Back to Publications
Publications Articles

Revolution and Constitutions

The battle over constitutions is the real one — whoever writes them decides whether revolution becomes democracy or is aborted.

الثورة والدساتير

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

الثورة والدساتير

فوّاز طرابلسي

إن الانقلاب الذي قام به المجلس العسكري في مصر بواسطة «الاعلان الدستوري المكمّل»، بعد حلّ البرلمان ومصادرته سلطات التشريع والنقض، نبّه الى محورية المسألة الدستورية في جدل المحافظة والتغيير الجارية في المنطقة.

ثمة اجيال من العرب، ومن المعارضين، عاشت في ظل الاعتباط الاستبدادي فتعوّدت النظر الى الدساتير وما تحويه من حقوق وواجبات وحريات على انها من قبيل الحبر على الورق وانه من السذاجة او العبث اللجوء اليها والاسنتجاد باحكامها. الآن وقد جدّ الجد، نكتشف ان الحكٌام قد حاكوا بعناية دساتير على مقاسهم والاهم ان التسلّح بالدستور والتلاعب به هو، منذ اندلاع الثورات، جزء اساسي من الوسائل التي تلجأ اليه قوى الامر الواقع، الداخلية والخارجية، للحفاظ على مواقعها في السلطة والتحكّم وهلى مصالحها.

يجب الاعتراف بأن الثوار ادركوا باكرا أهمية المراحل الانتقالية وموقع الدساتير منها. وفيما المعارضات الرسمية تفاوض على حصة في الحكم، كان شباب الثورة (وبعض شِيِبها، امثال محمد البرادعي في مصر، مثلا) يرسمون خرائط طريق لتفكيك الانظمة الاستبدادية والانتقال الى اشكال من دولة القانون والديمقراطية. ومن نقاط الاستدلال على ذلك الطريق: عقد مؤتمر تأسيسي؛ تسليم السلطة للمدنيين؛ صياغة دستور جديد ديمقراطي يحوي على ضمانات للحريات الاساسية؛ وبعد كل هذا ثم الانتقال الى الانتخابات. ناورت قوى النظام والردّة الداخلية والخارجية في الاتجاه المعاكس تماما: تنحي الرئيس لنائبه (افشها الثوار في مصر)، تشكيل حكومات جديدة (بمشاركة قوى من المعارضة التقليدية ام لا)، صياغة دستور مؤقت وجزئي (في مصر)، انتخابات نيابية ورئاسية، يليها البحث في الجمعية التأسيسية والصياغة الدستورية، الخ.

باختصار: انقاذ النظام في اساسياته، ثم البحث في تعديله وتغييره.

في سورية، فُرضت «الاصلاحات» لتجديد النظام بالتوازي مع القتل، وجرى تتويجها بدستور عزز من الصلاحيات المطلقة لرئيس الدولة بدلا من ان يعدّل منها، وتولى هذا بدوره تعيين المحكمة الدستورية، بما ضمن تحكمه بالقضاء وبالدستور معا. ثم جاءت الانتخابات. ولم يحن بعد وقت الحوار. والقتل مستمر.

في اليمن، طبّقت خطة تنحي النائب، تلاها تشكيل حكومة شاركت فيها قوى المعارضة التقليدية، قبل ان يعتلي «النائب» المقعد الرئاسي في انتخابات مبايعة، ولما يزل البلد ينتظر الحوار الوطني بين القوى المتنازعة وصياغة دستور جديد وقوانين انتخابية وما اليها.

حقيقة الامر ان الدساتير تثير اسئلة حرجة تستفزّ المعارضين والثوار على حد سواء وحري بها ان تحفزهم على صياغة رؤاهم الشاملة بما يتجاوز الطابع السياسي-العسكري الغالب على الفكر المعارض ناهيك بالممارسة. المطلوب رؤى تحيط بمشكلات البلاد تقدَّم لها مشاريع لا لبناء انظمة سياسية حقوقية وحسب بل لبناء ووطان جديدة. والدساتير هي في نهاية المطاف التجسيد لتلك المشاريع والتوثيق لتعاقد جديد بين حكام ومحكومين من اجل تنفيذها.

لا شك في ان ما تحويه الدساتير ينحكم بتوازن القوى السائد ام المستولد بين قوى التغيير وقوى الحفاظ على الوضع القائم، او قوى الردة على الثورة. ومغزى القول ان قوى الثورة فوّتت الكثير عليها لأنها لم تلجأ الى المؤتمرات التأسيسية والى صياغة الدساتير الجديدة بينما هي في أوج قوتها والنظام في أضعف اوقاته. او فلنقل عكسا: ان قلب المعادلات التي فرضتها قوى الامر الواقع، والقوى الخارجية الداعمة، باتت تفترض على قوى الثورة العودة الى نفطة البداية. وليس صدفة ان تعود المليونيات الى ساحات الحرية والتغيير في مصر للرد على اصدار المجلس العسكري «الاعلان الدستوري المكمّل».

ليس غريبا ان تكون الدساتير موضع نزاع، في هذه المراحل الانتقالية بكل متعلقاتها من توقيت وهيئات صياغة ونصوص. ولقد نبّهت التجربة الى عدد من القضايا موضع نزاع تقع في صميم الهموم التغييرية وعمليات الانتقال.

موقع الشريعة من الدستور هي اولى المسائل. يجري توريتها تحت عنوان «الدولة المدنية» الذي تطرحه بعض القوى الاسلامية ويتواطأ معها ليبرايون وديمقراطيون ويساريون وتقدميون للتفلّت من الجهر بالـ«علمانية». بعلمانية او بدونها، لا يمكن تجريد مصطلح «المدنية» من دلالتين من دلالاته. الاولى، هي حصر سلطة التشريع بالهئيات المنتخبة من الشعب. والثانية، خضوع القوات المسلحة واجهزة الامن لمؤسسات السلطات المدنية في الحالة الثانية، يصطدم شعار «المدنية» بالركائز العسكرية للسلطة في غير بلد عربي، ومصر في المقدمة. ويرتطم في الاولى بالحركات الاسلامية التي تريد تنصيب هيئات معينة غير صادرة عن الانتخاب الشعبي فوق الهيئات المنتخبة للبت في موائمة التشريع مع الشريعة.

من جهة اخرى يبدو انه لم يعد بدّ للدساتير من ان تتعرّض لمسألة هوية البلد والاعتراف بمكوناته جنبا الى جنب مع توكيدها على المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين. هاا هو الدستور المغربي يعترف، تحت ضغط الشارع، بالانتماءات المتعددة للمغرب وبمكوناته شعبه المختلفة. وهي سابقة في الدساتير العربية خلال حقبة الثورات. ستجرّ الاعتراف بتعدد المكونات جملة من المسائل ليست اقل منها شأنا ولا هي محصورة بالمغرب. نقصد الاعتراف بلغات اخرى الى جانب اللغة الوطنية (الكردية، الامازيغية، الم.) او بالتساوي معها؛ او البتّ بتسمية الكيان او البلد (جمهورية عربية سورية ام جمهورية سورية؟) او بملامح ومعالم العلم الوطني (السجال الذي لم يحسم حول العلم العراقي، العلم الليبي الجديد، إرتفاع علم للمعارضة الى جانب علم النظام في سوريا، الخ. )

ثم ان موضوع تعيين الاعداء الوطنيين في الدساتير حري به ان يلفت الانظار هو ايضا. ليس تفصيلا، في هذه المراحل الانتقالية، انْ يرد او لا يرد في الدستور التونسي او المغربي او الليبي، مثلا، نص يؤكد على ان اسرائيل دولة عدوّة. ففي ذلك الحد الادنى من موجبات الانتماء الى المنطقة تكمن ايضا الحدود الدنيا من المسؤولية تجاه الشعب الفلسطيني والنزاع العربي الاسرائيل. ومعلوم انه ورد على ألسنة مسؤولين في حركات معارضة اسلامية، وغير اسلامية، تصريحات مبكرة تتعلق بإسقاط الاشارة الدستورية الى اسرائيل. وفي المعنى ذاته، هل يعقل ان لا يرد في دستور سوريا الجديد اشارة الى احتلال اسرائيل للجولان وتمسك الشعب السوري بحقه في تحريره؟

اخيرا ليس آخرا، المسألة الاقتصادية الاجتماعية. ان اغفال المعارضات لمسائل البطالة والفقر وتنامي الفوارق الطبقية واستشراء الفساد والغلاء وتدهور اوضاع الارياف والقطاعات الانتاجية، لا يفقدها الصلة والمصداقية تجاه القوى الحية التي اطلقت الثورات اصلا ومصالحها وتطلعاتها الى التغيير. انه يفسح في المجال واسعا امام قوى الامر الواقع والردّة لكي ترمي على عاتق الثورة والثوار عدم الاستقرار والمصاعب الاقتصادية والتردي الاجتماعي والامني وتجيير كل ذلك لتغليب اولوية الامن، ونشر الفزاعات ضد اي تغيير، حتى لا نقول زرع الحنين الى عهود الاستبداد السابقة. من هنا ان تكريس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الدساتير موضع صراع محتدم اصلا خصوصا بين من يريد تكريس دور الدولة في خدمة الاسواق ورأس المال المتعولم و من يسعى لدولة تكون اداة تنمية وتوزيع عادل للموارد والثروات والخدمات.

ولا مبالغة في القول بأن سجّل نجاحات الثورات، سوف تُقرأ في سطور دساتيرها من الآن فصاعدا.

Themes
Political Economy Politics
Countries
Arab World Iraq Yemen Syria Palestine Egypt
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Revolution Democracy Arab Spring Military Egypt

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.