Back to Publications
Publications Memoirs

Rushdi al-Amil

The gardens are blooming, my friend — violets, roses, lilac... but they are walled. Is that enough? The permit expired before the visa. The wall collapsed on its violets.

رشدي العامل

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

رشدي العامل

جولة في تلك السنوات

فواز طرابلسي

اللّقاء بمدينةٍ للمرّة الأولى لا يُنسى عادةً. عندما زرتُ بغداد للمرّة الأولى، عام 1966، كان رشدي العامل دليلي ونديمي. كان كلّ رأسمال كاتب هذه السطور ترجمته لكتاب جون ريد “عشرة أيام هزّت العالم” ولكنّه كان مدخلاً كافياً إلى عالم مثقّفي العراق الشغوفين بكلّ جديد. حداني لزيارة بغداد فضولٌ كبيرٌ وعددٌ من الصّداقات تجمّعت من أيام الدّراسة في بيروت وإنكلترا. إضافةً إلى مهمّة التنسيق بين تنظيمين ناشئين حديثاً من تنظيمات اليسار الجديد: “لبنان الاشتراكي” و”المنظمة العمّالية الثورية”. حتى ذلك الحين، كانت صلتنا بالرّفاق العراقيين تتلخّص بالرّفيق محيي الدين، يتردّد إلى بيروت بحكم وظيفته الحكومية، ولا يعرف منها غير مقهى “الأنكل سام”، يستقلّ التاكسي من المطار إلى المقهى رأساً، يهتف لأحدنا ويلبث في مقعده إلى أن يأتي من يأخذه. كان قليل التّفصيل، كثير المبالغة، خلاصة تحليله، على مرّ الشهور والسنوات هو هو: أن الأزمة بلغت أشدّها والثورة على الأبواب. كان شاطراً فقط في المطالبة بالتبرّعات، يقول: إذا جمعتم تبرّعات بألوف الليرات ننظّم انقلاباً، أما إذا كانت التبرعات بعشرات الألوف، فنستطيع القيام بثورة.

كانت تلك زيارتي الفعليّة الوحيدة إلى العاصمة العراقيّة. بعدها سوف أزورها في وفود لا تسمح لك بأيّ تواصل لا مع المدينة ولا مع النّاس. والمدينة روائح وأذواق وبشر وصور. حضرت عاشوراء في “الكاظم” وزرت كامل الجادرجي في منزله، فحدّثني طويلاً عن إعجابه بكمال جنبلاط. باقي وقتي قضيته في المقاهي والمشارب في مواعيد ونقاشات لا تنتهي. لم يكن التّحديث البعثيّ قد مرّ على شارع أبو نواس، كانت ترصفه المقاهي الشعبيّة تسترخي فيها على المقاعد الخشبية وتحتسي أكواب الشاي المتلاحقة فيما مياه دجلة تتدافع تحت قدميك وصوت أم كلثوم ينهال من مكبّرات الصوت المثبّتة في الأعمدة. تلك الأيام، كانت فسحة من الديمقراطية تتنفّس فسها العراق بحرية أيام حكومة البزاز. في بيت قيس السامرّائي، ذقت للمرة الأولى أشهى ما يمكن أن يفطر عليه امرؤ: “”الكيمر” مع العسل. وفي الشارع، كان يطيب لي أن أتناول اللّبن العيران المنعش، وارد كردستان. قرب الفندق المتواضع حيث سكنت، كان مطعم شعبي يقدّم وجبة “تشريب” على الدّجاج. دهشت لمنظر الباصات الحمراء ذوات الطبقتين، على طراز باصات الإنكليز. وجدتها ؟؟؟؟ في مدينة مثل بغداد. تعرّفت إلى كافّة أنواع العرق العراقي: المستكي منه والزحلاوي ولم أعف من شر الـ”أبو كلبجة”، بمثل ما تعرّفتُ إلى ممثّلي كل التيارات الفكرية والأدبية وكل حساسيّات الجيل الجديد من الكتّاب والأدباء والفنانين. زرت متحف “غولينكيان” للفنّ الحديث. وفي معرض أحد الفنانين، شاهدت عاملاً يشتري لوحة فنية ويتعهّد بدفع ثمنها بالتقسيط.

وبغداد وجوهٌ لا تُنسى. هناء الشيباني موظّفة في وزارة الإصلاح الزراعي. بعد زيارتي صارت تأتينا إلى بيروت حاملةً الرّسائل الحزبيّة، باحثةً عن الأطبّاء لمداواة أمراضها الكثيرة. تحمل معها الهدايا من الأقمشة النجفيّة خُطّت عليها فصولٌ من مأساة الحسين:
“وأنا السّبطُ الذي من غير جرمٍ قتلوني”.

بعد فترة، تركت هناء وزارة الإصلاح الزراعي لتتزوّج من الذي أحبّه قلبها وانتقلت معه إلى قواعد الفدائيين الفلسطينيين في الأردن. لم يمضِ وقت طويل حتّى جاءنا نعيها على ملصق. وقتها، كانت الناس تموت في الأردن من حوادث السيارات وحوادث الأسلحة أكثر مما تموت في العمليات الفدائية ضد إسرائيل. تعثّرت هناء خطأ بالكلاشينكوف فانطلقت رصاصاته لتصيبها..

“ليتكم في يوم عاشوراء جميعاً تنتظروني”.

وجاءنا مكي من الموصل. كبر كرشه، وتصالح مع أبيه. لم يعد أبوه يريد أن يقتله لأنه يشتغل في السياسة. ما عاد مكي يشتغل بالسياسة. صار يشتغل بالمقاولات… ولا عاد يهتمّ بآخر أخبار عمّال القصدير في التشيلي وأدق تفصيل خلافي؟؟؟ في الحركة الثوررية العالمية.. قضينا سهرة في أحد الملاهي حيث أميركية ترقص الرقص العربي. لم يعد مكي يغنّي:

لو تطلعين عالسطح ورجلك محناية ؟؟؟؟

دا ينخسف السطح ويتراد له بنّاية

أوي أوي دلال…

وفي كل هذا كان رشدي يلازمني ليل نهار وليلاً قبل نهار
….ي

بعد انقلاب البعث، اعتُقل رشدي بتهمة أنه مراسل مجلة “الحرّية” البيروتية. وتعرّض لتعذيب شديد. كنّا في “الحرّية” نشرنا شهادةً من التعذيب في سجون العراق، فاتّهم رشدي بأنّه هو من “سرّب” الشهادة. لم يكن رشدي هو الذي أرسلها، حصلنا عليها من قيادي ناصري خرج من السجن وجاء إلى بيروت. ومع ذلك، كان على رشدي أن يدفع ثمن صداقتنا، وأنا لم أستطع مرّة أن أفيه دينه هذا.

لم ألتقِ رشدي بعدها إلا مرّةً واحد خلال زيارةٍ لبغداد في عداد وفدٍ يمثّل الحركة الوطنية اللبنانية. جاءني إلى فندق “بغداد” مع عصام، وكانا يعملان في “صوت الشعب” وقد باتت صحيفة علنيّة. اقترح رشدي مقابلة عن “عشرة أيام هزّت العالم” لمناسبة ذكرى ما تتعلّق بثورة أكتوبر الروسية. وقتها، كنّا منهمكين بأيام أخرى تهزّنا، هي أيام الحرب الأهلية اللبنانية. كان لقاؤنا خاطفاً. وجدته قد ازداد جسمه نحولاً وسألته إذا كان البعثيون عذّبوه كثيراً. ومازحته: كيف أنت باقٍ على قيد الحياة بمثل هذا الجسم النّحيل والقدرة على تجرّع تلك الكميات غير البشرية من العرق؟ وهو حدّثني بفخر وجدّية عن “حزبنا” وعن ابنه علي ؟؟؟ الكلمات في حلقه ثمّ دمعت عيناه وصمت.
تعانقنا مودّعين.

ماذا حلّ بصحابي في بغداد؟ من يدري. من مات مات. ومن جنّ جنّ. بعضهم في السجن وبعضهم في الحكم (مؤقّتاً على الأقلّ). كثيرٌ منهم في المنفى. والاقتصادي منهم اقتصادي. والمهندز مهندز والبعض صار باش مهندز. ومن تخبل تخبل. ومنهم من ظلّ فقيراً. ومنهم من أصاب الغنى الفاحش. ومن تزوّج ومن طلّق. ومن صار موظّفاً كبيراً. ومن وصل ومن لم يصل. بعضهم صعد وظلّ صاعداً. بعضهم صعد ثمّ سقط.

وخالد أحمد زكي. من يذكر خالد أحمد زكي يرد ذكره أحياناً في البيانات وفي بعض الروايات.. وخالد صورة الآن. فكيف لك أن تنسى صورته؟ ممدّداً على الأرض عند حافّة ؟؟؟ بالبزّة الخاكي وعيناه شاخصتان في البعيد. أراد أن يموت مثل غيفارا، فمات مثل غيفارا. وصوّروه شهيداً مثلما صوّروا غيفارا. لماذا الشهيد دائماً صورة؟ منذ عاشورا حتى غيفارا. هي الصورة تشهد أنه قد شهد، إنها الشهادة على شهادته. تؤكّد للأعداء أنه مات وللأصدقاء أنه لا يزال حيًّا.

عندما خرج الشيوعيون من العراق، عام 1979، سألت أول ما سألت لماذا لم يخرجوا رشدي العامل معهم؟ أعَلى كامل رشدي تقع مسؤولية إنهاض الحزب؟ لم يحاروا جواباً. أبلغني أحد المسؤولين أنّ رشدي رفض المغادرة في آخر رسالة منه. بتاريخ 28/ 11/ 1985 ردّ على سؤالي عن أحواله: “تسأل عنّي”؟ الحدائق مزهرة يا صاحبي: ؟؟؟ والبنفسج وورد الجوري والاشوفي وحتّى الليلك.. لكنها مسوّرة، أيكفي هذا، يا فواز؟ كان يسمّي الحديقة على اسم ابنه علي. وأصدر ديوان شعر بالعنوان ذاته. وتذكّرت قصيدة قديمة له يقول فيها: “إنّك إذن الشجرة الوحيدة المتبقّية من غابة محروقة”. كنت والصديق محمد سعيد الصكار؟؟ نرتّب زيارة لرشدي إلى باريس. انتهت مهلة الشّهر الممنوحة للسّفر قبل أن يتمكّن رشدي الحصول على تأشيرة دخول إلى فرنسا… بعد أسابيع بلغنا نبأ وفاته. هبط سور الحديقة على بنفسجها…

رسالة غير منشورة من رشدي العامل

إلى محمد سعيد الصكار

ماذا تريد أن أخبرك عني؟
ظهيرة اليوم، قلّبت، محض صدفة، أوراقي بحثاً عن مقالة ما… فإذا باسمك الجميل”يصنكر” أمام عيوني، عليك اللعنة! كنت تتحدّث عن “المرقا”؟؟ ذلك “الكائن” الأسطوري الذي عاشته ؟؟؟المتعبة ورؤانا المستحيلة.

بودّي أن نظلّ معناً، عبر الحروف إذا لم يكن عبر العيون المطفأة.

ما يزال الشّعر رفيقي الدّائم- اطمئنّ- وما تزال في العروق ينابيع منه.

رسالة عاجلة، بلا شكّ، سيحدّثك عنها الأخ عيسى. أنا في شبه عزلة اختياريّة، فلقد رست مراكبي أخيراً… لا أنتظر شيئاً ولا أتطلّع إلى شيء.. مرافئي؟؟ البعيدة أطفأت أنوارها… وانصرف الملّاحون إلى عبثهم.. أنتظر رسالة منك..

أباركك وألعنك وبالعكس…

29/ 11/ 1985

Themes
Art & Literature History
Countries
Iraq
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Intellectual History Autobiography & Memoir Iraq Marxism Arab Left Lebanese Left

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.