Back to Publications
Publications Book Reviews

The Real Secrets in Alain Menargues' Book: "Secrets of the Lebanon War"

Behind the slogan of "protecting the constitution," Bashir Gemayel's actual project was a military-militia coup to establish a federal state under Maronite hegemony—and the LF's own documents are the witness.

الأسرار الفعلية في كتاب ألان مينارغ:” أسرار حرب لبنان”

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

الأسرار الفعلية في كتاب ألان مينارغ: “أسرار حرب لبنان”

كـتـاب ألان مـيـنـارغ ”اس ـرار حـرب لـبـنـان – مـن انـقـلاب بـشـيـر الـجـمـيـل الـى مـجـازرالمخيمات الفلسطينية“ (آلبان ميشال، باريس 2004) حدث في التأريخ لحروبلبنان وفي بناء ذاكرة الاجيال الجديدة لتلك الحروب. ﹰلم تجتمع قبلا تلك الكمية منالمعلومات والوثائق بين دفتي كتاب من 553 صفحة كما هي مجموعة فيه. ﹼيعج الكتاب بالعناصر الجديدة – من احـداث وبراهين وادلـة واعترافات – والتي يجبان تثير اهتمام اي دارس لحروب لبنان او اي مهتم بالتعرف ﹰاليها خصوصا من ابناءالجيل الجديد الذين يحدوهم فضول كبير للتعرﹼ ﹼف على جائحة طوحت حياتهمﹰتطويحا وقررت الى حد بعيد مصائرهم وهم لا يدرون عنها الا النزر القليل، ﹰاسباباﹰووقائع واحداثا ﹰوفواجع ودروسا ﹰوعبرا، في ظل الصمت والتحريم السائدين.

ﹼاعتمد الكاتب لانجازه هذا على طن من الوثائق، حسب تعبيره، عائدة بالدرجةالاولـى الى ارشيف ”القوات اللبنانية“. وقـارن ما ورد في تلك الوثائق مع معلوماتالمسؤولين الاسرائيليين، السياسيين والعسكريين والامنيين، عن الملف اللبناني،واجرى العشرات من المقابلات مع المشاركين في تلك الحروب او المعنيين بطريقةاو بـاخـرى. والـمـعـروف عـن المؤلف انـه كـان على علاقة وثيقة بـ ”الـقـوات اللبنانية“باطرافها المختلفة خلال الحرب. ثم ألحق بكتابه 12 ﹰملحقا وصف بعناية الاصول الـتـي اخـذهـا مـنـهـا. ولـكـن مـا لـم يـمـارسـه الـكـاتـب مـن مـهـمـات الـم ﹼـوثـق، طـالـمـا انـه لاﹼيدعي انه مؤرخ، هو وصف المواد الارشيفية وتعيين مصادرها واثبات صور لوثائقنموذجية.

يتحصن الكاتب بـ“السر الصحافي المهني“ للامتناع عن كشف المصدر الذيﹼسلمه ارشيف ”القوات اللبنانية“. ولكن اذا صدق ما تقوله اوساط صحافية لبنانيةمن ان فـادي فـرام، القائد السابق لـ“القوات اللبنانية“، ﹶهو من وضع الارشيف فيتـصـرﹼف مـيـنـارغ، فيستحق فـرام التحية على مـبـادرة تـقـدم مساهمة حيوية فـي بناءذاكرة حروب لبنان، ﹰكائنا ما كانت الاعتبارات التي حدت به الى دفع تلك الوثائقالـى الـعـلـن. فـبـصـدور كـتـاب مـيـنـارغ يـس ﹼـجـل الـفـريـق ال ـذي كـان مـنـضـوي ﹰـا فـي اطـار”القوات اللبنانية“ ﹰسبقا في تزويد الجمهور بعناصر لبناء ذاكرة حروب لبنان علىالفرقاء الآخرين، اعني الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية وحركة امل و“حزباﷲ“ وسواها التي لا تستطيع ان تدعي انها قدمت للجيل الجديد والـق ﹰـراء عمومامثل هذا القدر من البيانات والوثائق من عندياتها.

ﹼالنص الذي يلي قراءة في الكتاب تركز على ثلاث نقاط بارزة تشكل، في رأيي،العناصر الاكثر جدة فيه: قصة وصـول بشير الى السلطة بواسطة ما سمي ”اطولانقلاب في تاريخ لبنان“، دور الشرعية الممثلة بالياس سركيس في ذلك الانقلابوتـجـاه الـغـزو الاسرائيلي للبنان، والـوقـائـع الجديدة او التأكيدية عـن مـجـزرة صبراوشاتيلا.

ﹸترددت ﹰكثيرا قبل دفع هذه المراجعة الى النشر. ﹼواخرت النشر في انتظار صدورردود فعل من الاطراف المعنية مباشرة بتلك الوثائق، دون طائل. فالصمت مطبقعلى هذا الموضوع على ما يبدو. كذلك حاولت النأي بالمراجعة عن اي تسييس لامبرﹼر له خلال التطورات السياسية الاخيرة. ﹰطبعا، هناك من سوف ينتقد او يهاجممحاولات ”نكء الجراح“ وجوابي على ذلك بسيط: ﹰخير ان نفتح جراحا ﹼقديمة ونتعلممنها من ﹼان نمهد لجراح جديدة (1).

من الحفاظ على المؤسسات والدستور الى الانقلاب عليهما

ﹰعند انتخاب بشير الجميل رئيسا، ﹼعلق كريم بقرادوني على الحدث بقوله: هذااطول انقلاب في تاريخ لبنان. لعل القسم الاكثر اثـارة في كتاب مينارغ هو روايتهالقصة التفصيلية لذلك الانقلاب معززة بالوقائع والوثائق والمحاضر والمذكراتوالمقابلات.

تبدأ قصة انقلاب بشير الجميل للاستيلاء على السلطة السياسية في لبنان عام1976 مـع تسلمه الـقـيـادة العسكرية لميليشيا حـزب الكتائب، اثـر مقتل قائدها وليام حاوي خلال حصار تل الزعتر. ﹰوتتدرج صعودا عبر محطات عدة ابرزها: تأمينانحياز فرع حزب الكتائب في كسروان لبشير عام 1977 ومحاصرته فرع الحزب في المتن الموالي لأخيه امـيـن؛ مـجـزرة اهـدن بحق طوني فرنجيه وعائلته عـام 1978؛حـصـار الـقـوات الـسـوريـة لـبـيـروت الشرقية خـلال مـا سمي ”مـعـركـة المئة يـوم“ التيﹼانتهت بمغادرة القوات السورية بيروت الشرقية وتحول بشير الى بطل ”المقاومةالمسيحية“؛ مجزرة الصفرا بحق ميليشيا ”النمور“ التابعة لكميل شمعون في تموز1980 التياعقبهاتوحيدميليشيات ”الجبهةاللبنانية“ فياطار”القواتاللبنانية “برئاسة بشير؛ الى دوره في المعارك بين القوات السورية و“القوات اللبنانية“ فيالاشرفية وزحلة في العام التالي… الخ.

يبدأ مينارغ روايته عندما يتحقق لمشروع الانقلاب السيطرة على ”مارونستان“فيصير فـي الامـكـان الانـتـقـال للاستيلاء على السلطة فـي لبنان كـلـه. ﹼلتبين اهميةقصة ذاك الانقلاب، يجب التذكير بأن حزب الكتائب خاض حرب السنتين ١٩٧٥-١٩٧٦ تحت شـعـار حماية الـدسـتـور والـمـؤسـسـات. وقـد واظـب الـحـزب على رفض اي تعديل دستوري واي اصـلاح مهما يكن ﹰمتواضعا في وجـه قطاعات واسعة منالرأي العام كانت ترى في الاصلاح لا ضرورة وحسب وانما فدية يمكن تقديمها مناجل وقف الاقتتال. ﹼوسيان لدى حزب الكتائب اجاءت اقتراحات الاصلاح في حدهاالادنى داعية الى زيادة مشاركة المسلمين في الحكم –ﹰتوخيا لتطبيق روح ”الميثاقالوطني“ – او هـي اندفعت الـى الحد الاقـصـى مطالبة بالغاء الطائفية السياسيةواعتماد قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية ونظام انتخابي قائم على النسبيةوالدائرة الواحدة.

وبـلـغ الـتـع ﹼـنـت الـكـتـائـبـي ذروت ـه مـع انـفـراد بـيـار الـجـمـيـل بـرفـض اي اص ـلاح منالاصلاحات التي اقرتها ”هيئة الحوار الوطني“ ﹰمعلنا ان الدستور والميثاق الوطنيﹼلا يمسان وان اي تعديل لاي منهما يجب ان يحظى بإجماع اللبنانيين! ﹼوقد لخصامين الجميل هـذا النهج فـي حـوار مـع اذاعـة ”راديـو فـرانـس انترناسيونال“ بقوله:

”حاولنا انقاذ المؤسسات من اي تغيير. رغم ان العنف لا يؤدي الى نتيجة، فقد سمحلنا على الاقل ان ننقذ ما يمكن انقاذه. ﹰكان عنفا للحفاظ على النظام“(”السفير،“9 آب 1975).

لـلـحـفـاظ عـلـى الـنـظـام دون اي تـعـديـل، مـنـع حـزب الـكـتـائـب تـطـبـيـق ”الـوثـيـقـةالدستورية“ التي على اساسها قام التحالف بين الحكم السوري والياس سركيسوحزب الكتائب. وكان الحزب امتنع عن اعلان معارضته لتلك الوثيقة، التي صيغتبالتعاون مع الوسطاء السوريين، ليقينه بأن كمال جنبلاط والحركة الوطنية سوفيعارضانها لعدم التزامها الغاء الطائفية السياسية. وكانت تلك الوثيقة قد دعتالى التوازن بين الرئاسات الثلاث والمناصفة في التمثيل السياسي وفي الوظيفةالاداري ـة بين ممثلي المسيحيين وممثلي المسلمين، بما يـقـارب كـثـي ﹰـرا مـا شـرﹼع لهالاتفاق الثلاثي وبعده اتفاق الطائف. ولكن بيار الجميل، ومعه حزب الكتائب وسائرفرقاء ”الجبهة اللبنانية“، عارضوا تنفيذ الاصلاحات والتعديلات الدستورية التيتضمنتها ”الوثيقة الدستورية“ وقد استجاب الياس سركيس للضغط الكتائبيفـطـوى مـلـف الاصـلاحـات ووضـع ”الـوثـيـقـة الـدسـتـوريـة“ عـلـى الـرف واخـذ يتصرﹼفباعتبار ان حرب السنتين قد انتهت الى غالب ومغلوب.

على عكس كل هذا الادعاء بالحفاظ على الدستور والمؤسسات، يكشف كتابمـيـنـارغ انـه بـعـد انـقـضـاء الـسـنـتـيـن الاولـيـيـن مـن عـهـد سـركـيـس والانـفـراط العمليللشراكة السورية – الكتائبية– السركيسية، صـار الهاجس الاسـاسـي لـ“لجبهةاللبنانية“– وقد انتقلت القيادة فيها ومركز الثقل الى ”القوات اللبنانية“ بقيادةبشير الجميل – تحقيق انـقـلاب عسكري – ميليشيوي تستولي بموجبه ”الـقـواتاللبنانية“ على السلطة وتـجـري تعديلات جـذريـة على الدستور والمؤسسات. ولاتترك المحاضر والخطط والـمـذكـرات فـي كتاب مينارغ مـج ﹰـالا للشك فـي ان غرضالانـقـلاب كـان التغيير البنيوي لدستور الـعـام 1926 لاعتماد الصيغة الفيديرالية ﹰوتعديل الكيان والنظام السياسي اللبنانيين تعديلا ﹰجذريا في اتجاهين:

  • الحسم في الهيمنة المارونية السياسية على السلطة السياسية على حساباي شكل من اشكال الشراكة المسيحية – الاسلامية؛
  • ﹰاعادة تكوين الكيان اللبناني تكوينا ﹰمركبا على قاعدة ثنائية الهيمنة: الهيمنةعلى السلطة المركزية من جهة والاحتفاظ بالسيطرة على كانتون مسيحي متوسعيحتل معظم مساحة لبنان ويحتوي على القسم الاكبر من موارده.

من جهة اخرى وضع ميشال عون وانطوان نجم اول مشروع للانقلاب العسكريبتكليف مـن بشير (٢٧ ايـلـول ١٩٨٠ – الملحق الـرقـم ١، ص٥٠١-٥٠٥). ﹸت ﹼعينالخطة ساعة الصفر على انها زمـن حصول فـراغ فـي الرئاسة الاولـى بسبب انتهاءالـعـهـد او الاسـتـقـالـة او الـوفـاة او اي سـبـب مـفـاجـئ آخ ـر. ويـتـص ﹼـور واضـعـا الخطةاحـتـمـالات عـدة ﹼلتسلم السلطة. الشرعي منها يـقـوم بـه الجيش قبل حـصـول فـراغفي السلطة فيتولى ش ﹼـل كافة مراكز الـقـرار السياسية والعسكرية ما يجعلها غيرقـادرة على العمل ضـد ”الـقـوات اللبنانية“. وفـي حـال تـع ﹼـذر ذلـك، يعمل الطرفانعلى ايصال سياسي ”صديق“ الى الرئاسة الاولى يتعهد ﹰخطيا تنفيذ مشيئة ذلكالفريق من الجيش و“القوات اللبنانية.“

امـا فـي حـال تـس ﹼـلـم الـحـكـم ”بـطـريـقـة غـيـر دسـتـوريـة“، فـتـقـول الـخـطـة انـه يجب” ﹰالتوصل سلفا الى اتفاق مع اسرائيل واعتراف متبادل وعقد اتفاقية دفاع مشترك.“ويستطرد واضـعـا الخطة قائلين:”على ان هـذه المعاهدة س ﹰـوف تستتبع تأكيداانـشـاء دولـة مسيحية محاصرة اسـلامـي ﹰـا، اللهم الا اذا تفككت الكيانات السياسيةفي الشرق الاوسط واعيد تنظيمها على اسس اتنية وطائفية“ (ص503). اكتفيﹼهنا بالدعوة الى التفكر في ﹼهذا التصور دون الدخول في التفاصيل العملانية لتلكالعملية.

اكتفى مشروع ميشال عون– انطوان نجم بالتخطيط الانقلابي في مناخ من عدموضوح موقف الياس سركيس. غير ان المشروع الانقلابي الثاني الذي وضعه كريمبـقـرادونـي وجـوزف ابـو خليل (فـي كـانـون الاول 1980) اتـخـذ شكل مـذكـرة سريةسلمت الى الرئيس الياس سركيس وهدفها تحقيق ”تعاون خلاصي بين الشرعيةوالمقاومة المسيحية“، وهو يدعو صراحة الى ان غرض الانقلاب العسكري ايجاد”صيغة جديدة للبنان هي الفيديرالية تحل محل دستور العام 1926“ (ص508).

والطريف في الامر ان بشير واعوانه لم يتركوا جهة خارجية معنية بالنزاع اللبنانيالا وعـرضـوا عـلـيـهـا مـشـروعـهـم الانـقـلابـي الـعـسـكـري: سـوريـا، الـعـراق، الـسـعـوديـة،ﹰالولايات المتحدة الاميركية وطبعا اسرائيل التي كانت اول من تبنى المشروع.

”اريـد دول ـة… اريـد الشمال وزحـلـة والـشـوف“، يفصح بشير فـي اول لـقـاء لـه معالمسؤولين الاميركيين (ص128). ويكرﹼر النغمة ذاتها في لقاء مع محمد الخولي،المبعوث السوري وقائد المخابرات الجوية:”اريد دولة قوية للبنان… ﹰاريد اولا كلالبلد“ (ص138). وبعد مضي نحو عام على صياغة مشروع الانقلاب، في 4 كانون الاول 1981، وصل زاهي البستاني وايلي حبيقة الى بغداد لعرض مشروع الانقلاب،على القيادة العراقية. فاستحصلا من طارق عزيز على تأييد حماسي لمشروع ”اريدكل البلد“ لقاء توصية عراقية بالتعاون مع صائب سلام ووليد جنبلاط.

وجـديـر بـالـذكـر ان الـنـظـام الـعـراقـي أغ ـدق الـمـسـاعـدات الـمـالـيـة والـعـسـكـريـةعلى ”الـقـوات“ الـى حـد فـاجـأ الـقـيـادة الـقـواتـيـة ايـمـا مـفـاجـأة. ومـع تـط ﹼـور العلاقاتبالاميركيين، افصح ﹰبشير لغنتر دين السفير الاميركي بطريقة لا تترك مجالا للشكفي ان الانقلاب، وما يستتبعه من تعديل دستوري، يرميان الى بناء دولة مسيحيةعلى شاكلة اسـرائـيـل ومـثـالـهـا:”اذا تسلمنا السلطة سـوف نـكـون بالنسبة اليكمبمثابة اسـرائـيـل ثانية مـع كـل الـفـوائـد ولـكـن مـن دون كـل معوقاتها“ (ص142).والمقصود بغياب المعوقات هو ان الدولة المسيحية العتيدة سوف تكون مقبولةﹰعربيا على عكس الدولة العبرية.

وعلى الغرار نفسه من ﹼالتمثل بالدولة العبرية، أسرﹼ كميل شمعون لمناحيم بيغنخلال احد اللقاءات بنصيحة ﹼمعب ﹰرة جدا. قال: ” ﹶفرﹶض علينا الفرنسيون لبنان الكبير.عندما حققنا استقلالنا [يقصد ”استقلال“ لبنان عن سوريا عام 1920] ضموا الينامناطق يسكنها مسلمون. وكان ذلك سبب كل علاتنا. لا تحتفظوا ﹴبأراض يعيشعليها مـسـلـمـون. تـحـاشـوا هـذا الـوضـع والا سـوف تـجـرﹼون عـلـى انـفـسـكـم المشاكلذاتها( “139).

والنصيحة، كما هو واضـح، ﹼحمالة اوجـه. تسمح بأخذ النصيحة على انها دعوةالى الانسحاب من الاراضـي الفلسطينية المحتلة عام 1976، مثلما تسمح بأخذهاعلى وجـه الـحـض على تهجير الفلسطينيين مـن تلك الاراضـي، ناهيك عـن تهجيرفلسطينيي الاراضي المحتلة عام 1948.

امـا اللهجة تجاه السعودية فـاذا هـي تـراعـي المناخ الفكري والمصلحي للاسرةالحاكمة، فقد دعا الخطاب ”القوات“ الى قيام ”مثلث استراتيجي“ يضم الولاياتالـمـتـحـدة – الـعـربـيـة الـسـعـوديـة – الـقـوات الـلـبـنـانـيـة لـمـجـابـهـة الـخـطـر الـشـيـوعـيوالسوفياتي وحليفتيه سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية.

تنتقل فكرة الانقلاب الى طور جديد مع تجلي خطة الغزو الاسرائيلي العسكريلـلـبـنـان. ﹼفيكلف بشير انـطـوان نـجـم بـالـتـعـاون مـع الـعـقـيـديـن فـي الـجـيـش اللبنانينسيب عيد وعامر شهاب وضع مشروع آخر لانقلاب عسكري يأخذ في الاعتبار غزوالقوات الاسرائيلية للاراضي اللبنانية. انقلاب يبادر اليه الجيش وتدعمه ”القواتاللبنانية“ خـلال الـغـزوة الاسـرائـيـلـيـة. بـنـاء على ذاك السيناريو الـمـعـدل، كـان علىالرئيس الياس سركيس، فور نجاح الانقلاب، اعلان حل البرلمان وتعليق الدستورواستدعاء بشير لترؤس الحكومة ثم يتولى سركيس الدفاع عن شرعية الانقلابأمام الرأي العام العالمي. ولكن مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، خشي بشيروجماعته ان لا يكون ﹰالفوز في الانتخابات الرئاسية مضمونا له. فجرى التفكير لفترةوجيزة بالتمديد لسركيس ريثما تستكمل استعدادات القوات والجيش لاحداثانقلابهما (ص198).

مطلع الـعـام 1982، عـرض شـارون عـلـى بشير الجميل خـطـة اجـتـيـاح لـبـنـان فيصيغتها المختصرة المسماة ”الصنوبرات الصغيرة“. وكـان يرافق شـارون صديقهورجلالمهماتالخاصةلديه،افراهامتامير.وكانالاخيرعندكلمحطةمنمحطاتتلك الزيارة، ﹰينتحي ببشير جانبا ويبلغه ”سوف ﹰنجعل منك رئيسا للجمهورية“. ثمجال بشير بالوفد في بيروت الشرقية والجبل. وكان في عداد الوفد يهوشوا ساغي،مدير مخابرات الجيش (”امـان“) والمعروف ان هـذا الجهاز كـان ﹰمتشككا ج ﹰـدا فيجدوى التعاون مع ”الفالانغوت“، ﹼكما يسمون الكتائبيين في الدوائر الاسرائيلية.وبينما الوفد يشرف على بيروت من عل، راق لبشير ان يستفز ساغي باتهامه الضباطالاسرائيليين بأنهم جميعهم يكرهون ”القوات اللبنانية“، فرد عليه مدير ”الامان“بنبرة جافة وبشيء من الازدراء:”تريد الحرب. ﹰولكن هل تعرف فعلا ما هي الحرب؟ستكون لـك بـيـروت! ستحصل عليها مـدمـرة! هـل تفهم ذلـك؟“. فـرد بشير: ”نحنمستعدون لكل هذا( “22).

مـن هنا يبدأ البحث الطويل فـي دور ”الـقـوات اللبنانية“ فـي الـغـزو الاسرائيليالوشيك.الاسرائيليون يريدون ان تتولى ”القوات“ احتلال بيروت الغربية وتطهيرهامنالفلسطينيين.وبشيرومستشاروهيترددونويراوغون.فالاميركيون،وقدحضنوابشير لادراجه في خطة تمرير اتفاقية ”كمب ديفيد“، ينصحون بمراعاة المسلمينلأنهم يريدون ان يكون بشير ﹰمقبولا ﹰاسلاميا ﹰوعربيا. وهكذا فيما القواتيون يدعونالـى تأجيل اقتحام بيروت الغربية الـى ما بعد انتخاب بشير ﹰرئيسا، كانوا يثيرون،مـن جـهـتـهـم، مـوضـوع ﹰـا آخـر: الـى اي مـدى سـوف يـصـل الاجـتـيـاح؟ فـحـسـب الخطةالمختصرة، كـان مـق ﹰـدرا ان تصل الـقـوات الاسرائيلية الـى طريق بيروت – دمشق،فيما بشير يريد ان ”تحرر“ له القوات الاسرائيلية كل الشمال اللبناني وان تتولىاخراج القوات السورية من لبنان وليس فقط الفلسطينيين.

يـوم 15 شباط 1982، ﹰأعلم مناحيم بيغن بشير رسميا انـه س ﹰـوف يكون رئيسالـجـمـهـوريـة لـبـنـان. وان ـه اتـفـق مـع الامـيـركـيـيـن عـلـى تـشـكـيـل قـوة مـشـتـركـة لاخـراجالـسـوريـيـن مـن لـبـنـان. ولـكـن، عندما تـبـلـورت فـكـرة الاجـتـيـاح الاسـرائـيـلـي، تبين انبشير يريد كل لبنان على طريقته: يريد السيطرة على السلطة في كل لبنان بماهو رئيس للجمهورية، ولكنه يريد الاحتفاظ بالسيطرة على الكانتون المسيحيالموسع: ﹰمن الحدود مع فلسطين جنوبا الى ﹰجبل تربل فوق طرابلس شمالا، ﹰمروراﹰبجبل لبنان كله وضاما زحلة والقرى المسيحية من البقاع (ص237).

للعلم: ﹰهذه هي تقريبا حدود المنطقة المسيحية الصافية (المسماة ”ارز“) التيلحظها مشروع الفيديرالية الذي وضعه انطون نجم في كتابه ”شرعة من أجل ميثاقوطني جديد“ (بيروت، آفاق مشرقية 1979).

ويفيد هنا ان نعطي فكرة سريعة عن هذا المشروع. ينطلق نجم من ان الميثاقالـوطـنـي الاصـلـي قـد اخـفـق لأن الـديـانـتـيـن تـتـنـازعـان حقين يلغي واحـدهـمـا الآخـر:المسيحيون لا يـريـدون ان يـكـونـوا أهـل ذمـة، والـمـسـلـمـون يـرفـضـون ان يحكمهمحاكم مسيحي. ﹰوقد كان وهما، حسب نجم، ﹼالتصور ان المسلمين سوف يتخلونعـن نـزعـتـهـم لـلـسـيـطـرة. لـذا يـقـتـرح مـسـتـشـار بشير الاق ـرب خـلال تـلـك الـفـتـرة الحلالفيديرالي. بموجبه، ﹼيقسم لبنان خمس مناطق: 1) بيروت، العاصمة، 2) عرقة،وتضمطرابلسوالضنيةوعكاروالهرملوبعلبك،3)أرز، وتضم الزاوية وحدث الجبةوالـكـورة والبترون وجبيل وكـسـروان والمتن وزحلة والـقـرى المسيحية في قضاءيبعلبك الهرمل، 4) بـاروك، وتضم بعبدا وعاليه والـشـوف وجـزيـن والبقاع الاوسـطوحاصبيا وراشيا، 5) عامل، وتضم صيدا والنبطية وصـور وبنت جبيل ومرجعيون.يكون للكيان الجديد برلمان مركزي ﹰيضم عددا ﹰمتساويا من الاعضاء عن كل منطقةينتخبهم سكان المنطقة انفسهم، تتخذ فيه القرارات بغالبية الثلثين. اما الجهازالتنفيذي فيتكون من 10 ﹶوزراء يختارهم النواب من خارج البرلمان ومنهم ينتخب ﹰرئيسا ﹰللجمهورية ونائبا للرئيس ويمنع الجمع بين النيابة والوزراة.

وفـق تـلـك الـصـيـغـة الـفـيـديـرالـيـة، تـتـولـى الـحـكـومـة الـمـركـزيـة ش ـؤون الـسـيـاسـةالخارجية والعملة الجمارك والموازنة والنظام الضريبي والدفاع والتشريعات المدنيةوالتخطيط المركزي. وما عدا ذلك – اي الاقتصاد والتربية والتعليم والثقافة وغيرها– فتناط بمجالس المناطق التي لها الحق باستلام المساعدات المالية والاستدانةمن الخارج وعقد الاتفاقات الثقافية مع الخارج. ويكون لكل منطقة جيشها البري،امـا الطيران والبحرية والمخابرات فشأن فيديرالي. ويتكون الجيش الوطني منالجيوش المناطقية ويقوده مجلس تتمثل فيه المناطق على قدم المساواة.

الـى هـذا، كـان الـحـل الـفـيـديـرالـي يـؤمـن تـخ ﹼـلـص الـمـنـاطـق الـغـنـيـة مـن لـبـنـان من

المسؤولية عـن تنمية الاطـراف الاقـل نـم ﹰـوا، حسب المعادلة التي صاغها بشير فيبرنامجه الاقتصادي الاجتماعي وتضمنها خطاب القسم الذي كان ﹰمعدا له: ”حتى لاتسيطر منطقة على اخرى ولا تتطفل منطقة على منطقة.“

لكن الحل الفيديرالي، وهو معروف منذ العام 1977، كان ﹰمشروعا ﹰدفاعيا، يعودالى فترة الانكفاء داخل الكانتون المسيحي، الغرض منه تحقيق سيطرة ”القواتاللبنانية“ على اكبر كتلة بشرية من المسيحيين في منطقة مسيحية صافية (أرز)،ﹼوتمتع الممثلين السياسيين للمسيحيين في السلطة الفيديرالية بحق النقض علىكافة القرارات الفيديرالية. ﹰلكن الامور كانت قد اختفلت كليا في العامين 1981 و1982 حيث بـات بالامكان سيطرة القواتيين لا على رئـاسـة الجمهورية وحسب وانـمـا على السلطة السياسية المركزية مـع احتفاظهم بالسيطرة على اكبر تجمعسكاني مسيحي.

اضافة الى الخطة العسكرية للاستيلاء على السلطة في ظل الاحتلال الاسرائيلي،وضعت خطة سياسية تدعو لبقاء القوات الاسرائيلية على الاراضـي للبنانية لستةاسابيع على الاقـل (كـذا!) الـى ان يتم انتقال السلطة بهدوء. وتلحظ الخطة ﹰايضاعدم اعطاء الاحتلال شرعية مسيحية لعدم تعريض فرص بشير في لعب دور ”منقذالأمـة“ بدعوة الـقـوات السورية والاسرائيلية الـى الـخـروج في آن واحـد من الاراضـيالـلـبـنـانـيـة. اذذاك، طـرأ تـح ﹼـول عـلـى الانـقـلاب الـعـسـكـري – الميليشيوي مـع تـزايـدﹰفرص انتخاب بشير رئيسا بواسطة البرلمان، فباتت وظيفة الانقلاب ان يجعل منﹰالانتخاب الرئاسي فرضا للأمر الواقع ليس الا. فدعت الخطة السياسية الى ان يتمالانقلاب قبل الانتخابات الرئاسية، فتتشكل حكومة تكون فيها الحقائب الاساسية(الدفاع، الخارجية، المال، الاعـلام) بيد عناصر من ”القوات“، ثم يتم انتخاب بشيررئـيـس ﹰـا للجمهورية فيتولى اعـلان حـالـة الـطـوارئ، وتـعـلـن الـحـكـومـة اللبنانية طـردالفلسطينيين الـذيـن دخـلـوا لبنان بعد الـعـام 1967، وتلغي كـافـة الاتـفـاقـات معمنظمة الـتـحـريـر الفلسطينية، وتـتـحـول ”الـقـوات اللبنانية“ حـرس ﹰـا وطـنـي ﹰـا يـحـق لهﹼالتواجدوالتجول في كافة ارجاء البلاد، ﹰواخيرا تجري مفاوضات مباشرة مع اسرائيلﹼلتحقيق ما سمي ”تطبيع العلاقات“ بين البلدين“ (ص238).

وفـي الخطة السياسية، تبين انـه عند دخـول القوات الاسرائيلية، سـوف تتولىمدفعية ”القوات اللبنانية“ القصف، بغرض التدمير للأبنية التابعة للاذاعة اللبنانيةوتلفزيون لبنان وبعض الصحف والاذاعات (ص536)!

ولا شـك فـي انـه مـن وحـي تـلـك الـخـطـة، ادلـى مـسـؤول كتائبي الـى صحيفة ”لـومـاتـان“ الفرنسية (الاربـعـاء 7 تـمـوز 1982) بتصريح عما سـوف يـجـري عند دخـولبـيـروت الغربية، قـال فيه ”بعد انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية مـن بيروت،الجيش اللبناني هـو الـذي سيدخل المدينة. لكننا سندخل فـي اعقابه وسيكونهناك افراط في التجاوزات من قبل القواعد والقيادات المتوسطة، لأنه توجد بينناتسويةحساباتدم.سوفنتجنبحمامالدم.ولكننالننستطيعمنعانفجارالحقد،مع انه سيكون ﹰقصيرا ومحدود النطاق“ (راجع: فواز طرابلسي، عن امل لا شفاء منه.من دفاتر حصار بيروت، حزيران– تشرين الثاني 1982. بيروت، مؤسسة الابحاثالعربية، 1984، ص38).

ومـن نـوادر الـمـشـروع الانـقـلابـي ان الشخص الوحيد الـذي ظـل ﹰمتمسكا بـه كانسليم الجاهل الممثل الوحيد لبشير في الـوزارة الـذي ﹼتحفظ عن وصـول بشير الىالسلطة بواسطة البرلمان وظل مصرﹼ ﹰا على فكرة الانقلاب العسكري، ﹰمقترحا تفريغمؤسسة الرئاسة من أي وزن سياسي وايكال رئاسة الوزراء الى بشير عند انتهاء ولايةسركيس. لن يسير بشير في خط الوزير الانقلابي، فقد طمأنه المبعوث الاميركيفيليب حبيب الى ان البرلمان مضمون له (ص380).

هكذا تم الانتقال من الانقلاب بواسطة جيش الشرعية اللبنانية الى الانقلاببواسطة الجيش الاسرائيلي. ﹼولكن تركت الفكرة الانقلابية بصماتها البينةعلى خطاب القسم المنسوب اعداده الى سجعان قزي. ﹰوليس غريبا ﹸان ينعتذلك الخطاب بأنه بمثابة اعـلان عن مشروع لـ”الاستبداد الدستوري“ (عباسبيضون،”الحياة،“ 22 تشرين الثاني 1992). يظهر بشير في خطاب القسمعلى انه منتصر في حرب لا فائز في انتخابات رئاسية. يعلن انه ادلـى مضمونخطاب القسم ”خـلال ثماني سنوات من المقاومة“ قبل ان يتلوه امـام النوابويـرى قـائـد ”الـقـوات اللبنانية“ ال ﹰـى نفسه مجسدا ”الأمـة“ وق ﹼـد تسلمت الأم ﹸـةﹶالدولة ”لأول مـرة“. ومن النقاط البارزة في ذلك الخطاب، اعـادة تعريف هويةلبنان على انه مشرقي ذو صلات عربية واعلان الرئيس المنتخب، وقد اتم انقلابهعلى الدستور والمؤسسات، ان معارضة الشرعية مرفوضة. فعلى المعارضة انتقف عند حـدود ”سـيـاسـات الـدولـة“ لا ان ”تـمـس مؤسسات الـدولـة“!(راجـعالنص الكامل لمشروع خطاب القسم،”الـنـهـار“15 ايـلـول 1992). هـذه هي النيات التي سماها العقيد جوني عبده ”ديموقراطية“ (ندوة ”الشاطر يحكي“ 23 آب، 2002).

يـقـدم الـكـتـاب فيضا مـن البيانات والـوقـائـع والاح ـداث والاجـتـمـاعـات والمحاضرالتي تدل ليس فقط على التلاحم بين ”القوات اللبنانية“ وموقع الرئاسة اللبنانيةوانما على عمق الدور الذي لعبته الشرعية اللبنانية ممثلة بالرئيس الياس سركيسوخصوصا من خلال مدير مخابرات الجيش آنـذاك، جوني عبده، في دعم بشيروتقديم الغطاء الشرعي لـه والتوسط لـه لـدى غير طـرف. والاهـم مـن ذلـك دورعـبـده ومـن ورائـه سـركـيـس فـي التحضير لـلـغـزو الاسـرائـيـلـي للبنان والتغطيةعليه.

فـي الـبـدء، قـدم بشير الاتـصـالات الاولـى لـجـونـي عـبـده بالاسرائيليين عـلـى انهااتـصـالات ضابط مسيحي قريب من ”الـقـوات“ لا بصفته ممثلا للدولة اللبنانية بلانه ابلغ ميندي، المسؤول في ”الموساد“ انه لو جرى الاتصال بجوني بما هو ممثلرسمي للبنان، فسوف يبلغهم بأنه لا شيء لديه يقوله لهم (ص 300) ولكن عندماسـأل اريـيـل شـارون خـلال الاجـتـمـاعـات التحضيرية لـلـغـزو، عـن الـضـمـان بـأن الـدولـة

اللبنانية لن تطالب بانسحاب القوات الاسرائيلية، اجابه بشير ”اني اتحمل شخصياالـمـسـؤولـيـة الـكـامـلـة عـن ذلـك. واذا كنتم تـرغـبـون، فـسـوف يعطيكم جـونـي عبدهالضمانة ذاتها“ (ص306).

فعلى عكس ما ادعاه جوني عبده في حلقة ”الشاطر يحكي“ لمارسيل غانم علىتلفزيون ”ال.بي.سي“ المخصصة للذكرى العشرين لانتخاب بشير الجميل رئيساللجمهورية (فـي 23 آب 2002) انـه لم يلتق الاسرائيليين بل كـان يجهز بيته فيالحازمية للقاءات بين ”القوات“ والاسرائيليين ويغادر قبل الاجتماعات. يتبين منالكتاب ان اتصالاته بالاسرائيليين لا عد لها ولا حصر وعلاقاته بهم تشمل كل كبيرةوصغيرة، من سياسية وعسكرية وامنية واستخبارية. كذلك يتبين ان عبده كانالشريك الفعلي لبشير ليس فـي العلاقة مـع اسرائيل وحسب وانـمـا فـي التخطيطوالتنفيذ لتسلم بشير السلطة. حتى ان شـارون عندما يعدد اتصالاته الـ52 التي اجراها مع ”القوات اللبنانية“ خلال تلك الفترة، يضع اسم جوني عبده مباشرة بعداسـم بشير على رأس لائحة من كـان يجري معهم المفاوضات من ﹼالطرف اللبناني(ص 442).

ونـعـلـم مـن كـتـاب مـيـنـارغ انـه فـي تـلـك الـلـقـاءات كـان مـديـر مـخـابـرات الـجـيـشاللبناني هو الاكثر الحاحا على الاسرائيليين بضرورة اقتحام بيروت الغربية بسرعةوالا فات الاوان. كما نعلم ان جوني عبده لم يكن يستبعد دورا ممكنا للجيش فيتلك العملية، لكنه اشترط ان يطلب منه نبيه بري ذلك باسم الشيعة (ص331).

خـلال الاجـتـمـاع يـوم 5 تـمـوز 1982 بـيـن الـفـريـقـيـن الـقـواتـي والاسـرائـيـلـي، اقـتـرح جوني عبده ان ينضم هو نفسه الى لجنة برئاسة صائب سلام تبحث في شكلياتخروج المقاتلين الفلسطينيين، ﹰوقدم تقريرا ﹼللمجتمعين قد ﹼر فيه عدد المقاتلينالفلسطينيين فـي بـيـروت الغربية ب ـ7000 مقاتل (ص 355). ﹸكذلك ك ﹼـلـف عبدهمـن المجتمعين بـالاتـصـال بـابـو عـمـار. ودار بحث وتـداول بين الطرفين الاسرائيليواللبناني في تنظيم عمليات اغتيال اسرائيلية او قواتية ضد القادة الفلسطينيين.وقد تابع عبده والجميل هذا الامر عن كثب. ويوم 8 آب 1982، استدعاهما شارونوسألهما عن مكان وجـود ابو جهاد. وكـان الطيران الاسرائيلي قد ضرب موقعينفي بيروت الغربية وشـارون يريد معرفة ما اذا كـان ابـو جهاد اصيب في اي منهما(ص391).

قرار اجلاء المدنيين الفلسطينيين وجرف المخيمات اتخذ ايام بشيرفي ما يتعلق بمجزرة صبرا وشاتيلا يؤكد الكتاب واقعتين معروفتين، ولو علىنطاق ضيق، لكنه يعززهما بسند المرجعية الكتائبية.

الـواقـعـة الاولـى هـي ان قـرار اجـلاء المدنيين الفلسطينيين بـالـقـوة مـن مخيماتبيروت، وجرف المخيمات، اتخذ ايام بشير ولم يكن قط قـرارا انفعاليا للانتقام منمقتله. هـذا ما يقوله بشير عن المخيمات في حديث مع شـارون:”قـراري بسيط…سوفنساعدكمعلىاجلائهم [الفلسطينيين]الىمقربة منالحدودالسوريةبحيثنستطيع طردهم الى دمشق حين تتسلم الحكومة اللبنانية الجديدة صلاحياتها.في المكان الذي تقف فيه الآن [يقصد مقر قيادة ”القوات اللبنانية“]، كان يوجدمخيم الكرنتينا، عندما سيطرنا عليه العام 1976، جرفناه بالجرافات. سوف يصبحمخيم صبرا في بيروت حديقة الحيوان الوطنية اللبنانية“. (ص333).

طبعا، لم يكن مخيم الكرنتينا يضم فلسطينيين، كان مخيما لفقراء اللبنانيينيضم عـددا مـن الـسـوريـيـن ومـن ذوي الجنسيات قيد الـدرس. كـل مـا فـي الامـر انعناصر مـن الـمـقـاومـة الفلسطينية شـاركـت فـي الـدفـاع عـنـه، مـع تنظيمات لبنانيةمتعددة، عندما حاصره مقاتلو حزب الكتائب، وتمكنوا اخيرا من اقتحامه وارتكبوافيه مجزرة موصوفة صورتها الصحافة العالمية وكتبت عنها. لكن الامر سيان عندالزعيم القواتي ومن ينحو منحى تفكيره الى الآن: الفقراء هم الغرباء ايضا!

امـا الـواقـعـة الـثـانـيـة، فتتعلق بـمـسـؤولـيـة ”الـقـوات الـلـبـنـانـيـة“ عـن مـجـزرة صـبـرا

وشاتيلا. يجدر الـوقـوف عند هـذا الموضوع لأن السنوات الاخـيـرة شهدت محاولةحثيثة لتبرئة ايلي حبيقة من المسؤولية عن تلك المجزرة وتلميع صورته لدى الرأيالـعـام والـرد على مـا ورد فـي كـتـاب ”كـوبـرا“ عنه خـلال مـقـابـلات تلفزيونية اجريتمـعـه. كـانـت الـتـهـمـة جـاهـزة لـدحـضـهـا. فـقـد تـولـى بـعـض الاع ـلام شـخـصـنـة مـجـزرةصـبـرا وشـاتـيـلا بربطها بـاسـمـي شـارون وحـبـيـقـة. والـدلـيـل الاتـهـامـي الـرئـيـسـي علىذلـك ان الرجلين شـوهـدا معا على سطح بناية محاذية للسفارة الكويتية تشرفعلى المخيمين. وهـكـذا فـاذا امكن نسف هـذا الدليل، يجري تبرئة هـذا وذاك منﹼالمسؤولية عن المجزرة! وهكذا حصل: على شاشات التلفزيون، اثبت حبيقة انهلا يعقل ان يكون شارون على سطح تلك البناية فقد كان يحضر اجتماعا لمجلسالوزراء الاسرائيلي في ذلك اليوم وتلك الفترة الزمنية. وفي ما يخصه هو، زعم حبيقةانـه لا يعقل ان يكون هو ايضا على سطح البناية لأنـه كـان طـوال ايـام المجزرة في”المجلس الحربي“ على الدورة يحقق مع حبيب الشرتوني المتهم باغتيال بشير. منﹴالأسف ان قطاعا لا يستهان به من الرأي العام اخذ بالتهمة كما جرى تقديمها مثلماأﹸخذوا بدحضها الكاريكاتوري هذا. فكأن القائد لا يمكنه ان يكون في مكان ويأمرجنوده او مقاتليه ان ينفذوا عملية عسكرية او امنية في مكان آخر!!

المهم ان كتاب مينارغ، يثبت ادوار القوى المختلفة التي تعاقبت على المخيمينعلى النحو الحاسم الموثق الآتي:

  • المبادرة الى دخول المخيمين، يوم 15 ايلول، كانت لوحدة عسكرية اسرائيلية خاصة من ”قوات الاستطلاع“(”سايريت متعكال“) مكونة من 32 عنصرا يرتدون الزي العسكري ولكن بلا شارات مميزة. وكان افراد تلك الوحدة يقتحمون البيوتوينادون بالاسم على المطلوبين بواسطة مترجم يتكلم العربية بلهجة غير لبنانية،فيخرج المطلوب فيردى ببرودة في رصاصة في قذاله. هكذا قضت الوحدة على63 مثقفا وكادرا فلسطينيا، رجالا ونساء. عرف بأمر الوحدة لأن قائدها الرقيب بني حاييم اصيب خـلال العملية فبادر ممرضه الـى نـزع سترته العسكرية ورميها بعيداخوفا مـن ان تتفجر الـرمـانـات اليدوية المعلقة فيها، فسقطت معها بطاقة هويةالرقيب العسكري فما لبث ان عثر عليها المحققون على ارض المخيم (ص 469 – 470).
  • عند خروج الوحدة الاسرائيلية دخلت الى المخيم مجموعة تابعة لجيش لبنانالجنوبي الذي يرأسه سعد الحداد يوم 16 ايلول، وكانت ترافق القوات الاسرائيلية النظامية الـتـي دخـلـت بـيـروت. ارتـكـبـت تـلـك المجموعة مـا ارتـكـبـتـه مـن قـتـل وذبـحوغادرت بعد ظهر ذلك اليوم. حتى ان ثلاثة من افرادها خرجوا من المخيم من مخرجغير متعارف عليه مـع الاسرائيليين، فاطلق عليهم الجنود الاسرائيليون الـنـار ظنامنهم انهم مقاتلون فلسطينيون، فقتلوا احدهم وجـرحـوا اثنين. واعـتـرف شـارونذاتـه امـام لجنة كاهان بالحادثة وقـال ان الثلاثة كانوا يرتكبون مجزرة في المخيم

(ص 474).

– على ان الـدور الاكبر في المجزرة كـان لعناصر ”الـقـوات اللبنانية“. فقد نقلتالـقـوات الاسرائيلية مجموعات مـن ”الـقـوات اللبنانية“ الـى مطار بـيـروت فـي اوسـعحشد لتلك التشكيلة العسكرية خلال الحرب. ثم دخلت عناصر منها مخيمي صبراوشاتيلا وارتكبت المجزرة فيهما بأمر من القيادة. فادي افرام القائد العام لـ“القواتاللبنانية“ هو الذي اصدر الامر بتحريك القوات والعناصر المسلحة الى المطار والىالمخيم، وقد تولى التنفيذ كل من فؤاد ابي ناضر، ابن شقيقة بشير الجميل وقائدالوحدات النظامية، وايلي حبيقة، مسؤول جهاز الامن.

وكان الدور الابرز في المجزرة لعناصر الامن الذين يطلق عليهم تسمية ”الهنود“او ”الاباتشي“. فمع ولاء هؤلاء الكبير لـ“القوات“ الا انهم كانوا يرفضون الانضباطالعسكري والانضواء في الوحدات النظامية. وقد رعاهم ايلي حبيقة واستخدمهملتنفيذ العمليات الـخـاصـة لمصلحة جـهـاز الامـن. وكـان هـؤلاء يـنـضـوون فـي ثـلاثمـجـمـوعـات: مجموعة بـقـيـادة جـورج ملكو، فـي حـي الـسـريـان، ومجموعتين بقيادةميشال زويـن ومـارون مشعلاني. ولـكـن لا يقتصر الامـر على ”غـيـر النظاميين“ فقدشـاركـت الـقـوات النظامية ايضا فـي الـمـجـزرة. يـوم 17 ايـلـول، وكـان القتل قـد بدأ فـي المخيمين منذ يـوم ونـصـف الـيـوم، طـالـب فـؤاد ابـي نـاضـر الاسرائيليين تزويدقـواتـه بجرافات لجرف صبرا وشاتيلا وتحويلهما ”حديقة حـيـوان“ تنفيذا لوصيةبشير الآنفة الذكر (ص487). وتأكيدا لأن المجزرة ارتكبت بعلم القيادة وبناء علىاوامرها، فقد انسحبت العناصر القواتية من المخيمين ومن ارض مطار بيروت بأمرمباشر من فادي افرام ذاته (ص 488-490).

ملاحظات متفرقة

ں دور ميشال عون:

واضـح مـن الكتاب ان ميشال عـون كـان اقـرب العسكريين اللبنانيين الـى بشيرالجميل. فهو واضـع اول مشروع انقلاب عسكري وهـو الـذي يـرد اسمه عند البحثفيمن يستطيع اقتحام بيروت الغربية، وهـو الـذي تولى على رأس قواته الاشـرافعلى ترحيل المقاتلين الفلسطينيين. والغريب في الامر ان عون، يعلن، في حلقة”بالعربي“ مع جيزيل خوري، ان مشروع وصول بشير الى السلطة نوقش معه لكنهلـم يكن يعرف بخطة لتنفيذ ذلـك، مـع انـه هـو واضـع اول خطة عسكرية – قواتيةلهذا الغرض.

مـن جـهـة اخ ـرى، عـنـدمـا كـان الـمـسـؤولـون الاسـرائـيـلـيـون يـلـحـون عـلـى ان تتولى”الـقـوات اللبنانية“ دخـول بـيـروت الـغـربـيـة، رد بشير بتفضيله ان يـتـولـى الجيشاللبناني تلك المهمة. والمقصود بالجيش هنا الوحدات العسكرية تحت امرة العقيدميشال عون التي تربو على الـ250 ﹰعنصرا، وفرقة المكافحة المكونة من 500 عنصر والتابعة لاستخبارات جوني عبده. ولا بد من القول ان ميشال عون، حسب مينارغطبعا، رفض تنفيذ تلك المهمة دون امر من قيادة الجيش.

ں يتضح من كتاب مينارغ الفارق بين فريقين من المستشارين:

فـريـق جـوزف ابـو خليل – كـريـم بـقـرادونـي، وفـريـق انـطـون نـجـم – مـيـشـال عـونوالعسكريين. الاخير داعية انقلاب ودولة مسيحية وعلاقة حاسمة مع اسرائيل. واماالفريق الاول (حسب مذكرتهما في كانون الاول 1980) فداعية تحويل المقاومةمن مسيحية الى وطنية بتأمين ”شرعية“ الياس سركيس الغطاء لها. وهذا الفريقمـن المستشارين كـان اكثر ميلا الـى تأسيس شـراكـة جـديـدة مـع افـرقـاء مسلمين،وإن تـكـن مختلة لمصلحته. فـهـو يـوصـي بالتحالف مـع ولـيـد جـنـبـلاط وحـركـة امـلوالمرابطون، مع ترجيح وليد جنبلاط من اجل ”تحرير“ الجبل.

ں ملاحظة ختامية:

لقد اغفلت عن قصد البحث في ”نظرية“ مينارغ عن اغتيال بشير الجميل التياولتها وكـالات الانـبـاء والصحافة الـصـدارة في تقديمها الكتاب. يقترح مينارغ انالطرف الرسمي السوري لم يكن له مصلحة في اغتيال بشير، وينسب العملية الىالاجـهـزة الفلسطينية الـتـي كـان حبيب الـشـرتـونـي مرتبطا بـهـا، مـوحـيـا بـأن سببالاغـتـيـال هـو ان بشير الجميل كـان مجتمعا بـشـارون عشية اغتياله لـوضـع الصيغةالنهائية لاتفاقية تطبيع العلاقات الاسرائيلية – اللبنانية. التعليق الوحيد الذيتستدعيه تلك ”النظرية“ هو ان موقف المؤلف هنا صادر عن تكهن، او عن تحليلفـي احـسـن الاح ـوال، لا عـن مـعـلـومـات. مـن هـنـا فـهـو لا يـقـدم مـا يستحق الاخـذ فيالاعتبار او التدقيق.

اما عن الاسطورة السيادية القائلة ان بشير قال لبيغن، الذي كان يصر على عقداتفاقية سلام عاجلة، انه اذا كان يعتقد ان المقاومة اللبنانية بذلت كل التضحياتضد السوريين من اجل الرضوخ للاسرائيليين فهو خاطئ فلم نعثر لها على اثر فيما ينقله مينارغ عن لقاء ناتانيا العاصف مع مناحيم بيغن يوم الاول من ايلول 1982 (ص423-431).

هامش:

(1) لا يخلو الكتاب مـن عـدد مـن الاخـطـاء، نكتفي بتصحيح اثنين منها، ﹼالاول يتعلقبـمـنـظـمـة الـعـمـل الـشـيـوعـي الـتـي يـعـرﹼفـهـا مـيـنـارغ بـأنـهـا تـروتـسـكـيـة مـنـشـقـة عـن الـحـزب

الشيوعي، فهي ليست تروتسكية وكان الذين غادروا الحزب الشيوعي اللبناني اقلية

بين اعضائها الذين ﹼتحدر القسم الاكبر منهم من اصـول قومية عربية. امـا عن النواب

ﹼالذين أمنوا النصاب لبشير ﹼوصوتوا له، فثمة اخطاء في المعلومات عن البعض منهم:ﹰسالم عبد النور ليس درزيا كما ورد، ﹰوانما هو روم كاثوليك؛ وفؤاد طحيني ليس درزياايـض ﹰـا وانـمـا هـو مـارونـي؛ كذلك يجب تصحيح اسـم النائب العضو فـي كتلة ريـمـون ادهليصير اميل روحانا صقر، ﹰبدلا من اميل رابانا صالح…

فوازطرابلسي

Themes
History Politics
Countries
Palestine Lebanon
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Warlords Lebanese History Lebanese Civil War Memory Palestinian Refugees Bashir Gemayel Sabra and Shatila Lebanon Book Review

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.