتعرفي أنا ما بحبّ العصافير يكونوا بالأقفاص. بحبّهم على الشجرة عم يغنّوا. ولمّا ألك اشترت لك قفص حلو، ما قبلت تحطّوا فيه عصفور.

بالأوّل، فكّرنا نفتح الأقفاص ونخلّي العصافير تطير. أحلى فكرة. لكن عندنا غيّرنا رأينا. قال لي جاري:

ـ هيدي العصافير غبيّة. ما في منها بلبلان. ومن كتر ما اتحبّست بالأقفاص ما عاد تعرف تطير. ولا بتعرف تفتّش على الأكل لوحدها. ولا هي تقدر تخاوي العصافير البرّية على الشجر. وإذا فتحنا لها الأقفاص، يوم يومين أو ثلاثة وتموت.

ـ بس، مش حرام تظلّ محبوسي بالأقفاص؟

قرّرنا نخلّي العصافير بالأقفاص ونهتمّ فيها. على الأقل، تكون محبوسة ولا تموت.

وصرت كل يوم أطلع على بيت جاري أتفقّد العصافير. أرمي لها القمز. وأسقيها مي. مع أنه كان في حرب، وكانت أصوات القنابل والانفجارات، ظلّت العصافير تزقزق بالأقفاص. وكانت العصافير على شجرة السرو الكبيرة حدّ البيت تردّ عليها.

ويوم، كان في ضرب كثير. والناس نزلت على السلاجي. والأولاد فزعوا. وتبطبطوا بأمّهاتهن. وفي أولاد صارت تبكي وتصرخ.

وبعد ما وقف الضرب، طلعت لبيت الجار كانت العصافير ساكتة. والعصافير البرّية على شجرة السرو عم يغنّي. ولفيت عصفور على أرض القفص. فتحت باب القفص. ما تحرّك. حركته. ما تحرّك… كان العصفور ميت. وبقى العصافير ساكتة…

وأنا حزنت كثير على العصفور اللي مات بالقفص.

حكايتي مش حلوة كثير. ولا فرحية كثير. بس هيدا اللي صار. وهيدا اللي عم يصير:

بيروت في عصافير بتموت من الحرب والضرب.

وبيروت في عصافير بتموت إذا طلعت من الأقفاص.

وبيروت في عصافير بتموت بالأقفاص لأنها ما بتحبّ الحبس.

وما نخلّيها بنُك.

خبّرتها لصحابك الصغار.

خبّرهم عن عصافير بيروت.

الجمعة ٢٠ آب

كم هو حزين هذا المساء…

الرصاص يدوّي منذ المغرب. المقاتلون يودّعون بيروت. كل على طريقته.

والكل بالرصاص. مئات منهم هائمة على وجهها في الشوارع. ارتدوا البزّات الجديدة تمهيداً للمغادرة. يطلقون النار بلا هدف. احتجاجاً، غضباً، تحسّراً، وربما أيضاً حتّى لا تقع الأخيرة في قبضة العدو.

الأحد في ٢٢ آب

اليوم الثاني للهجرة الفلسطينية.

على الغداء عند الصديق الرسّام. كان مستغرقاً في سالياته عن الطبيعة عندما دهمت الحرب. قصمت ألوانه، وهو سيّد من استخدم الضوء والنور. وتكسّرت خطوطه. وطيرته الأسطوري الزاهي الألوان، صار أشبه بغراب. وانقلب على ظهره.

مقابل المرسم شقّة يسكنها مهجّرون. (لبنانيون أم فلسطينيون؟ من يستطيع أن يميّز؟ جنوبيون، بقاعيون، من يدري؟ وما هُم؟). لم لا تتجاوز الثمانية عشرة من العمر، ذات ثوب أصفر تلاعب طفلتها: الجمال الهادئ، الثقة بالنفس التي تفصح عنها ملامح الوجه، القامة الممشوقة والبطن المكوّرة العامرة.

الحرب تزيد نساءنا جمالاً. عندنا في الجنوب، تنادي المرأة زوجها: يا سكني… لعلّ إلى أن تنعكس الآية. في وطن المحرومين من أرضهم والمحرومين في أرضهم، في وطن المهاجرين والمهجّرين، المرأة هي السكن. والمرأة هي الوطن…

ومن مرسم الصديق الرسّام إلى فندق الصديق الشاعر:

ـ وماذا فعلت يوم الأمس؟
ـ لا شيء. جلست في غرفتي وبكيت.
ـ لا يريد أن يغادر مع المقاتلين.
ـ أنا شاعر. لست مقاتلاً…
ـ ويسألك: وأنت ماذا ستفعل؟ هل ستغادر أيضاً؟
ـ ولماذا أغادر؟ هذا بلدي. وأنا باقٍ…
ـ تنزلون وتحت الأرض؟
ـ الأرجح. هذا ما تعد له من أسابيع…

وفي حلقة من الأصدقاء: من يجائر؟ ومن بيقين؟ وشيلاً ولات: ماذا لو نجح في الانتخاب يوم الغد؟

الاثنين ٢٣ آب

اليوم الثالث للهجرة الفلسطينية الجديدة.

ساعة في الجامعة العربية لوداع المقاتلين. لست تندري أفي عرس أنت أم في مأتم. ألهمّ وعلى هذا الجمع الأخضر الخاكي، الموشّى بالأعلام الفلسطينية واللبنانية وبصور أبي عمّار وجورج حبش وكمال جنبلاط وماركس وإنجلز، يتهمّر العطر والأرز مثلما تتهمّر الطلقات الفارغة المتطايرة من مختلف الأسلحة.

وتخرج الشاحنات من بوابة الملعب البلدي. تشقّ طريقها بصعوبة وسط هذا الجمع الكثيف. وهذه الأمواج من الناس، تفرّقها بالأيدي المصافحة الملوّحة، المعانقة ثم تلفظها واحدة واحدة. ومع كل شاحنة تفلت من هذا الجمع، يدوّي البناء والصراخ، يدوي الانفجار العظيم لمضادات الطائرات تقفز عن الأرض مع كل رشقة، مثل حيوانات أسطورية من حديد، تبصق اللهب.

والمقاتلون الراحلون ينسلخون رويداً رويداً، عن الأيدي المصافحة، الملوّحة المعانقة… ينسلخون عن الوداعات. عن الأدعية. عن الوعود. عن العهود. ينسلخون عن القبلات.

عن هذا الركام العظيم. عن الأطفال والزوجات والحبيبات والأمّهات ينسلخون، ويسلخون معهم القلوب.

ويسيطر عليك شعور غريب. وطلقات النار تُوقِّع نبضك بوقع سحري. ويمتلكك مزيج فريد من غضب ونشوة، من حزن وفخر، من دفء وكبرياء. ويشدّ أبو… بعصبية على يدك. وتشدّ أنت بدورك على يده حتى لا تطفر الدمعة. تصافح. تحبّي. تعانق. ترفع شارات التعبير: وعندما لا تكفي، تلوّح بقبضة التصميم والغضب.

والمقاتلون الراحلون ينسلخون عن هذا الجمع ويغادرون. لم يكن لهم وطن. أتوا هنا أشبه وطن (وما استوطنوه. وما ملكوه. ولكن شُبّه لهم…) وها هم يغادرون. يحملون وطنهم معهم: في دموع النساء. في عيون الأطفال. في الحقب والحقائب. في البزّات الخاكي. في الجراح والندوب. في الجيوب. في الكوفيات والبنادق.

والمقاتلون الراحلون يحملون وطنهم ويغادرون. ويطوون هذا الوطن المؤقّت. مثلما تُطوى الخيمة. كانت بيروت «خيمتهم الوحيدة»، فصارت «خيمتهم الأخيرة».

ولكنها تبقى «نجمتهم».

والمقاتلون الراحلون يودّعون بيروت، تقول بأنطاتهم «وقبلة لبيروت»، وتودّعهم بيروت.

والمقاتلون الراحلون يحملون وطنهم على ظهورهم ويغادرون. ليس لديهم وطن فاستوطنوا الشجاعة.

وستكون الشجاعة وطنهم إلى أن يصير لهم وطن.

من توديع المقاتلين إلى مقعد أمام التلفزيون وسط جمع من الرفاق لمشاهدة وقائع جلسة انتخاب رئيس الجمهورية الجديد في الفياضيّة.

الجوّ متوتّر. والمراهنات على أشدّها. يكتمل النصاب أم لا يكتمل؟ وإذا اكتمل النصاب هل ينال الـ ٤١ صوتاً الضرورية لفوزه، أم لا؟ المذيعان يمتنعان عن إعلان بعدد النواب الذين وصلوا. مع أن عدداً كبيراً منهم لا يزال في غرفة رئيس المجلس. ونتنقّل بين التلفزيون وإذاعتَي لبنان والكتائب بحثاً عن معلومات تشفي الغليل.

خلال الانتظار، تبادل آخر الأخبار عن الضغوط والتهديدات: محاولة اغتيال نائب بعلبك لتخفيض النصاب… استدعاء رئيس كتلة نيابية من غرفة العمليات في باريس لكي يدلي بصوته… الذين موّلوا الحملة الانتخابية وأبرز الذين فيّضوا… وأخبار النائب الذي نجح في الهرب من الشرقية إلى الغربية في آخر لحظة.

وهناك شهود زوّار (والألف قد تكون مجرد خطأ مطبعي) استقدموهم من أعرق البرلمانات الغربية، ليتحقّقوا من نزاهة عملية الاقتراع.

وفجأة يدخل عدد من النواب قيل أنهم كانوا من مقاطعي الجلسة. وبسرعة يدخل وراءهم رئيس المجلس بمشيته المتحلّية. يعلن اكتمال النصاب. ويطلب تلاوة الأحكام الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية. لا يأبه بتعداد أسماء النواب الذين حضروا ولا بإعلان اسم المرشّح الأوحد. الدورة الأولى من الاقتراع. جماعة «البرونستان» الذين لا يستطيعون الانتقال إلى صندوق الاقتراع، يُنقل الصندوق إليهم. الأنفاس محبوسة. نتيجة الدورة الأولى: أربع أوراق بيضاء وصوت واحد لصالح ريمون إده (غير المرشّح) والباقي مع…

على عجل، يعلن رئيس المجلس فوز بشير الجميّل رئيساً للجمهورية. لكن هناك من يهمس في أنه بضرورة إجراء دورة اقتراع ثانية لأن المرشّح لم ينل أكثرية الثلثين المطلوبة في الدورة الأولى.

النتيجة باتت معروفة…

أنه يوم تاريخي، بلا أدنى شك.

الغضب يختلط بالذهول. تغادر والجلبة والتساؤلات تطنّ في أذنك كقفير نحل.

الخميس ٢٦ آب

اليوم السادس للهجرة الفلسطينية الجديدة.

طفلة لبنانية قالت لأبيها: الفلسطينيون ما لهم بيت. هكذا أخبرتني أمي. الفلسطيّون لهم المراكب فقط. مراكب كثيرة في البحر. شاهدتها على التلفزيون. كل مراكب البحر للفلسطينيين.

الأربعاء ٨ أيلول

وكالة الصحافة الفرنسية تنقل عن مصدر صحي مقرّب من الأمم المتحدة أن ١٧٧٠ شخصاً قُتلوا و٣٠ ألفاً جُرحوا في المنطقة الغربية من بيروت خلال الهجمة الاسرائيلية التي بدأت في ٤ حزيران.

أبسط التقديرات هنا تتحدّث عن ١٢ ألف قتيل. على كل حال، لن نختلف مع الأمم المتحدة. لم يبقَ لنا غيرها لم نختلف معه. ستة آلاف، سبعة آلاف قتيل بيننا وبينها ليس بالأمر الخطير!

الأكثرية الساحقة من الضحايا المدنيين (٨٠٪). ويوجد بين القتلى ألف مقاتل مقابل ٥٧٥ مدنياً. وبين الجرحى ١٨٤٤ مقاتلاً من أصل ٢٩٩١٢ جريحاً مدنياً. من حيث الجنسية ٤٥,٦٪ من المقاتلين فلسطينيون و٣٧,٤٪ لبنانيون. وثلث القتلى والجرحى لا تصل أعمارهم إلى ١٥ سنة.

الشهر الماضي، أعلن مناحيم بيغن استعداده لقتل عشرة مدنيين لبنانيين وخمسة مدنيين فلسطينيين لكي يتوصّل إلى قتل فدائي فلسطيني واحد. وهكذا كان عليه أن يقتل مئة ألف من سكّان بيروت الغربية كي يقضي على الستة آلاف مقاتل فيها.

إلى الآن، قتل جيش بيغن ٥٦٧٥ مدنياً لبنانياً وفلسطينياً وجرح ثلاثين ألفاً لكي يقضي على ألف مقاتل. فهل ينبغي أن نشكر السيّد مناحيم بيغن لأنه رسب في امتحان الحساب؟

السبت ١٨ أيلول

يومي الخميس والجمعة، ارتكبت الميليشيات مجزرة مروّعة في مخيّمي صبرا وشاتيلا.

أوّل التقديرات لمراسل وكالة الصحافة الفرنسية تتحدّث عن ٣٠٠ قتيل أكثرهم من النساء والشيوخ والأطفال. مصادر أخرى تتحدّث عن ٥٠٠ وعن ١٤٠٠ ضحية. بين القضاء من ثيل لبناني، ٤٦ منهم من أسرة واحدة ـ آل المقداد.

ليل الخميس: اقتحم مسلّحون مستشفى عكا وقتلوا عشرة أطفال وثلاثة أطباء وممرّضة (بعد اغتصابها) وأربعة عمّال مصريين. عناصر من الميليشيات، يقول شهود عيان، كانوا يرتدون بزّات خاكية كالتي يستخدمها الجيش الاسرائيلي، هاجمت المخيّمين ليلاً وراحت تنسف المنازل على سكّانها. جمعت الشباب ورمتهم بالرصاص. طاردوا من حاول النجاة في الأزقة والدهاليز والملاجئ. أحرقوا البيوت وجرفوها فوق حيّابنيها. وفتحوا الجثث لزيادة عدد الإصابات. آثار طعنات سكاكين على بعض الأطفال. والمجرمون استخدموا الفؤوس. بقروا البطون ومثّلوا بالجثث بعد القتل. جمعوا الرجال في المدينة الرياضية. ونقلوا المئات إلى جهات مجهولة.

بعض الناجين من المجزرة لجأوا إلى الجنود الاسرائيليين طالبين النجدة. أجابهم الضابط: نحن لا ندخل في الشؤون الداخلية اللبنانية. الإذاعة الإسرائيلية اتّهمت «القوات اللبنانية» وحزب الكتائب بالمجزرة. وأعلنت أنها لم تدرِ بها، وأنها عملت على إخراج المسلحين من المخيّم واضطرّت إلى إطلاق النار على البعض منهم. وسعد حداد ينفي أي مسؤولية لرجاله.

شارون عن اغتيال بشير: «لقد قُتل لأنه كان يريد السلام مع اسرائيل. أن عملية الاغتيال هذه تُظهر أن النظرية القائلة أن اسرائيل يجب أن تكتفي بترتيبات أمنية مع لبنان بدل توقيع معاهدة سلام معه هي نظرية خاطئة». ويستدرك «أن العلاقات بين البلدين لا يمكن أن تعتمد على حياة شخص واحد».

ـ أنهم يقتربون. صاروا في الشارع الموازي.
ـ يجب أن تتحرّك.

وهو يتردّد في التخلّص من مسدّسه الأسود الصغير. ولا يزال يتلف بعض الأوراق والوثائق.

ويفترق الرفيقان. كلٌّ يذهب في اتجاه. وقد يكون هذا الوداع الأخير بينهما. مشياً على الأقدام في قيظ الظهيرة نحو المخبأ الجديد. بيروت خاوية وصامتة.

في الطريق، وجهاً لوجه أمام دورية اسرائيلية تعبر في وضعية قتالية، تجرّ وراءها مدفعاً رباعياً مضاداً لطائرات صادرته من أحد المستودعات.

مشهد عادي. مثل مشهد رتل لجنود العدو الاسرائيلي في قلب أية عاصمة عربية احتلّوها لتوّهم.

بيروت. يوم السبت في ٢٨ أيلول ١٩٨٢.

الأحد ١٩ أيلول

شارون: أن مجزرة ١٦-١٧ أيلول تؤكّد ضرورة بقاء الجيش الاسرائيلي في بيروت، ولولا وجوده لكانت المجزرة أعمّ وأوسع.

يقتلك ويريد عرفانك بالجميل لأن المجزرة لم تكن أشمل!

وهذا الذئب الاسرائيلي يرضع بهم من جراح الحرية الأهلية.

وافقوا على أوراق عمل فيليب حبيب التي تنصّ صراحة على حماية أمن بيروت الغربية ثم علّقوا تواقيعهم. ضغطوا من أجل الخروج السريع للمتعدّدة الجنسيات. انتظروا إلى حين دخول الجيش وانكفاء المسلّحين الوطنيين اللبنانيين، ليقتحموا بيروت. وهكذا نجح بيغن-شارون في تصوير المشهد الظفراوي الأخير في الفيلم الأمريكي-الاسرائيلي الطويل. احتلّوا مركز «قيادة أركان المخرّبين» في صبرا والفاكهاني ورفعوا عليه العلم الاسرائيلي. وهذا يستوفي انتصاراً!

نظّموا هذه «الدير ياسين» الموسّعة لتهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين. بواسطة المجزرة، جدّدوا الإمساك بمرتكبيها وصرفوا الأنظار عن مسؤوليتهم في اغتيال الرئيس المنتخب. والآن يريدون استمالة ضحايا المجزرة بحجّة حماية المسلمين من مجازر لاحقة.

الغدر بالمطلق. والجريمة كاملة!

وتحن علينا أن نحلّ هذا اللغز: أيّهما الأكثر إجراماً، المجرم الذي يُثلّ مقاومتك، أم المجرم الذي يغرس السكين في ظهرك؟ سحقاً لك، يا زمن «أفعل» التفضيل!

أنهم يقتلون الجياد… أيضاً.

تحدّق طويلاً في هذه الصورة التي تنشرها «النهار» في عدد اليوم لحصانين نافقين إلى جانب جثث القتلى في المخيّم.

مجدّداً، بيروت تتشبّه بجدرانية غرنيكا لبيكاسو. كيف لا، وغرنيكا تروي مأساة إسبانيا – الحرب الأهلية وقد غزاها الاحتلال النازي؟ غرنيكا – ١٩٣٧ حقل اختبار حيّ لأحدث المبتكرات في أسلحة القتل والدمار النازية عشية الحرب العالمية الثانية. وبيروت – ١٩٨٢ حقل اختبار حيّ لأحدث مبتكرات ترسانة القتل والدمار الأمريكية زمن الحروب الإلكترونية والثورية.

النازية والنازية الجديدة.

لقد اختار بابلو بيكاسو الحصان ليرمز إلى الشعب الإسباني ومأساته. رسمه لحظة الكبوة الأخيرة. مشيحاً برأسه إلى أعلى. ولسانه كرأس خنجر يخترق الحنجرة ليطلق صهيلة الأخير. قبل أن يتهاوى ساقطاً.

كم من اللوعة يثيرها الحصان القتيل. يثير لوعة قد لا يثيرها مشهد حيوان آخر نافق، فالحصان هو الطبيعة الحرّة. وهو الشرد والقوّة والجمال. والتفوّان في آن…

قد تألف سائر الحيوانات مفترشة الأرض. لا الحصان. لست تتصوّره إلا منتصباً، مرفوع الرأس، عاصياً، طليقاً… الحصان على الأرض هو ذروة الانهيار.

كأنما الحصان النافق يتأنّس. والذين قتلوا هذين الحصانين في صبرا أرادوا أن يقولوا شيئاً عن مجزرتهم. أرادوا أن يقولوا أنهم لا يكتفون بقتل البشر. بل هم يريدون إفناء كل ما يدبّ على الأرض في المخيّم.

أرادوا أن يقولوا أنهم لا يغتالون عدداً من الناس، بل يريدون قتل الحياة ذاتها.

حصان غرنيكا وحصان صبرا توأمان يولدان من رحم مجزرة واحدة.

Themes
Art & Literature History Politics
Countries
Palestine Lebanon
Published In
الكرمل
Author
Fawwaz Traboulsi

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.