الاسلاميون في القول والفعل
فواز طرابلسي
جاءوا متأخرين الى الثورات. لكن الاسلاميين لم يقطفوها بعد. حازوا النسبة الاعلى من الاصوات في الانتخابات النيابية للمرحلة الانتقالية، ولم يحوزوا الاكثرية.
تضافرت على تلك النتائج عوامل عديدة. منها الاختلاط التاريخي بين الاحزاب القومية واليسارية وبين الانظمة الشعبوية العسكرية قيد التفكيك، ما اضعف من مصداقيتها، حتى لا نقول ان احزاب المعارضة التقليدية باتت هي ايضا من مخلفات الماضي.
ثم ان منطق التمثيل الثوري لا يتطابق مع منطق التمثيل الانتخابي. ليس فقط لأن الوقت لم يسنح لتبلور القوى والطاقات الشابة والشعبية، التي فجرّتها الثورات، في تشكيلات سياسية. بل لتخلّف الانظمة الانتخابية اصلا عن ان تنعكس ارادة الجماهير. الى هذا، يمكن ان يضاف الاسبقية التي الاحزاب الاسلامية من حيث التنظيم والانضباط وتوافر الامكانيات المادية، بما فيها دعم الانظمة النفطية.
مهما يكن، ثمة امران لافتان لاول وهلة.
الاول، الاستعجال الظاهر لاعتبار التفويض الانتخابي المعطى للاحزاب الاسلامية لقيادة عملية انتقالية – تصوغ الدساتير الجديدة وتسن القوانين الانتخابية الجديدة وتعود بها الى الناخبين – وكأنه تفويض لتولى السلطة كما لو ان عملية الانتقال قد انجزت. تتقاطع سياسة حرق المراحل هذه مع نهج الادارة الاميركية الاستيعاب للموجة الثورية عن طريق الدعوة لحلول نائب الرئيس محل الرئيس، واخراج الجماهير من الفعل والتأثير في الشوارع والميادين، والحفاظ على جوهر الانظمة من حيث ادوار المؤسسات العسكرية وغلبة السلطة التنفيذية فيها.
والثاني هو سرعة مبادرة الاسلاميين الى تطمين حكام اوروبا واميركا بتقديم التنازلات في ميدانين بارزين: الاقتصاد والموقف من الصهيونة ودولة اسرائيل. ما من تصريح بالنسبة لهذه الاخيرة الا ويسعى الى تبهيت الالتزام بالعداء للصهيونية ودولة اسرائيل والامتناع عن التطبيع والالتزام بنهج المقاطعة الاقتصادية، الخ. في الامر ما يشي بالقبول بالمنطق اياه الذي سارت وتسير عليه الانظمة من الاعتماد على شرعية الخارجية اساسا لحكمها.
الى هذين الامرين تضاف افعال الايمان بالديمقراطية يقابلها الجهر بمعارضة العلمانية او الاستعاضة عنها بصيغة «المدنية» على اعتبارها تسوية بين «الاسلام هو الحل» وبين الحياد الديني للدولة. فما معنى التزام تلك الاحزاب بالديمقراطية وما مداه؟
تعني الديمقراطية، فيما تعني، المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين، المكرسة في الدستور والقوانين والمؤسسات. فهل هذا ما سوف يلتزم به الاسلاميون؟ وهو يتنافى مع التمييز في الحقوق السياسية بين رجال ونساء، وبين مسلمين وغير مسلمين، في الوصول الى الرئاسة الاولى للبلاد او في الخدمة في القضاء، مثلا، ناهيك عن التمييز في الاحوال الشخصية بين المسلمين، رجالا ونساء، في الارث والطلاق والحضانة وغيرها. وغني عن القول ان تأمين «كوتا» لتمثيل النساء والاقباط في المؤسسات التمثيلية المصرية لا يجيب على هذه المشكلة. فأين ديمقراطية الاسلاميين في هذه المجالات الديمقراطية؟ يجيب ناطقون بإسمهم في مصر أن الشريعة هي التي تتكفل بحقوق «إخواننا الاقباط ». وهذه الذمية في التعامل مع «اهل الكتاب» تكرّس للامساواة في السياسة وفي القانون.
تخدم بدعة «الدولة المدنية» عادة في نشر الغموض حول هذا الموضوع بالذات: مرجعية التشريع. هل ان الفيصل في التشريع هو مؤسسات السيادة الشعبية – اي المؤسسات المنتخبة والاستفتاء العام – ام هي النص الديني؟ ومن يأول النص الديني؟ المشرّعون المدنيون ام علماء الدين؟
المؤسف ان تجربة الثنائية التي تقوم عليها الدساتير العربية – بين المباديء الزمنية وبين احكام الشريعة – نادرا ما تتعرض للبحث والنقاش. ولكن فلنلق نظرة على اكمل تجربة في تلك الثنائية – الجمهورية الاسلامية الايرانية – التي يقوم نظامها السياسي على قائمتين: شرعية السيادة الشعبية (المؤسسات الجمهورية) وشرعية النص المقدس والمرجعية الدينية (مؤسسات ولاية الفقيه). مع ان الثانية، غير صادرة عن الانتخاب ولا خاضعة للمساءلة، فإنها تمارس وصايتها على الاولى والرقابة. الا انها، لكي تستطيع ذلك، إضطرت لأن تتحول هي نفسها الى سلطة زمنية سياسية وأمنية وعسكرية وقوة اقتصادية ومالية موازية للمؤسسات الجمهورية. هكذا، صارت تلك المرجعية خاضعة هي ايضا للمصالح ولعلاقات القوى أسوة بالمرجعية الجمهورية المدنية ورجالاتها.
ومنعا لاي التباس، ليست تنوي هذه اللفتة الدعوة الى حرمان المؤسسة الدينية التأثير في التشريع. التمييز هنا هو بين التأثير – وهو حق وحرية مكفولان في كافة الانظمة العلمانية الديمقراطية – وبين دور المؤسسة الدينية بما هي مرجع الفصل والحسم في التشريع وامور الحكم.
تلقي هذه الاسئلة وسواها بظلال ثقيلة على ادعاء التنظيمات والاحزاب الاسلامية العربية اتباع «النموذج التركي ». يقوم الدستور التركي على ثلاثة مباديء غير قابلة للتعديل: الجمهورية، الديمقراطية، العلمانية. هذا يعني ان الاية مقلوبة في حديث الاسلاميين العرب عن النموذج التركي. ذكّرهم طيب اردوغن بالامر في زيارته الاخيرة لمصر عندما قال: انا رئيس حزب اسلامي يحكم في دولة علمانية. اما رؤساء الاحزاب الاسلامية العرب فلا معنى لاتهامهم بالعمل على بناء دولة علمانية – كما نصحهم اردوغان ذاته واستحق ما استنزلوا عليه من هجوم ولعنات. اقل ما يقال انهم يسعون لتصفية ما استطاعوا اليه سبيلا من عناصر العلمانية في الدول العربية المعنية: الزواج الاحادي، الاختلاط المدرسي والجامعي، عمل المرأة، فرض القيود على حرية التعبير والرأي والتصرّف بالجسد (الرقابة المسماة «الخلاقية») وغيرها. والسؤال: بإسم اية خصوصية ثقافية يتميّز اللاسلاميون العرب عن هذا النموذج التركي الحقيقي؟ الاسلام؟
ليس صدفة ان تعلن معظم الحركات الاسلامية التزامها بخطط صندوق النقد والبنك الدولي المتكئة على مباديء النيوليبرالية المتعولمة. انها، في عميق رؤياها، تحلّ التمايز الثقافي-الديني بين «شرق» و «غرب» محل التفاوت في التطور واللامساواة الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن العولمة الرأسمالية النيوليبرالية. فلا تجدها تضع موضع التساؤل ايا من اساسيات العولمة الرأسمالية. يرفض الاسلاميون الفائدة والربا لكنهم يقدسّون مبدأ الربح، المحرّك الرئيس للنظام الرأسمالي. ويحترمون حرية الاسواق والملكية الفردية وغالبا ما أيدوا اجراءات الخصخصة في بلادهم. وهم يستبدلون مبدأ التوزيع العادل للثروة والموارد وخدمات الدولة الاساسية بالإحسان والصدقات او بالخدمات الاجتماعية التي جنوا بسببها الكسب السياسي والانتخابي (توزيع «اخوان» مصر مليون ونصف مليون كيلو لحمة في عيد الاضحى، مثلا) دون ان تساهم خدماتهم في إحقاق الحقوق الاجتماعية لجميع المحتاجين اليها.
لا يكفي القول ان الاسلاميين العرب يكررون هذا الالتزام في زمن تتعرض فيه العولمة الينوليبرالية للزلزلة فيما الازمة المالية تكتسح اوروبا بعد اميركا وتهدّد دولا باكملها بالافلاس والعملة الموحدة بالالغاء. الافدح انهم يفعلون ذلك في وقت تراجع فيه المؤسسات الاقتصادية والدولية ذاتها سياساتها تجاه المنطقة انطلاقا من دروس الثورتين التونسية والمصرية، خصوصا ما كشفته لجهة عدم اهتمام تلك المؤسسات بمسألة خلق فرص العمل للشباب.
في خلاصة القول ان اختزال الليبراليين والديمقراطيين واليساريين تمايزهم عن الاسلاميين بالهوية العلمانية وحدها لا يكف. انهم يعزلهم عن الملايين من ابناء الفئات الشعبية الذين يخدمهم الاسلاميون، هؤلاء الذين ينتظرون من الثورات توفير العمل والحد الادنى اللائق من الاجر والمعيشة وتعميم الحقوق الاجتماعية في السكن والتعليم وماء الشفة والبيئة النظيفة والصحة على الجميع.
هذه مهمات تتحدى كافة القوى الثورية. وهنا تحديدا الفرصة التاريخية لليسار ان يجدد حضوره ودوره وشبابه بأن يبلور رؤياه ويعيد بناء قواه حول ثلاثة محاور هو الاكثر اهلية لها: خوض معركة الديمقراطية الى النهاية على امتداد العالم العربي؛ تقديم الاجوبة على تحديات المرحلة الجديدة من التحكّم الامبريالي والصهيوني بالمنطقة؛ التطعيم المستمر للديقمراطية السياسية بمضامينها الاجتماعية، اي بالعدالة الاجتماعية.
