Back to Publications
Publications Articles

A Transport Crisis: The Funjissi's Observations in the Parisian Underworld

A new Fariyaq in the Paris Métro: eyes trained never to meet, discipline manufactured by modernity.

أزمة مواصلات (من مشاهدات الفوانجيسي في العالم السفلي الباريسي)

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

نص

١. مترو والعيون

البوابة الالكترونية تبتلع البطاقة الصفراء المحفظة بالنقي ثم تعيدها مهورة بدمغة آذنة بالعبور. المحطة على شيء من الازدحام والناس تدب كالخلدان في السلالم والسراديب. تتداقع وتتقاطع وتتحايد في المنعطفات ثم يمضي كل في حال سبيله. يحتشدون عند خارج الارصفة لعبور ينتشرون على الارصفة قبل ان ينتشروا كأنهم يقذفون امراً عسكرياً زُعِق بهم: إنتشر!

عاطلون عن العمل ذليلون، قابعون في أعل السلالم وإلى جانبهم قصعة معدنية وورقة مكتوب عليها: أنا جوعان. غجريات وقحات يتسولن بين المنتظرين على الارصفة مثلما تسول عادة الغجريات والاطفال متشبثين بالثياب المزركشة او بالصدور. واذا كان المشهد نفسه لا يكفي لاستدرار الاحسان، يمددن نحو المسافرين يداً تحمل ورقة كُتبت عليها عبارات الاستجداء بفرنسية ركيكة تقول ادفع او ادفعي او العوز. واول ما فاجأ الفوانجيسي انه نادراً ما تُعد يد بصدقة هُنّ. لعله السبب في دفعهم الى النشل، قال في سره، وتحسّس عفطه بحركة غير ارادية، لم تكن عارمة ولكن رغم ذلك وقاية.

موسيقيون. اكورديون فرنسي. بطاريات جاز. طبول افريقية. ثابت من بيرو يعزف عليها لاجئون سياسيون من اميركا اللاتينية. وكيانات بلا جنسية. في الحافلة يطالعك ملصق يحذرك من النشل والنشالين ويزوّدك بتعليمات متسلسلة لتفاديه. دوّت الصفارة. وانصفقت البوابات. تنحنح القطار ومضى.

وكان قد وصل الفارياق الى هذه البلاد في التهوّد في ذات ليلة ضباب، فكانت صورة مدينتين من رؤيا ما يُدعى(*) اقتصاص الغل، فإذا اصطبح أهل

الصمت. العيون. صمت العيون. تتوازى النظرات. تتحايد. تتقاطع في لمح البصر ثم تمّحي. تميد. تتحرف. تسقط في الفراغ. تنظر فلا ترى. والمهم ان لا تلتقي. ان لا ترتطم. فتكون الكارثة إذ ذاك بفداحة الارتطام بين قطارين.

النظرات قطارات بلا عطّاس. تتوازى وتتقاطع على غير ما مَسّ او يكاد. واذ تتلاقى يتدخل الكمبيوتر لقطع التيار.

كيف جرى تدجين تلك العيون الى هذه الدرجة الراقية من الانضباط؟ كيف امكن تدريبها عيناً بعين؟ هذا يحدّق بحذائه. وتلك دفنت رأسها في كتاب. أكيد انه رواية بوليسية. (الروايات البوليسية هي الكتب الاثيرة لدى النساء في هذه الحاضرة). وذاك يقرأ في صحيفة باهتمام لا مبرّر له، يلتفت يمنة ويسرة كأنه يدري ان الذي يفعله ليس هو ماما المطلوب. يعود للقراءة. هذيك، الواقفة، ليست تدري أنا كيف تتشاغل. تدّعي استطلاع خريطة سير المترو. وما شك في انها تحفظها عن ظهر قلب. حين ينعى واحدهم يحدّق بالسقف. حسناً يفعل. وآخر سالم يُطِلّ من النافذة في عتمة النفق. في البلد، ظننتُ يا فارياق ان الصمت فتنة في اللسان، يا كأن ايجابيي حُرمٍ اكتئبت أنهم قد وضعوا في الانفاق ما يشغل ايضاً النظر. وضعوا الاعلانات في الانفاق. ورفع لا يشغل بعضها ببعض. بالاعلانات ينشغلون. اعلانات على مدّ البصر، إذا فارقت اعلاناً داهمتك اعلانات.

هذه لا تكتفي بوضع سمّاعات السلكية الثقالة على اذنيها. تحوك الصوف ايضاً. وتحرك رأسها طرباً للموسيقى غير المسموعة… الا منها. في بعض المحطات، وضعوا اجهزة التلفزة حتى لا تضجر العيون فتنحرف وتتلاقى. حتى لا تنبه النظرات عن… الاعلانات. وقريباً سوف يستطيع كل مواطن ان يكون لديه جهاز تلفزة خاص به، انتجته شركة يابانية (بالطبع) يُحمَل في الجيب ويعمل على البطارية. وهكذا، فبعد الآن، لا عين تنفشع (إلا الاعلانات) ولا إذن تسمع ولا قلب يروّع.

أي كمبيوتر خفي جبار ينظّم حركة سير العيون بمثل هذه الكفاءة العالية؟ وبأية لغة صمّاء تلك اللغة، تبذر وتعجم وترطن على أنظمة «باسيك» و«باسكال» وما شاكلها؟

يسّلك يا فارياق. هو الجحيم كما صوّره فيلسوفهم جان بول سارتر. وجحيمه هو «الآخر» ومفتاح الجحيم عندهم… نظرة. وي. وي.

وفي مؤخرة الحافلة، رجل انكأ برأسه على كفه وأغفى. يبدو من ثيابه انه عامل.

ثمّ ناحت قصور الفوقت وقعت في اسواق الأدد وباريثت بأنها من الصنائع البديعة، والتحف العجيبة والآلات الغريبة والفرش والقيب والثياب، القاهرة والأواني المحكمة. علمت ان صنّاعها هم القائمون بالدنيا وهم منها محرومون. فإن دأب الصانع كدأب الفلاح من جهة انه يشقى ويكد النهار كله ولا حظّ له في الليل سوى إغماض جيب.»

الشقراء الجالسة قبالة الفوانجيسي ليست تدري ما الذي تفعله بفستانها القصيق القصير (يسمّونه «الميني جوب» في لغتهم لكنه ما فات صديقك اللورد صاحب «القاموس» فذكر انه الثوب الاثب، على وزن الاثم). ينحسر عن الركبة والرفغ حتى الفخذ وهي مُعِنّ به شدّاً نحو الاسفل. حائرة. تضع الساق على الساق. فانجدتنا، يا فارياق:

«إنّ بين الفخذ والب وازي سرة كبر واحدة ما بين فخذيها حتى حقب فدوها قدوه لعمري وفي اللزي ضمن من عيب صدرها يدرّ ما غنيت عنه اللآكر بلظهن. ومن من تحقت الذيل من قول ومن در. في يمتّ حال خاتمة سنايا وماج يكشف السّرّ الى ان افرغ أهلية ولحوب.»

عطة. يدخل شاب. وفتاة يتحادثان، مرعبان ما يكفيان. قهرهما الصمت. صمت العيون الصامتة. في صحن الحافلة كلور (صراصير، من الاجنبي: عرب وأفارقة وآسيويين. ومزيد من العرب. صبية افريقية قد تلفّست بكوفية عربية. تحسّر أخوك الفوانجيسي كيف الشباب كثير منهم يقبل على «الكوفيات» العربية. ذلك بأنّ تفسير ذلك يتم على غير وجه. قيل له، تفسيراً، إنها أرخص لقاعات الشتاء وأكثرها تدفئة. وقيل ان كل شيء يتحول الى «موضة» في تلك البلاد. وقيل بل هو تعبير عن تزايد التأييد لقضيتنا العادلة بعد حصار بيروت.

اقتصاد؟ موضة؟ دم؟ ليت شعري ما الصحيح، يا فارياق؟

عطة. خروج ودخول. تعلو الصفارة. تنصفق البوابات. كوفية عربية جديدة. حمراء هذه المرة. تتشح بها عربية اربعينية صبيها، دافئة مبتسمة بابتسامة أم حنون. وما بارحها الابتسامة الشاب العربي الجالس قرب الصبية الافريقية اخلى مكانه للوافدة الجديدة. استجلست وشكرته بهزة من الرأس. ها هي الكوفية الحمراء تجاور الكوفية السوداء.

اقتصاد؟ دم؟ موضة؟ ترى هل كان اخلى لها المكان لو لم تكن من بنات قومه؟ سؤال لم يطرحه احد. لكن نظرة احدهم كان يمكن ترجمتها على هذا النحو. وعلى جدار في محطة مونبارناس هذا الشعار: «إمنعوا تعريب فرنسا!» والسيد لوبين يدقّ ناقوس الخطر من الزحف الاسلامي العربي الجديد. يدعو الى اعادة العمّال العرب المهاجرين الى بلادهم. وان فرنسا للفرنسيين. وريّك، يا فارياق، جد لي من يحقق لنا تعريب العرب! طخ. طخ.

والآخرون هم الجحيم. ومفتاح الجحيم نظرة. وي. وي. والفرنسيس لا يحبون العرب. في استفتاء اخير في «الانسانية» صحيفة الداعين الى سلوك طريق الاشتراك (وناقل الكفر ليس بكافر)، وإن يكن منها دوماً بالكفر ان ٢٣٪ منهم يتزعجون إذا كان جيرانهم من العرب، في مقابل ١٣٪ فقط يتزعجون من جيرة الاسيويين. والجار قبل الدار. و٣٥٪ من الفرنسيس يرفضون مصاهرة العرب، في مقابل ٢٣٪ فقط يرفضون مصاهرة اليهود و٤٥٪ يرفضون مصاهرة الافارقة. عندكم في عشقوت او في الحدث كانوا يقولون في مثل هذه الحالة: ليسوا من مزاريجنا.

وعلى الجدار في محطة «مونبارناس» شعار لجماعة السيد لوبين: «امنعوا تعريب فرنسا» ولكن خلف ذلك الجدار ستلفى موسيقياً اعمى يعزف لك على الكمان اشجى الحان ألبينوني.

محطة. دخل شاب من الفرنسيس لا يزال ممسكاً بسيجارة مشتعلة. ارتفعت العيون الى اعلان منع التدخين كأنّها تتأكد من ان استهجانها في محلّه. ثم صُوّبتها إلى البد… وتساقطت البذار غنيّة على اللفافة والاصابع التي تحملها. يبطع الشاب البحدوي. تمّعن النظرات حادة غزيرة. لا كلام. صمت غريب. الفرنسيسي يفهم. تبدّلت تراكب كل النيكل ينعرق.

ذات العيون السود واقفة في مؤخر الحافلة ترقب نظرات المركزي الذي اخلى مكان لذات الكوفية الحمراء. يغود جحافل الميون ويراها باسمة ستنزلي. وذات العيون السود تبتسم وتنفض شعرها الفاحم. نظرة ثانية الى المشهد الحربي ثم تسبل رموشها. واخوك الفوانجيسي يتلو للمهداء: «ورمش عين الحبيب يفرش على خدالا». ثم يُغني: «ورمش عين الحبيب يفرش على مبيه» حتى يأخذ التجويد من أي شاعر الفرنسيس الكبير الذي سلك بعيداً طريق الانقراض: «ويداك القفازتان تهيمان على عيون تهيمة».

تعلّق الافريقية في أرضية الحافلة. عيون متعددة المصادر متحاجزة خلف الصمت والكياسة تواصل رجم يد الفرنسيسي الممسكة بالسيجارة المشتعلة. اليد مشلولة الآن. لن يقوى الشاب على حمل اللفافة مرة الى شفتيه. السيجارة تحترق. والدخان الازرق يتضرّع في الحافلة.

الفرنسيسي أنقذته المحطة. مزّع لفّة من لفافته ورمى بها على ارض الرصيف قبل ان تنصفق البوابة. صفارة. انصفقت البوابة. اخرج الفرنسيسي كتاباً من حقيبته واخذ يطالعه. يبدو انه طالب صيدلة. يبسم العربي قائد الحملة. كأنه ثأر لقومه على هزيمتهم في معركة «بواتيه».

الكانيكول. يسمّونه عندهم الكانيكول. موسم رياح الخماسين الهابّة من الصحراء. وما ادراك ما الكانيكول.

الصيف الماضي، في يوم قائظ الحرّ، تناول رب عائلة فرنسيسي وديع بندقيته واطلق النار من نافذة شقته على جمع من الفتيان يلعبون في باحة مجمّع سكني شعبي في الضاحية. فاصاب فتى عربياً اصابة قاتلة.

الكانيكول. وما ادراك ما الكانيكول. افقد الحرّ صواب الفرنسيسي فأردى الفتى العربي قتيلاً. وعلى محطات التلفزة لقاءات وندوات لتحليل الآثار النفسانية للكانيكول. والآخرون هم الجحيم.

وقريب البير كامو يكمّل جحيم سارتر. الصحراء العربية هي الجحيم. والعربي هو «الآخر». والفرنسيسي تزعجه الشمس فيصرع العربي.

يا شمس الكانيكول فيك العربي مقتول. في الصحراء العربية او الضاحية الباريسية. تقتل.

يتردّد، فتفتح ذات الكوفية الحمراء خطيبتها. تطويها قبلاً ان يتوقف القطار في محطة جديدة. وعند الاقلاع، تفتحها مجدداً وتتناول ما بين اوراق مطوية فيها بخشية. تمرّها باسمة. ترى واحد من المناشير التي قرأها قبلك، يوم امس. ثلاث خلال تظاهرات التلفزة عنها بالابتسالتين والباركسيين والصهاينة بتحريك «انتفاضة اخيرة في بلاده»؟ ام حوالى ايّلا الذي وزّع اعداد العمّال العرب في فرنسا يدعو فيه الى التظاهر احتجاجاً على القمع والاعتقالات.

وتبسّمت ذات الكوفية الحمراء وثنتيها تتهجّى الكلمات متمتّعة بنواطق عربية.

اقتصاد؟ موضة؟ دم؟

اقسمت فمه، يا فارياق. وما صدقوني. لكن أنا شاهدته. يعني بالعين. في حجرة قياس الثياب. أنا شاهدته في حلّ «نيومان» قرب «الاوديون». ملصق صغير من النوع الذي يسمّونه «ستيكر» وعليه الصورة. صورة جثث من مجزرة صبرا!

«تدرون عدد من الاخشب لرجال مطروحين في احد الازقة يرتدون سراويل «بلو دجينز». اقول لكم اني شاهدت «السنيكر». والصورة اكيد انكم تعرفونها. رجال قتلى في الزقاق بين البيوت مطروحين ارضاً ويرتدون سراويل «بلو دجينز». والسنيكر إطاره اصفر. اذكر ان إطاره الاصفر. عليه علامة «نيومان» التجارية (للسجلّة). وشعار «نيومان» على غرار اغنية محمد عبد الوهاب: «ما اقصر العمر حتى تضيعه، يا ارتداء الثياب الحريزية!»

محطة. جامعة جوسيو. العربية ذات الكوفية الحمراء تطوي البيان بعناية. تبتسم ووجهها لا يزال مُحمرّاً بالحُمرة. تدسّ البيان في حقيبتها كأنه ذخيرة مقدسة او رغيف خبز. تغادر الشقراء ذات الثوب الاثب. يغادر الفرنسيسي بطل حرب السيجارة. تغادر المدنيا ذات العيون السود. تغادر الافريقية ذات الكوفية السوداء.

يعود أخوك الفوانجيسي الى صحيفته. البارحة اعتقلت السلطات الفرنسية رئيس تحرير مجلة «فوتو» وصادرت آخر عدد من المجلة المذكورة، لأنه يحوي على صور مأخوذة بطريقة غير شرعية من رباط الشرطة. هي صور اشلاء جثة لطالبة هولندية قُتلت في ظروف فاجعة في باريس في حزيران (يونيو) الماضي.

باريس، حزيران (يونيو) ١٩٨١: الطالب الياباني بساني ساغاوا يقتل صديقته الطالبة الهولندية. يقطع الجثة بواسطة سكين كهربائية ومن شرائح لحمها يعدّ أكلة الـ«سوكرياكي» اليابانية الشهيرة. على مدى خمسة ايام ظل يأكل من لحمها، وخاصة لحم الشفتين والنهدين، نيئاً ثم طهياً. وفي اليوم السادس، ألقت الشرطة القبض على ساغاوا في غابة بولونيا وهو يهمّ بدفن الجثة المقطعة الاوصال. موضوعة في حقيبتين جلديتين.

صحيفة «لوموند»: «يا بساني ساغاوا كيف سوّلت لك نفسك ان ترتكب مثل هذه الجريمة؟»

«وهي رغبة جارفة لا تقادم تملك البيان». بان أن اخرج فيلماً عن الجريمة الطقسية. الياباني الشرقي قصير القامة تحيّلق وجهه بدائرة قانية سيئة المنظر. هيم الرجل الشرقي حباً بالشقراء الغربية الى حد قتلها وأكل لحمها. سوف المبنى للمعبأنة… «بل يدور البطل».

ماذا يفعل احدهم اذا النقل بيان سيئوده وبين شيء لذان فإذا وصل بليل؟ يضع اعلاناً في صحيفة «ليبراسيون» في زاوية «اللقاءات»:

«بلاس ديتالي. الخميس في ١٧ كانون الثاني ١٩٨٤. حوالى الساعة الرابعة بعد الظهر. الاتّجاه: الى الاوبرا. كنت واقفة في مؤخرة الحافلة. وكنت جالساً في صحنها. أنت ذات العيون السود والرمش الذي يفرش على ميّا. وأنا الحنطي لي شارب وأرتدي سترة جلدية. أريد أن أستزيد من مطر العيون السود. إن كنت ملبّية، اتصل على الهاتف رقم ١٧.١٤.٨٤.»

واغلب الظن ان المشرف على تحرير باب «لقاءات» سوف يعنون الاعلان: «بلاس ديتالي». أنالك.

ويقولون لك إن باريس فوق الارض شيء آخر. متحف اللوفر. عقبة مونمارتر. الحي اللاتيني ونهر السين يقطر كالأمير بين اجمل عبارات الارض. الجلّاس في المقاهي. وبرج ايفل في الليل ذهب مشغول.

يا باريس، يا باريس.

وهكذا يا فارياق: نبحث عن الفرد فنجد الفردية. نبحث عن حرية الفرد فنعثر على وحدته. ثروم الديمقراطية بدأها الاستهلاك.

٢. قطار الشرق السريع

قطار «الت. جي. في» السريع بين باريس وجنيف. حاخام يهودي وزوجته وطفلتان، حجزوا ثلاثة مقاعد فقط. الزوجة منشغلة بقراءة… هايدغر. والحاخام غارق في مبحث ضخم في الفقه العبري. غريبة الفراسة الشرقية. لا تخطئ. كلاهما أحسّ منذ الوهلة الاولى بأن الجالس الى جانبه هو «الآخر». أباه… شيء من الانقباض يعزّز الميل الى الانغماس في المطالعة. الطفلة التي لا مقعد لها تجلس في حضن ابيها وتشيح بأتجاه «الآخر». يزجرها الأب. بين وقت و… آخر، حرصاً على راحة الجار. وإذ يخرج هذا لتدخين سيجارة، تحتل الطفلة مقعده.

بعد الانتهاء من السيجارة الاولى. لاحظ «الآخر»، ان الطفلة لا تزال عَمَلة له المقعد. تشاغل بالحديث مع السالخين الاسرائيليين. تزايد النزول في «كولوز» وتسألان عن موعد الوصول اليها. ليس يدري لماذا سمع وكامد الدرّه. وكامد الورقة فيها قانية. ثنيا شهداء، وقهيا آثار قديمة. وبعد يَعَذكرَ هذا كان لا يزال قبيماً لهز.

لا تزال الطفلة عَمَلة له المقعد. بعد السيجارة الرابعة او الخامسة، سرّح اليه الخاتر: «أرجو ان تلك. ليست بأنها لأنّ الطفلة عَمَلة لك مقعدك. تستطيع العودة الى مقعدك متى تشاء. الطفلة عَمَلة مؤقت. خطر في بال ان يقول: «وهكذا الأمر دوماً معكم. الاحتلال دوماً بحجة الأطفال ودوماً مؤقت.» لا ان صاحبك الفوانجيسي كائن مهذّب ويتحاشى دوماً التعميم من الخاص الى العام. على ان هذا لم يمنعه عن ان يشعر بذاك المقعد على قطار الشرق السريع يتّسع ويتّسع حتى صار الجنوب وصار البقاع العربي وصار راشيا. إنّسع المقعد وضاق منه الصدر. وأيقن انه، حتى في هذا المنفى المنقّل، كائن تحت الاحتلال.

٣. إضراب المواصلات

ـ ذاهب الى باريس؟

سأله جاره في الطائرة القادمة من دجيبوتي وجدّة.

ـ نعم الى باريس.

ـ مشكلة كبيرة. يبدو ان سائقي النقل البرّي مضربون وقد قطعوا السير بين مطار رواسي والعاصمة.

ـ ما مطالبهم؟ سأل بحكم المهنة والالتزام.

ـ … أمس خابرت باريس ويبدو ان الوصول من المطار الى المدينة يستغرق لا اقل من ثلاث ساعات.

ـ ألا تعتقد ان الخلاف قد حُلّ اليوم؟

ـ اخشى ان لا.

وناوله الصحيفة: المفاوضات جارية بين نقابات السائقين وبين وزير النقل الشيوعي، شارل فيترمان، ولكن دون التوصل الى اتفاق.

قل لي وريّك، يا فارياق، لماذا الشيوعيون يتسلمون دوماً وزارات المواصلات، في باريس كما في دمشق وبغداد؟

طمأنه سائق التاكسي انه يعرف كل الطرقات الجانبية الى باريس، وانها لواصلات اليها بأسرع مما يعتقد. عند التقاطعات بين الطرقات الفرعية والطريق العامة، تمّت شاحنات ضخمة تسدّ مداخل الاوتوستراد تقف الى جانبها جموع من السائقين الضخام المُخل، يرتدي العديد منهم السترات الجلدية. ويتحركون صياح بما لا ساخق الأوبيرو الصخرة ليست بال شيئة مطالب زملائه للمقرّرين. كانوا قد قطعوا شوطاً في يال شيئي من العربي.

ـ ما الذي جاء بك الى فرنسا؟ الفلوس هي التي جاءت بي الى فرنسا. ماذا تحفظ عندنا يقول: «ذالّا عنده فلوس، كلامه مسموس». من يسمع للفقير، قل لي من؟

ـ أحياناً الفقراء يسمعون بعضهم لبعض فيكون امر عظيم.

ـ هم جاؤوا بنا الى فرنسا. يدّعون لا يكون هم عمران. من يشتغل هم مصانعهم؟ من يكنّس لهم الطرقات؟ من يعمّر المجارير؟ من يردم المخافر ويدمّ الحفر. انهم قوم من الكسالى يأنفون الاعمال اليدوية. لقي استعشر سنة في هذي البلاد. هل أحب العيشة هنا؟ كيف، كيف. أنا باقٍ لغيّة على كل حال. الى متى؟ ما ادري. لكني قاعد على قلوبهم قد ما قعدوا على قلوبنا.

ـ في الجزائر قعدوا مئة وثلاثين سنة. كم قعدوا في المغرب؟

ـ ما ادري. عشرين، ثلاثين، خمسين، مئة سنة. ربما اكثر. أنا قاعد قد ما يجي لي. بعدها؟ اعود الى فاس. فاس الجميلة. افتح باراً او مطعماً وأشرب وأغني واعيش مرتاح البال. هل زرت فاس؟

لم اكن زرت فاس. فهمت ان الغناء هوايته ومتعة حياته. مع انه يُبرع بإسماعي تغريده.

ـ أنت من لبنان؟

تصمّمت لأني لعدم سماع ردة الفعل. فقد حفظت العبارة الاولى عن ظهر قلب واستطيع عادة ان الحنّ الثانية والثالثة: «حلوة لبنان. شمس وتجارة. لكن يا خسارة فيها حرب».

قل لي، يا فارياق، لماذا العرب تؤنّث لبنان، من سائق التاكسي المغربي الى الحاكم العربي؟ أهو بسبب جاله المفترض؟ أم لأن شقيقته تفعل به كل هذه الأفاعيل؟ «لبنان. مسكينة لبنان. حديقة بستان».

قالها رئيس عربي للوفد اللبناني ثم ضرب بكفه على نعله: «عرب! كندرة. نعال… مسكينة لبنان. حديقة. بستان».

وكانوا قد نصحونا ان لا نبّه كثيراً لأقوال فسيادة الرئيس. المولع بالشعر، مريض وعلى شفير الموت.

هكذا حالنا الآن يا فارياق: عرب شامتة وعرب شائبة. عرب مشتومة وعرب مشمون بها.

ـ في لبنان عندكم مغنية صوتها حلو.

ولمّا كنت اتوقع السؤال، كان الجواب جاهزاً: ـ فيروز.

ـ إي. فيروز. قل لي فيروز هذي نصرانية او مسلمة؟

ـ إذن هي رومية.

ـ لا ما هي رومية. هي عربية.

ـ نصرانية وعربية؟

ـ عندنا مسيحيون عرب. ومن أجل المزيد من الدقة العلمية أردفت: عندنا المسيحيون عرب.

ـ تصوم وتصلّي فيروز هذي؟

ـ تصوم وتصلّي.

ـ كيف تصوم وتصلّي وما عياش مسلمة؟

ـ تصوم وتصلّي على دينها.

ـ إذن هي رومية.

ـ لا هي عربية. مسيحية وعربية.

ـ ما كانش.

ورغم ازمة المواصلات وصلنا باريس بسرعة.

٤. الفقر الجديد

«سيداتي. سادتي. لست اريد ازعاجكم. ولا اريد منكم شيئاً. اريد فقط ان اخبركم اني عاطلة عن العمل. أنا بلا عمل منذ شهور طويلة. قد تساءلون كيف اعيش؟ لعل بعضكم قد حزّ».

ما ان انصفقت بوابة الحافلة بعد صفارة الانذار، حتى لعلع صوتها. كانت تلقي مداخلتها بسرعة ولكن بجرأة وثقة اكيدة بالنفس. بدت بدينة بعض الشيء. شعرها اشقر مشعّث وفا وجه كوجوه الاطفال وتنتعل حذاءً رياضياً.

«Je fais de la manche. ليس من اجل المتعة. سيداتي سادتي. ولا لجمع الثروات. كل ما اريده هو ان اجد لي عملاً بأسرع وقت. والآن اريد منكم ما مجموعه عشرين فرنكاً لأخيرة. قد تتساءلون ما الذي سوف أفعله بالفرنكات العشرين؟ ببساطة: سوف أبحث عن مسكن. واطلب عملاً. وإذا ما تبقّى في بعض من نقود أسدّ بها جوعي. أشكر سلف السيدات والسادة الذين سوف يساعدونني.»

ما كاد الركاب يسنّون بالالتفات جهة الصوت، حتى أمر يطلب منها طولاً لدى الكثرو. الذين كانت قد انهت كلامها واعلنت تندفع بقصعتها نافيةً الايدي ممتدّة الى الجيوب والحقائب ورغم الاعلان الرسمي الذي يقول: «من أجل راحتكم، التسوّل وأمثال النشاط المنزلي غير مرخّص في عربات المترو. فلا تشجعوها.» أهلوا لها بأحسن ما يقبل في عربات المترو. كثيرون ابتسموا لها. وهذا ليس بالأمر البسيط في هذه البلاد حيث ان تبسم لشريدة شحّاذة بطّال (عن العمل). لم يكتفوا بخرق التعليمات بل ان واحدة الى المترو فالتفت ايضاً: ماما على ماذا التشجيع؟ هل لها تمارس المهنة التي تمارسها أم بمثابرتها وبلاغة مداخلتها؟ كأنّما سلك كهربائي لسعهم بشحنات من الحنان والتضامن. شحنات عزّتهم هنا للحظات ثم انقطع التيار. فعادوا الى سابق عهدك بهم: الصمت وزوغان النظرات. على ان الفتاة كانت اختفت بمثل السرعة التي بها ظهرت.

ألست أخشى عليك يا فارياق ان صاحبك الفوانجيسي تأثر لا تأثّر لذلك المشهد. أهكذا إذن؟ حقاً يوجد ذلك «الفقر الجديد» الذي تتحدث عنه وسائل الاعلام منذ اسابيع. فما كان منه إلا ان نقدها بدل الفرنك الواحد فرنكين اثنين. ليس من قبيل الكرم العربي. فهو عادة يرفض الاحسان وله في ذلك ريّات تقوم على تمنية تنمية الحقد الطبقي لدى الفقراء، ورفض الوظيفة التنفيسية للاحسان. لكنه أمر يطول شرحه. المهم انه نقد الفاء الفرنكين تنكيلاً بحكومة الاشتراكيين! ماذا بقي لهم من الاشتراكية؟ يعلن رئيس وزرائهم ان عدد العاطلين عن العمل سوف يبلغ المليونين والنصف عاطل عن العمل قبل نهاية العام. بدأوا عهدهم بالوعود: وضع المخيّلة في السلطة والتغيير، لا تغيير الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية ويحسب بل تغيير الحياة ذاتها! وها هم يسرّحون العمال بعشرات الألوف. ويضعون المخيّلة في خدمة رأس المال. ويوازنون ميزان المدفوعات بواسطة مبيعات السلاح للمقتلة الإيرانية ـ العراقية. وكل ما نجحوا في تغييره هو وجه الفقر. تخ. تخ.

بل قل لم يفلحوا كثيراً في تجديد الرأسمالية فجدّدوا الفقر. وهذه التي كانت أمانا مثل أولئك «الفقراء الجدد». ولعله سبب تعاطف الناس معها الى ذاك الحد. فكل جديد له رهجة في هذا البلد، حتى الفقر. من جهتي، لا اخفي عليك أمراً: هزتني عبارة Je fais de la manche. ومن غيرك أستعيد وصفه؟

وأنا استعيد هذا الجسد الرياضي البدين وذاك الوجه الطفلي الطافح بالصحة والعافية والخدود الحمراء كيف لهذه المسكينة ان تحدّ زنابقها بذاب الشهوة والاستهتار. وحسبتني في نفذي ايها الفرنكين أنّي أنقذ حياة بشرية من حبائل الرذيلة.

وكم قرأتي من بنت حيلت اول مرة من بنات شوطها في ميدان المجر. ثم لسقطت جنيناً حول المجر، وإن بين في تلك طرق المدينة في ليالي الشتاء الباردة تدمح سري. او لرأيت ميع بين اوهلت فراشاً واحداً وما هي بمستفيقة. والم تعذب من فراشها. وكيف بقيت في الفراش إلا ليسعد رجل واحد. وي رجل. قد يكون له قلب ولا اربعة. ويد ولا عمل. درس ولا رشيدة إلا وسخا.

اقتضى الامر ان اعود الى كلمة Je fais de la manche فهذه ليست تعني ممارسة اقدم مهنة في العالم بل مجرد التسوّل. لم تك المرأة عاطلة. كانت عاطلة عن العمل. فيخ بخ على سذاجة تلميذك الفوانجيسي.

خرجت عتلة الفقراء الجدد. كانت فتاة تشتري في زجاج البوابة. وعلى البوابة ملصق عليه صورة أرنب عذرك: «إيّاك ومدّ اليد ببنيا البوابة مفتوحة. فقد تُقرَص فرصة موجمة جداً!»

٥. الفقر القديم

كان مكوّماً على المقعد. انتصف جذعه الى امام حتى لامس صدره فخذيه. يرتدي سترة جرباء بات لونها خيراً ما بين رمادي وأزرق. يدلّي رأسه بين رجليه الى درجة انه كاد ان يلامس ارضية الحافلة. لا يأتي حراكاً. المقعد امامه لا يشغله احد. وإلى جانبه عجوز تجلس عرجة متذمرة. عجوز ثانية تجرّأت على الجلوس على حافة المقعد المقابل. الدليل الوحيد على انه لا يزال على قيد الحياة هو قفصه الصدري يعلو ويهبط بحركة تنفسه البطيئة. وعلى السترة تسرح وتفرح الحشرات من عثّ وقمل وصيبان.

انقضت دقائق ثقيلة قبل ان ادرك ان الرجل تنبعث منه رائحة كريهة لا تطاق. أخذت تضيق منها الصدور. وكأنّ الانفراج مؤقت عندما افتتحت البوابات عند المحطة وتسللت نسمة باردة الى الحافلة المكتظة. تمتمت العجوز الاولى عبارات مبهمة. والعجوز الثانية الجالسة قرب الكلوشار أدارت ظهرها ورفعت حاجبيها استغراباً. تبادل آخرون نظرات خاطفة غنية بالمعاني. دخلت أسيوية سُرّت لأنها وجدت مقعداً فارغاً فاندفعت مسرعة لاحتلاله والقوم ينتظرون ردة فعلها. تنحنح الكلوشار وكاد ان يعي عليها فغادرت المقعد مذعورة. والعجوز تسأل أين هي محطة جوسيو. إنها المحطة التي تلي المحطة القادمة. بَرّع أحدهم بإبلاغها.

فجأة استقام بعض الشيء فبان رأسه. وجه خمري متفخ تكسوه لحية وعينان تاعستان. وشعر شائب، وجبين منغضّن بطريقة غريبة. تدلّت احدى يديه فحركها ببطء نحو زجاجة الخمر على الارضية. لم يطالها. استقام ببطء. وأخذ يدكّ ظهره وعنقه ابعد ناطور وعنوداً. فسّرت مهمهمة هي مزيج من الارتياح لأن الكائن على قيد الحياة ومن الاستنطاع للمنظر. ان لا يزال متحنياً ثم عاد فتكوّم كأنه لم يقو على الاستقامة.

شعر الفوانجيسي بالحاجة ان يبذل الاكثرين اللذين يريد المشعور بقيمة. كانت النتاه يتددق الموقفون بين أيهم وسبابة اليد الراتجة المنعجة ببنين قفلت منها فتحات البوابات في المحطات. غادرت العجوز واحتلت الأسيوية مكانها. جلست تاكئة رأسها الى قبضة يدها المركوزة على ركبتها تفرك عينيها بأسى وعدم تصديق. ليست تدري أتعبس أم تبتسم. فتكتسب ملامحها مسحة من الحيرة الشديدة.

همهم الرجل المهفهف يرتدي ممطفه الكحلي، وطقيته الكحلية، ومعلقه الاصفر، والصحة الطافحة على وجهه: «رمّة. أية رمّة!» ولمّا عاد الكلوشار يحاول الاستواء غلبت إمارات الارتياج على الجلّاس قربه. إلا الرجل المهفهف الواقف في صحن الحافلة ظلّ رانياً شاتماً. «رمّة. أية رمّة!» وعقّب في هذه المسألة. وتمتم بعبارات أخرى ابتلعتها ضجة القطار. حرّك الكلوشار يده لحكّ ظهره فحُتت أيله. امتدت هذه ثانية لتناول زجاجة الخمر فأخطأها فانقلبت أرضاً وتدحرجت تحت المقعد. اقلع من المحاولة. المهم عاد فسقط جذعه نلامس فخذيه وتوارى رأسه مندلياً بين رجليه وتكوّم.

تصاعد التوتر بين القوم. الأنظار المنشدّة الى الجسد المتكوّم تخشى ان يصيبه شيء. أو يقع على أرضها. فيضطرون الى تجدّته.

ـ يجب منع أمثاله من ارتياد المترو… قال الرجل المهفهف بحنق. ورمّة. انه حامل مكروبات. الكلاب خير منه وأنظف. حامل مكروبات. رمّة…» وزمّ الرجل المهفهف شفتيه. وكان لسان حال جميع الصامتين…

ويقولون لك ان باريس فوق الارض شيء آخر. متحف اللوفر. عقبة مونمارتر. الحي اللاتيني ونهر السين يقطر كالأمير بين اجمل عبارات الارض. الجلّاس في المقاهي. وبرج ايفل في الليل ذهب مشغول.

عرض ازياء

… هذا وقد اختصّت نساء باريس بصفات لا يشاركهن فيها احد من نساء الاوروج. ومن تلك تغيير الزي في كل برهة وحين. فلتشي سائر الناس قبل ليست احداهن ملا حبياً او حرقت ثوبها لمثت الناس حبّ ذلك الثوب وصار حرقتُ سنة بيهم. ومبين وفيض. أيضا تقصيب الشعر ونسبه وتسريحه وتقصيبه وتضفيره وتطويره وتجعيده وتصفيده وزرائه وتشكيله كرفه وكأنما وجهه. وإذا وجدله وثقبته ونقبته وسنط الكلمة والقاعة فشت ما لو ثوبة او فرو مشية كربها او سيلاً. ومن تلك ان تقطول ترخيهن على مواضع الراس حسين كل مكان انه [؟]. في الاسواق شيور وفوي دوقيل وتقطع وتفكك. واذا دلّت دولا صاحب القاموس كالمن يعرف اليدكي وانبي ورنيكي واكفريل وريدن والقدى وقرهامن ضروب الوقص حتى كتب أزمتها مما هنا في حقّ الانثيات في باريس. ومن ذلك تمكنّهن على الرجال وتعزّرهن عليهم في كل حال وبأيّ. زي طرجل إلى لمولى بين رجليها. واذا عدا فحوال الفا ثمة فادحي الى [؟].

خلعت مارسيل بيشون ان بينها تلك الليلة، وكعبها تاريل عرضة ازياء سابقة من حياتها. فتاة هي الآن متقاعدة في الخمسين من عمرها تعيش حياة وحدة وعزلة. وقد صمّمت في تلك الليلة من أواخر الصيف ان تضع حداً لعزلتها والوحدة. توقفت عن الأكل وظلت تعاني سكرات الموت خلال اربعين يوماً بأكملها فيما هي تدوّن يومياتها يوماً بيوم الى ان فاضت روحها يوم السادس من تشرين الاول ١٩٨٤. وآخر ان جثة مارسيل بيشون لم تُكتشف الا بعد مضي عشرة اشهر كاملة وقد باتت هيكلاً عظمياً.

تعليقاً على الحادثة، صرّح مسؤول في الشرطة ان مثل هذه الحالات ليست بنادرة في تلك البلاد. فمئات من البشر يموتون وحيدين على هذا النحو ولا يفطن الجيران لهم الا بعد ان تسمّ رائحة النتن لا تطاق. ومع ذلك ليس الرائحة هي التي اثبتت بأن مارسيل بيشون قد أمست هيكلاً عظمياً. ومضى الناطق باسم الشرطة يقول انه في بعض الاحيان تكتشف الجثة وقد نبش الكلب او القط الاليف لحمها.

هامش احصائي

ـ مجتمع الحيوانات الاليفة يربو على الثلاثين مليون بهيمة.

ـ تلتهم من الطعام سنوياً ما كلفته ٢٢ مليار فرنكاً فرنسياً، أي ما يكفي لتنمية بلد متوسط الحجم من بلدان العالم الثالث.

ـ يومياً تلقي الكلاب على ارصفة باريس وحدها بعشرين طناً من الروث. يتزحلق عليها الالوف. حتى ان ٦٥٠ من المتزحلقين تستدعي اصاباتهم المعالجة السريرية في المستشفيات.

ـ أنشأت بلدية باريس الممتازة مفرزة خاصة مؤلفة بواسطة الدراجات النارية مهمتها الوحيدة رفع روث الكلاب يومياً من على الارصفة. كلفة رفع الكيلو الواحد من الروث الثمين ٦٠ دولاراً فقط لا غير (معاش شهري لعامل في لبنان المدلول).

ـ يتعرض الفرنسيون لخمسة ملايين خمشة قط في السنة، وانصف مليون عضة كلب. منها ٢٥٠ ألف اصابة تستدعي العلاج في المستشفيات التي باتت تفرد اقساماً خاصة بالجراحة التجميلية الناجمة عن الخمش والعض. وتقول الاحصائيات ان سعاة البريد هم الضحايا الاكبرون للكلاب: إذ يربو عدد سعاة البريد الذين يتعرضون لنهش اتفيتهم سنوياً على ٣٥٠٠ ساعٍ.

محطات لتنظيم الفرقات

كان جالساً الى المقعد ينتظر المترو. وكانت جالسة قبالته على مقعد في الرصيف المقابل، تنتظر المترو السائر في الاتجاه المعاكس. رفع نظره من على الجريدة ونظر اليها. التقت عيناهما. ابتسم فنما. لاح له مطلع ابتسامة. وجّه ابهامه الى صدره ثم وجهه اليها. إذذاك، تأكد من انها تبتسم. وجّهت ابهامها الى صدغها وقلبته. يمنة ويساراً. (أمجنون أنت؟) هزّ رأسه ان بل. ثم كرّر الحركة: الابهام الى صدره. ثم وجهه الى السكة الحديدية الفارغة. وثمّ بأتجاهها هي. قهقهت. ألقت ساقاً (في البلورجينز) على ساق. تفقّدت رأسها نحو اخدود السكة. وهو يحدّق بها. لن يتحرك واحد من أولئك الواقفين على هذا الرصيف أو ذاك. انهم مدجّنون التدجين اللازم الا يكترثوا. ان يتجافوا كلّ ما هو غير مألوف. ان يضبطوا ردود افعالهم. فتأتي دوماً متأخرة. قد يتحرك واحدهم الى جهاز الهاتف الموصول مباشرة برئيس المحطة لإبلاغه: وما شأني أنا. هذا أمر لا يعنيني.

ها هو قد اقتعد حافة الأخدود. كيف يمكن لرجل ان يلفت انتباه صبية في المترو بغير هذه الوسيلة؟ كيف يعبّر لمجهولة بأنه يرغب فيها؟

صاحت: لا. لا. لا تفعل. فقفز متحاشياً ان تطأ قدماه الاسلاك الكهربائية المدودة على جانبي السكة. لا. كانت تصرخ. لا تفعل… عندما دخل القطار المحطة كان قد عبر السكة من جهته. تراجع خطوتين الى خلف. هل سوف تستقل قطارها أم تنتظره؟ لمحها تلج البوابة وتتقدم من النافذة جهته. صغّر القطار. انصفقت الابواب وهي تبتسم له وتلوّح مودعة فيما كان القطار الثاني يتقدم مسرعاً الى الرصيف المقابل.

في مترو شاتليه

وختم الفارياق وصفه لباريس قائلاً:

«…وهي لا تقول ان الفرنسانية الدالّة سَنَطاً الى البيان، والزمهم الى السَعِف. وذاكها ايهم الى الفنة الكبرى التي حلقت. في سنة ١٩٤٣ اقتادوا امرأة عريقة على مدبح اد الكاني وسجّدوا قصّع لتسلك لسلك [؟] القارئ كيف تكون الرجال والنساء في هذه البلاد ذبة لياقة في ليالي الشتاء الطويلة.»

أيّها يا فارياق، لو أنّك تدري.

باريس صيف ١٩٨٥. في عزّ آب، يوم الأحد العشرين منه. السادسة والنصف مساءً. محطة مترو شاتليه اكبر محطات المترو الباريسية. الناس تدبّ كالخلدان في السراديب. تتداقع وتتقاطع وتتحايد عند المنعطفات ثم يمضي كل في حال سبيله. يحتشدون عند خارج الارصفة لعبور ينتشرون على الارصفة كأنهم يقذفون امراً عسكرياً زُعِق بهم: إنتشر!

وغجريات وقحات يتسولن بين المنتظرين مثلما تتسول الغجريات… وملصقات تحذّرك من النشل والنشالين. واعلانات. وحرّ ومَرَق. والثياب تنضح بالعرق. ويقع العرق على القمصان تحت الاباط. وشابان يختصبان فتاة في احد السراديب، وهي تقاوم وتستغيث. والخرّ. والعرق والاعلانات.

«باريس ٢٠ آب ٨٥. إن أحداً لم يحرّك ساكناً. إن أحداً لم يأت بأي عمل. حتى ان أحداً لم يرَ شيئاً. ومع ذلك فالجميع يتحدث في الأمر. الجميع يرى ان ما جرى «مستفظع». الجميع يصيح: يا للفضيحة. أنا لا أقل شيئاً. لم أحرّك ساكناً. لم أصرخ. لكن أصرخ أمام أولئك الذين يتفرّغون بتواطؤ الصحافة الربية. ولا أمام ذلك الرهط الخائج المتمطّش الى الفضائح يزّ حياة الباهتة الكثيبة.

وعدت الأمس وحيدة. في السادسة والنصف مساء عبر محطة شاتليه… كنت أنكر فيها، وأنكر فيها.

بقوة. الفتاة الصغيرة المذعورة عند طرف الرصيف. لست بحاجة لأن أضع نفسي مكانها. قد كابدت بنفسي الخوف الذي عانته يوم الاحد الماضي. العناق. الفردة ذاتها التي تستخدمها للحديث عن الحب. يجب ان تُختزى ما يسمّونه «صدمة العمر». لكي يكتبي هذا الفعل كامل معناه عندك».

«ويا لهذا الانقباض لخوّع أعضائك في القفص الصدري. وبعدها، بمقدورك ان تقول «لقد امتلكني خوف عظيم»، لأن الآخرين لن يفهموا غير هذه الكلمات. سوف تتحدث الصحف عن الحادثة. سوف تكتب الصحف وتقيل. ولكن ما الذي ثمّت ما يقال او يكتب او يستدعي التحليل؟ ان الذي حدث في المغرب من يوم الاحد الماضي في مترو شاتليه ليس يخصّ الا من عرفت ذلك الطعم للّ الذي لن يبارح القمّ. ليس يخصّ الا من خبرت تلك الازدواجة الدبقة تعلّق باللحم الى الأبد».

«وما من أحد في العالم يستطيع ان يقول في الأمر شيئاً. فهذه القصة فريدة الى أبعد حدود الفرادة. هذه القصة عنيفة الى أبعد حدود العنف. هذه القصة تمنع تبيهوية:

«ملحوظة: منذ ثلاث سنوات تقدّمت أنا نفسي بشكوى ضد مجهول في حادثة إغتصاب. إغتصاب مع التهديد بالسلاح. اذا يسمحيشم. ولكن من سوف يتحدث في يوم من الأيام عن الصمت الرطب. والداكن الذي يخيّم على مراكز الشرطة والأمن؟ أم بفرض ينسك لأنعام الأيام الرعب الموحش الذي يمسك بتلابيب الفتيات بين قطارين للمترو!»

الموقّع: اسم منشور.

الحال: ٢٤ صحيفة «باريسيان ليبيريه»

الإطلاع: في ٢٧ آب ١٩٨٥.

قطرات العرق تتفصّد على جبينها. والرطوبة اللزجة بين فخذيها. والناس تمرّ كالخلدان. مطاطئة الرؤوس. ومن نظر لم يرَ. ومن رأى أشاح برأسه. ومن لاحظ لم يفعل شيئاً. ومن قال شيئاً، اكتفى بالقول. فلم يتوقف. ومن توقف لحظة لم يحرّك ساكناً. في ذلك اليوم الأحد في العشرين من آب ١٩٨٥ في محطة مترو شاتليه المكتظة بالمسافرين. والمسافرون لا ينقطعون. والفتاة تتضرع. والمسافرون يدبّون دبيب الخلدان في السراديب. والاعلانات كثيرة. والعاطلون عن العمل الذليلون يتسوّلون. تتسول الغجريات الوقحات. وموسيقي أعمى يعزف لك على الاكورديون أنغاماً تنزّ منك شغاف القلب. في ذلك اليوم الأحد في العشرين من شهر آب في الساعة السادسة والنصف، في تمام الساعة السادسة والنصف في مترو شاتليه.

ويقولون لك ان باريس فوق الأرض شيء آخر. متحف اللوفر. عقبة مونمارتر. الحي اللاتيني ونهر السين يقطر كالأمير بين اجمل عبارات الأرض. الجلّاس في المقاهي. وبرج ايفل في الليل ذهب مشغول.

باريس، يا باريس.

وهكذا يا فارياق: نبحث عن الفرد فنجد الفردية. نبحث عن حرية الفرد فنعثر على وحدته. ثروم الديمقراطية بدأها الاستهلاك.

عودة ساغاوا

أي فارياق، قد حان وقت الفراق. وقارب الفوانجيسي على انهاء قصته عن العالم السفلي الباريسي. خرج بساني ساغاوا من السجن في اليابان. وأدلى للصحافة بتصريح جاء فيه أنه يفكّر جدياً بتصنيع جريمته. بات يتخيّل مطعماً لأكلة لحوم البشر تدخل السيدات من الباب الأمامي ويخرجن منه على شكل قطع «ستيك» مشوية من اللبان الثلاث «مشروم» والمبنى سوف «المودة» الى… باريس.

قبل ان يداهمهم ساغاوا من أسباء دمتهم أل «ستيداء» من الريف. أو كما يزعمون تلك التي سمّتها الأنكلو ـ ساكسون «الإيدز». وقديماً سمّتها العرب «الغذارة». وهي نوع من الأنواع المتشيطنة يلحّ بالإنسان فيتحكّه فينخرّ دبره فيموت.

وكان ذلك في العام ١٩٨٥ الميلادي، قبل أن رماهم ربّك بنهاية تشيرنوبيل وما ادراك ما غهية تشيرنوبيل، أدهى من طير الأبابيل. وان الحديث عنها لطويل…

باريس ١٩٨٤ ـ ١٩٨٥

(*) الاقتباسات من كتاب «الساق فوق الساق» لأحمد فارس الشدياق.

Themes
Art & Literature Sociology
Countries
France
Published In
الكرمل
Author
Fawwaz Traboulsi

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.