Back to Talks & Interviews
Talks & Interviews Talks & Panels

Abdel Rahman Munif Calls for the Deluge

In "Land of Darkness," a project of alternative national modernity. From al-Bahi's testament: "The flood comes and everything becomes possible, and impossible is deleted from the dictionary."

عبد الرحمن منيف ينادي الطوفان*

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

عبد الرحمن منيف ينادي الطوفان*

فواّز طرابلسي

تعرفت الى عبد الرحمن منيف مطلع الستينات من القرن الماضي. كنت أنضممت الى حزب البعث العربي الاشتراكي خلال الدراسة في بريطانيا والاحرى الى جناح يساري داخله. وكان عبد الرحمن واحد اثنين او ثلاثة يمثلون اليسار في القيادة القومية للحزب. لعلني قابلته مرة او مرتين في تلك الفترة ١٩٦١-٦٢. واحدة اقلها في دمشق. لم اعد اذكر تفاصيل ما دار في تلك النقاشات. لكني اخمّن انها تناولت مواضيع الساعة آنذاك: إنفصال الوحدة المصرية-السورية، الموقف من النظام الناصري، موقع الاشتراكية من الاهداف القومية، والخلاف الذي نشب في الحزب خلال مؤتمره الخامس في حمص وبُعيده، وهو الزمن الذي قذف بنا نحن الاثنين خارج الحزب مع فارق سنة او سنتين بيننا.

بالرغم من ذلك، أذكر بوضوح إنطباعين. الاول، هو مبلغ دهشتي، انا القادم من مدينة مانشستر الصناعية العمالية التي لا تزال عابقة بدخان المصانع، ان اكتشف ان القائدين الرئيسيين لليسار في الحزب هما من اصول بدوية: عبد الرحمن القادم من الجزيرة العربية وفيصل حبيب خيزران، ابن شيخ قبيلة في البادية العراقية.

اما الامر الثاني فهو التعرّف الى ثقافة المقاهي في العاصمة السورية. واذكر مقهى اكثر تواضعا وإنزواء تؤمّه جماعة تسمّي نفسها «المصطِفلين»، يحيونك وتحييهم بتحية «إصطفل» قبل ان تستجلس الى طاولتك وتشرع في تصفح جريدتك. هم قومٌ لا يكتمون شيئا من السخرية تجاه الذي يؤمون المقهى من قبيل الفضول لا «الاصطِفال».

مضى نحو ربع قرن قبل ان أعود فألتقي عبد الرحمن في منفانا الباريسي المشترك في النصف الثاني من الثمانينات. يعود الفضل في وصل ما انقطع الى الصديقين الباهي محمد وطلال شرارة. سرعان ما إنتظمتْ جلساتنا الاسبوعية نمارس خلالها ألوانا مختلفة من ادب الصداقة الذي يعلّمنا اياه عبد الرحمن بذلك المزيج من النخوة والدماثة والعبوس والوفاء والخيبة والامل في آن معا. عبد الرحمن الخارج للمرة الثانية من تجربته العراقية محتجا على اضطهاد الشيوعيين وصعود صدام حسين الى قمة السلطة والحرب العراقية الايرانية. الباهي محمد البدوي المغربي المرتحل الى عاصمة الحضارة الغربية مصمما على ان لا يترك زاوية منها لا يسكتشفها ويفضّ أسرارها ويكتب عنها وعن أحوال ناسها. والمتحدث اليكم، المغادر الحروب اللبنانية، الاهلية منها والاقل أهلية، لاستئناف دراسة جامعية تساعده على ان يقيم بالأود، وقد قطع دراسته لخمس عشرة سنة خلت وتفرّغ للنشاط الحزبي.

في مقهى «الپيريغوردين» المطلّ على ضفة نهر السين، يحثّنا عبد الرحمن على «الادلاء بالشهادات وتدوين التجارب». يتابع بإلحاح لجُوج ومقادير من الاستفزاز مصير الرواية التي يكتبها الباهي التي لم نعرف منها الا العنوان – «ذاكرة الرمال». يناقشني في كتاب أعِدّه بعنوان «غيرنيكا-بيروت، جدارية لبيكاسو/مدينة عربية في الحرب» يروي للبنانيي الحروب الاهلية، والاقل اهلية، تجربة الحرب الاهلية الاسبانية من خلال النتاج الفني لعبقري التصوير في كل زمان. وكلانا، انا والباهي، نحرّض عبد الرحمن على كتابة مذكراته عن فترة نشاطه الحزبي. وهو يتمنّع.

ببطء ادركت الحكمة العميقة لمتنع عبد الرحمن منيف. فمشروعه الكتابي يقوم على قناعته العميقة بأن الادب والفن أوفر حيلة واكثر ثراءً واوسع حرية من الخطاب السياسي والفكر السياسي في التعبير عن التجربة الانسانية، والتجربة السياسية خصوصا. في هذا الجهد، الذي يسمّيه جون برجر «تصنيع التجربة»، لم يكن هاجس عبد الرحمن جماليا وحسب. كان ايضا وخصوصا هاجسَ القبض الاعمق والاقوى على العناصر التي يجري بواسطتها تشغيل واقع متحرّك ومتحول هو في المقام الاول واقع بشر حقيقيين. كثيرا ما كان عبد الرحمن يصف الاديب والفنان الناجح بأنه ذاك الذي عرف كيف يلقي القبض على موضوعه من خصيتيه!

في منزل عبد الرحمن بالضاحية الباريسية شاهدتُ لوحات مروان لاول مرة قبل ان أقرأ الدراسة الملهمة التي كان أعدّها عبد الرحمن عن صديقه الفنان العربي الكبير. لن اكفّ عن التعبير عن إعجابي غير المحدود بالادباء والفنانين الذين يستطيعون استيلاد المشاعر والصور اللامتناهية من موضوع واحد، على مدى سنوات، إن لم اقل على مدى عمر بأكمله. في الادب، أستحضرُ فوران المفردات والصور والمشاعر والمشاهد والحكايات والاساطير والاحداث واسماء النبات والزهور والامكنة عن فلسطين في شعر محمود درويش الرائع. وفي التصوير، مفردات وتحولات الوجه في فن مروان قصاب باشي. خلال زيارتي الاخيرة لمرسمه في برلين اقترحت على مروان وها انا اكرر اقتراحي: ان يصوّر عملية ولادة لوحته بالڤيديو، لأنه إذ يقدّم لنا الحصيلة النهائية للوجه الذي يصوّر، يحرمنا مما قد إستمتع هو به بمفرده، وما يشكّل اثمن واجمل ما في لوحته: تحولات الوجه قبل ان يستقرّ على حال، بل قل الوجوه المختلفة التي تناسلت من خيال مروان الخصيب باشكالها وقسماتها والوانها وظلالها وبالفراغات التي تشكّل قسماتها وتعابيرها بقدر ما تتشكل منها.

يريد البعض ان يرى في مدن الملح، خصوصا في جزئها الاول «التيه» وفي شخصية متعب الهذّال تحديدا، حنينا للعودة الى بداوة ما قبل النفط. رأيت في الرواية المحاولة الوحيدة في الادب، وفي العلوم الاجتماعية والسياسية، لسرد التحولات التي ادخلها النفط على المجتمع وقد اخذ يسلبه استقلاله والحرية ويخضعه بوحشية للاستبداد السلطوي ولمنطق السوق والربح والريوع والاستهلاك الباذخ البذيء وقطع الرؤوس وقهر المرأة.

اعترف بأن مُتعب الهذّال لازمني بما هو شبح هائم منذ قرائتي الرواية. أتخيله محلّقا فوق «وادي العيون» وحقول النفط كلما ذُكِرتْ كلمة «نفط» او خطرتْ في البال او وردت في نص او حديث. فيما انا اكتب هذه المداخلة، أردت التأكد ما إسم الرجل خشية ان اكون قداخترعت الإسم اختراعا. لسبب ما، كانت الخماسية تفتقد الى الجزء الاول على رف مكتبتي. إستقربتُ فلجأتُ الى «غوغل»: عثرت في «الغُوغل» على مُتعِبيَن الهذّال، الاول هو بطل «التيه» الشبحي. اما المتعبِ الهذّال الثاني، فإسمٌ لشيخ مشايخ قبيلة عنزة، العابرة للصحراء العربية. والخبر ان كثرة من النبذات عن متعب الهذّال الحقيقي على «غوغل» تدور مدار حادثة واحدة: اعتقال الجيش الاميركي لشيخ مشايخ عنزة في العراق العام ٢٠٠٣! لست ادري ما اذا كان عبد الرحمن، خلال كتابة الرواية، يعَلم بوجود آل الهذّال وبإسم متعِبها. مهما يكن من امر، ارى في وجود هذا القرين لبطل «التيه» ما يدل على الكيفية التي تبتكر بها الحياة سردها الروائي الخاص وتكمل الحكاية. فهل من مسار روائي اكثر توفقا وإنسجاما مع شخصية متعب الهذّال من ان يشدّ رحال ناقته الى العراق المحتل يقاوم فيه جنود الغزو الاميركي بعدما قاوم اقرانهم واسيادهم ناهبي النفط العربي؟

والامر نفسه يقال عن عمارة عبد الرحمن الاكثر نضجا في ارض السواد. لقد كان عبد الرحمن مهجوسا بالحداثة والنهضة. ولكن ليس بأي حداثة. يتنامي في اوساط متوسعة من الانتلجنسيا العربية تيار ينبذ الحداثة ويعلن سقوط التقدم، فكرة ومسارا، ويسخر من كل ما يتعلّق بالتنمية وبسيطرة العرب على مواردهم وفي المقدمة منها النفط، وصولا الى تبرير الاحتلال والاستعمار بحجة انهما حاملان للحداثة والديمقراطية والحضارة. في وجه هذا، قرأتُ في ارض السواد مشروع حداثة بديلة، حداثة وطنية، يرمز اليها داوود باشا، تقطع الطريق على الاستعمار وتحقق الوحدة وتسعى للتنمية في وجه الحداثة الكولونيالية القائمة على تحويل العراق الى سوق للسلع البريطانية وانتزاع امتيازات النفط واعادة انتاج البنى التقليدية ورسملتها لتلعب ادوراها المتجددة بما هي ادوات سلطوية وقمعية تأسر الفرد. هذه هي الحداثة الممكنة المعادية للكولونيالية التي لا نحتاج للدفاع عنها، وبلورة اوجهها المختلفة وقواها ومساراتها، الان اكثر من اي وقت مضى.

في الختام أود ان أستعيد معكم رؤيا من ِسفر عبد الرحمن «عروة الزمان الباهي» يستهشد فيها بنص من نصوص الراحل الباهي محمد.

«يأتي الطوفان فيصبح كل شيء ممكنا وُتحذف كلمة مستحيل من القاموس. نوحٌ جديد يطيح الاتكالية البليدة السائدة. رجل وامرأة تحدوهما الرغبة بالحب والانجاب والعمل. يعمّران الدنيا الجديدة حسب ذوقهما، ويملآن الارض عدلا بعد ان ملأها الناس جورا.»

أتخيلني برفقة عبد الرحمن والباهي ومعنا رجب اسماعيل، وقد خرج من السجن بعد ٢٧ سنة، ومتعب الهذّال وصبحي ومنصور وعساف وآخرين ممن «يمارسون فضيحة الحياة» والامل، نسأل صارخين: اين انت ايها الطوفان العظيم؟

—————–

* القيت في ندوة بغاليري «تجليات» بدمشق في ٨ كانون الاول الجاري بمناسبة الذكرى التكريمية الخامسة لغياب الروائي عبد الرحمن منيف، تحدث فيها حسن ياغي ومروان قصاب باشي وفيصل دراج وصونيا مايشر اتاسي. وتضمّن التكريم ايضا معرضا لاعمال الفنان التشكيلي مروان قصاب باشي ضم ١٣٠ عملا بين اغلفة كتب وسكتشات ولوحات ورسائل متبادلة من وحي صداقة مروان مع منيف.

Themes
Art & Literature
Countries
Arab World Iraq Syria
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Arabic Literature Baathism Iraq Literary Criticism Pan-arabism Personal Tribute Syria

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.