Back to Publications
Publications Book Reviews

Warnings Unheard in Their Time

1960s poems whose reading was deferred until after the siege. The warnings were there. No one listened.

إنذارات لم تسمع في حينها

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

في خريف عام ١٩٨٢ بلغني بالهاتف من باريس أن الصديق ابراهيم سلامة بعث إليّ برسالة بواسطة مطعم فيصل في رأس بيروت. لم يكن ابراهيم يعرف عنواني ولم يكن في عنوان معروف آنذاك. لم تصل الرسالة. بدا لي الأمر مفهوماً: كيف كان لها أن تصل الى بيروت النازفة [الجائعة؟]، المحرومة من الماء والكهرباء، المقطوعة عن العالم، انكفأت منها القوات الاسرائيلية الى المشارف بعد ارتكابها ـ والقوات اللبنانية ـ مجزرة صبرا وشاتيلا، لتجتاحها قوات [؟] تفتّش أحياء بيروت الغربية بناية بناية وشقة شقة بحثاً عن السلاح والرجال. في مطعم فيصل الذي لن يطول الوقت قبل أن يقفل أبوابه نهائياً، يتضاحك المدير إميل ويقول: لا رسالة ولا من يرسلون. هو صاحبك يعتقد أن مطعم فيصل لا يزال مثل أيام زمان؟!

عن بيروت «أيام زمان» يكتب ابراهيم سلامة في هذه المختارات من أعمال الستينيات: «قصائد من خشب» و«جنازة كلب». تشهد هذه التأملات في المدى المديني على تجربة شاملة، تجربة النزوح الحديث من الريف الى المدينة، وتنعقد حول نقطتي التصادم بين هذين العالمين: المرأة والمال (وهي تتأمل أيضاً في التباعد الحضاري والشرط الانساني والماورائيات: الله وارتياد الفضاء في آن معاً). من جبران خليل جبران الى «شعراء الجنوب» مروراً بإلياس أبو شبكة وفؤاد سليمان وخليل حاوي، شكّلت تجربة النزوح من القرية المعاناة المتجددة أبداً. وهو إذ يحمّل نفسه تبعات مزدوجة: تبعات من ينشر بواكيره، مضاعفة بتبعات من يجازف بنشر نصوص عن بيروت بعد أن صار في بيروت الذي صار، وصارت كل النصوص عنها متّهمة بالقصور والبكم.

أسارع الى القول إني لست أتفق وابراهيم في رؤيته للمرأة، وإن كنت متفهماً لتلك الاشكالية الرفيعة المُشيمة بثنائية الطهارة/الدنس التي تعاقبت على الارتطام بها أجيال من الشباب العرب. يعلن ابراهيم ليس بدون دهشة: «اليوم على [تقاطع؟] تستطيع أن تشتري امرأة بعشر ليرات». على أنه ليس يتباهى بذاكرة منتصرة، وليس يدعي بناء «أهرام» من الكلمات، ولا يبغي تأكيداً [لذاته؟]، وهو ذو الغربتين: المهاجرة والفلسطينية. لعله يعلن ببساطة أنه أحد ضحايا الشرط الذكوري العربي. لسوف تجده يسارع الى الاعتذار عن [فائليته؟] [تريشيكوفا؟] عمّا يرتكبه الرجل العربي بحق المرأة العربية. بيروت هذه النظرة للمرأة المحكومة بثنائية الموس/القداسة القديمة، تنتمي [الى عالم؟] رائدة الفضاء السوفياتية لبون [البوين؟]، وبل التكنولوجيا البروميثية الحديثة.

من التسليح العام للبشر والقيم يقول ابراهيم الكثير. في مدينته، يتجوّل المسيح الذي باعوه بثلاثين قطعة فضية ولا يزال يبيعونه قبل وبعد أن «تنذكّر» كل شيء في العاصمة اللبنانية. ويراقب أهل بلاده الذين أخذوا من السمك عادته: «كبيرهم يبلع صغيرهم وغنيّهم يدوس فقيرهم»، في «حريق [؟]» الذي يبدو الآن رؤيوياً، أو في «صلاة فقير» يستنزل الصواعق التي سوف تنزل فعلاً بعد عقد من الزمن على بناية ستاركو ذاتها في معارك حيّ الفنادق الشهير.

عن بيروت تروج الآن [أسطورة؟] منقلبة ومستديرة [نتّجه؟] الى ضمّ المدينة الى متحف الفراديس العربية المفقودة. لن يجد القارئ في صفحات ابراهيم سلامة صوراً براقة عن ذلك «العصر الذهبي» الذي عرفته العاصمة اللبنانية، بل سوف يلقى شهادة عن الوجه الآخر للمدينة إياها: وجه لازمها منذ أن كانت. المهم أننا في إزاء شهادة عن حاضر تقول أنه لن يدوم. والأهم أن هذه الصفحات عصيّة على الرجوع الماضوي المكروب «الى ما كان». فكأن «ما كان» كان بريئاً أصلاً من دم «الذي صار» وأمسى وأعتم. تحرّضنا هذه الكلمات على التأمل والتساؤل لا على التذكر والتحسّر. وأحسبها تستفزّ البعض على الأقل على رفض الانصياع مجدداً للعبة إياها: لعبة الاستدعاءات المتناقضة التي تُدعى إليها في أعقاب كل حرب أهلية (وقد شهد جيلنا منها حربين): «ما مضى مضى» و«العودة الى ما كان»!! فكأنه مكتوب علينا أن نحلّ المعادلة العبثية إياها: أن ننسى الماضي وأن نعود إليه.

لذا لن يُصرف النظر بسهولة عن هذه الصفحات بحجة أن كاتبها ينتمي الى تلك الفئة من المثقفين الذين لم يقدروا امتياز بيروت وحريات بيروت حق قدرها. وقد يقال «لكلٍّ بيروته» اختصاراً لحوار طويل حبذا لو [يجري؟]… بيروت وأندلسها! على أن ابراهيم سلامة يتحدث عن الذين لم تكن بيروت [لهم؟]. ولا يقولنّ [أحد؟] إن هؤلاء وباسم كثيرين لم تكن بيروت هم [؟]. إننا نقول إن بيروت العربي كملجأ ومعبر ومرفأ ومأوى وواحة، كتدمر وبترا وهونغ كونغ، الخ. ونحن الذين بتنا نعرف القاعدة: إما أن يتحول الشواذ الى قاعدة وإما أن تغتال القاعدة الشواذ. وقد اغتالت القاعدة العربية شواذها البيروتي. قالها محمود درويش: «لولا هذه الدول اللقيطة لم تكن بيروت ثكلى».

ثم إنه يصعب إقناعنا بفكرة المؤامرة و«حرب الآخرين» ونحن الذين يؤرّقنا السؤال: لماذا انساق الى هذه وتلك كلّ هذا المقدار من الناس بحماس وشهية. فلنتذكر: كانت الستينيات أيضاً فسحة للحلم في لبنان، الحلم بأن تكون لبيروت [وجه؟] آخر غير البطر والعمى والاستهتار ووجهها الآخر [من؟] الأهل. ولقد فوّتت بيروت فرصة (ولن أقول الفرصة) ل[تجديد؟] نفسها، فرصة أن تحوّل تعددية الطوائف الى ديمقراطية للأفراد المتساوين قانونياً وسياسياً، تنقل اللبناني من رقم مندرج في عشيرة وطائفة ومنطقة الى مواطن في وطن. فرصة أن تؤسس على الازدهار المؤقت بنية اقتصاد وطني إنتاجي راسخة ودوراً متجدداً في الاقتصاديات العربية، يقوم على أسس من مستلزمات الانتماء الى منطقة تخترقها الصراعات الوطنية والقومية وفي مقدمتها الصراع العربي-الاسرائيلي. ولكن كانت طبقة من الوسطاء متخمة بفتات الأموال النفطية تلهث وراء أعلى معدلات الربح بأسرع وقت ممكن ولا تحسب للمستقبل أي حساب، تتّكئ على طاقم حاكم يراكم العجز على الانتفاع والفساد. لم ينصتوا حتى الى المصرفي ميشال شيحا يحذّرهم: «ثمة مال ينبغي على اللبنانيين أن يمتنعوا عنه».

تعامى ممثلو تلك «السعادة اللاهية» عن الفقر الذي «إذا جاع يأكل الملك»، كما صاح الرحابنة وفيروز ولم يسمعهم أحد أو بالكاد، والكل يسعى الى جذبة السحر في الصوت الفيروزي.

[بيروت؟] الحداثة الاستهلاكية [تخلّت؟] عن كل ما يلحق بها [؟]… ما وقح: [نظام؟] كل [؟] أن [ينهم؟] ما لم تهضمه من مدنية.

وتريدوننا أن نظلّ نسبّح بحمد الاعجوبة اللبنانية ونمجّد اسمها! زمن الأزمات الكبرى يجري التضحية بنظام سياسي-اقتصادي وبالمرتبطين به من أجل إنقاذ شعب ووطن. والاعجوبة الوحيدة التي نقف فاغرين أفواهنا أمامها هي الاعجوبة التي قضت بإنقاذ نظام سياسي-اقتصادي (بل تأبيده) عن طريق إماتة وطن وشعب!

[ألا نخلص؟] من ابراهيم سلامة [بنتيجة؟] [؟] هذا الذي يسوقه هذا الكلام. إنه [ذاك؟]: إنذارات لم تُسمع في حينها. في شعر [واستعارات؟] ابراهيم سلامة قلق وخوف يافع نزل من قريته وضاع في دهاليز المدينة منذ أن وطأت قدماه «ساحة البرج». وفي سخريته وكفره ومرارته غضب من لن يغفر للذين خطفوا له القرية والطفولة.

Themes
Art & Literature
Countries
Lebanon
Published In
الناقد
Author
Fawwaz Traboulsi

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.