خروج على »الاجماع الوطني«!
فواز طرابلسي
يتكرر الحديث بعد معركة نهر البارد عن »الاجماع الوطني« الذي تجدد حول رفض توطين الفلسطينيين في لبنان. فيما لا تزال اصوات تحذّر من ان »مؤامرة التوطين«… مستمرة.
يرغب المواطن كاتب هذه السطور رغبة عارمة في الإنسحاب من ذاك الاجماع، بل في الخروج عليه.
والسبب ان رفض التوطين خرافة اخرى من خرافات سياسة الكذب والتكاذب السائدة بعد الطائف تسعى الى تحقيق الإجماع في بلد متعدد ومركب ومعقد، والى التوحيد الوطني باختراع ما يظنّ انه عدو مشترك للبنانيين، قبل اختراع عدوّ آخر، او بإبتكار فزاعة يعتقد انها ناجعة لتخويف الجميع.
لخرافة »رفض التوطين« قصة ووظائف.
عند انعقاد مؤتمر الطائف، كان لا بد من كبش محرقة تلقى على عاتقه كافة تبعات حروب اختتمت على تسوية ولكن ليس على مساءلة ومحاسبة والافدح انها إختتمت بإرتقاء زعماء الحرب انفسهم الى السلطة. وكان الطرف الوحيد الواقع خارج تلك المعادلة هو الطرف الفلسطيني. وجد الجميع فيه ضالتهم المنشودة. فإذا الطرف الفلسطيني هو المؤامرة وسبب الحرب والعدو فيها والخطر المستمر بعدها.
بررت فزاعة التوطين لاطراف »الجبهة الللنانية« دورها في حروب
٥۱۹۷-۱۹۹۰ على اعتبارها »حروبا ضد الآخرين« بعامة، بل مقاومة ضد
»مؤامرة« توطين الفلسطينيين في لبنان، ظلّ الغموض مخيّما على من يقف وراءها ومن يستفيد منها. هكذا أمكن التغطية لا على مسؤولية تلك الاطراف في إشعال الحروب وانما سمح امكن خلط بداياتها بالخواتم. ناهيك عما بين هذا وذاك.
ولا نستطيع، ونحن على ايام من ذكرى جديدة لمجزرة صبرا وشاتيلا، الا
ان نتذكر انها قد جرى التمهيد لها بالدعوة الى »التخلص من الشعب الزائد« الذي لا مكان له في تسوية ازمة الشرق الاوسط، فكانت المجزرة، ترويعا للمدنيين الفلسطينيين لدفعهم على مغادرة لبنان، بعد اخراج تنظيماتهم المسلحة منه.
بعبارة صريحة، رفض التوطين هنا هو المعادل للتهجير، لا اكثر ولا اقل.
هكذا فبإسم رفض التوطين، وتصوير حروب ٥۱۹۷-۱۹۹۰ على انها حروب ضد مؤامرة التوطين، كان يجب ان نتناسى ان معظم وقائع الحروب التالية على انسحاب قوات منظمة التحرير الفلسطينية عسكريا من لبنان عام ۱۹۸۲ قد جرت بين اطراف لبنانية. فما علاقة »مؤامرة التوطين« بما سمّي »حرب الجبل« عام ۱۹۸۳ التي هجرت معظم سكانه المسيحيين؟ بل ما علاقة »مقاومة التوطين« بتهجير مسلمي النبعة قبل ذلك عام ٦۱۹۷؟ وما صلة »رفض التوطين« بإشعال الجنرال ميشا عون »حرب التحرير« و»حرب توحيد البندقية« او باقتتال الاخوة بين بين جماعة جعجع وجماعة حبيقة في »القوات اللبنانية« او بين حركة ام وحزب الله؟
من جهة ثانية، لعبت فزاعة التوطين دورا لا يستهان به، خلال العهد السوري في تبرير انحياز عدد من القيادات السياسية، المسيحية خصوصا، الى صف الانتداب السوري، بحجة انه وحده يستطيع لجم الفلسطينيين ونزع سلاح المنظمات الفلسطينية. فإذا التحريض ضد خطر التوطين وسيلة اضافية لتبرير بقاء الوجود العسكري السوري في الاراضي اللبنانية بعد ان بات وجوده خرقا لاتفاق الطائف.
الى هذا كله، ينطوي »رفض التوطين« على ارقى نموذج في الحياة اللبنانية على لجحود مقيت يمارس بحق مساهمة الشعب الفلسطيني في المتعددة الاشكال في الحاية اللبنانية من كدح عامل البناء الى تدبير المصرفي الكبير وما بينهما من كفاءات في كافة المجالات من التدريس الى المقاولات. بل هذا هو »رفض التوطين« علامة فارقة على لبنان المضياف (يا هلا بالضيف، ضيف الله!) يحق فيه لوكلاء اثرياء سعوديين ان يستملكوا مليون متر مربع من الاراضي في »الجبال العالية الما بتنطال« ولا يحق للفلسطيني ان يمتلك شقة سكن واحدة من بضعة عشرات الامتار المربعة!
ولا يخفاك ان لازمة رفض التوطين تنطوي ايضا على تعليم الفلسطينيين الوطنية وكيف يظلون على العهد للعودة الى بلادهم، على افتراض ان اللبنانيين، اشدّ حرصا منهم على حقهم في العودة. فكان لا بد من منع ابناء المخيمات منإدخال مواد البناء مثلا حتى لا تسوّل لهم انفسهم الاستقرار في المخيّم والطمع في البقاء للبنان. والمعروف ان القاصي والداني يطمع في التوطن في لبنان، وهؤلاء لديهم اوطان، فكيف لا يطمع به من هم بدون وطن؟ وفي ظل سياسات الحصر والتجويع والاهمال، صارت المخيمات نهبا للجماعات المسلحة تتعاون اجهزة الامن السورية واللبنانية على بنائها وتشجيعها واستغلالها وتنظيم اقتتالها وصار فقر المخيمات منبتا للجماعات الاصولية التي إستفاق لبنان مؤخرا ليكتشف انها قادرة حتى على اختطاف مخيّم بأسره تحت سمع وبصر دعاة »رفض التوطين«.
اخيرا ليس آخرا، تقوم خرافة »رفض التوطين« على اثرة قضية نادرا ما تروى بالصراحة اللازمة. يزعم الملوّحون بخطر التوطين ان لبنان بسبب تركيبه السكاني لا قبل له ان يتحمل هذه الاعداد من الفلسطينين المسلمين الذي سوف يؤدي وجودهم الى اختلال سكاني وسياسي بين المسلمين والمسيحيين. من قال اولا ان حق الاقامة القانوني للفلسطينيين، في ظل القوانين اللبنانية وتحت سلطة الدولة اللبنانية وسيادتها، بانتظار عودتهم الى بلادهم المحررة او بما هم رعايا سلطة فلسطينيية لا تزال تناضل من اجل حق العودة حسب قرارات الامم المتحدة، من قال ان هذا او ذلك يعني منحهم الجنيسية اللبنانية؟ بل فلنذهب في الامر حتى نهاياته. على فرض ان التوطين يوازي التجنيس، وهو قطعا ما لا يدعو اليه احد لبنانيا على الاقل، ما أثر ۰٥۲ الف فلسطييني يضافون الى تعداد المسلمين في بلد لم يعد المسيحيون فيه يشكلون اكثر من ثلث السكان، والكل يعرف ان نظام التوزيع الطائفي ليس قائما اصلا على النسبية العددية؟
لقد ختمت الجروح الفلسطينينية-اللبنانية على زغل. لا يزال القيح ينزّ منها والدم. وهذا جرح جديد في نهر البارد يختتم هو ايضا على زغل. حيث يغلب التسوّل لاعادة الاعمار على استخلاص الدروس المتعلقه بإعادة اعمار العلاقات بين البشر.
على طريق اعادة اعمار العلاقات بين الشعبين، يجب ان يكون مفهوما ان الكفاح المسلح الفلسطيني من لبنان قد انتهى زمنا ووظيفة وإمكانا. غير ان موضوع السلاح الفلسطيني يرتبط بخوف مشروع تغذيه ذاكرة مجازر ولا تخفف منه عنصرية متصاعدة، ولكنه يختلط، من جهة اخرى، بمصالح قيادات وتنظيمات، وبإستعدادات لا تزال قائمة لتوظيف ذاك السلاح لاغراض خارجية.اذا كنا لا نريد تكرار تجربة نهر البارد، وخطف مجموعة ارهابية جديدة لمخيمّ فلسطيني جديد، المطلوب تسوية تقوم على مقايضة تطوي السلاح الفلسطيني في مقابل تكريس الحقوق المدنية والسياسية والامنية للفلسطينيين. لا مجال ولا حاجة هنا للتفصيل. كل شيء في اوانه. والاوان آن.
ولكن لكي نضع الخطوة الاولى على الطريق الطويل لا بد من مغادرة الزعبرة المسماة: »مؤامرة التوطين« و»رفض التوطين«.!
